الدِّين وصناعةُ الزّعماء

بقلم: عبد الدائم السلامي

تذكَّروا جيدا قولي إنّ الزعماءَ أصنامٌ. ومن عادة الأصنام أن تكون قويةً. وليس سرّ قوّتها إلا في قدرتها على تصنيع قداستِها وأُلوهيتها من عجينةِ الوهم، والثباتِ بهما في الأرض أو في مخيّلة ساكناتها ثباتَ اليقين. وإنّ في إقامةِ الأصنام في حَجرٍ صقيلٍ أو في خشبٍ مشغولٍ ما يشي بنزوعها الدائم إلى مخالفةِ الحركةِ ورفضها أبدًا. ولذلك ظلّ الصنم كائنًا خارجًا عن دوائر الإحساسِ فلا ينجرحُ ولا يتألّم ولا يجري الدمُ في عروقه بالرّغم ممّا تعرّض له في تاريخه الرّمزيّ الطويل من إهانات الكافرين به وتهديمهم لجسده الدَّلاليّ. ولعلّ من قوّة الأصنام قدرتها على الطغيان، فهي تطغى على وعي الناس بها، وتطغى على سيرورة الزّمن وتتحدّاها، فلا تنقطع فيها سُلالتُها إلا بسُلطانٍ، إذْ، كلما تهدّم واحدٌ منها نبت مكانه آخرُ أكثر إصرارًا على الثبات وأكثر إمعانًا من أسلافه في الطغيان.

ولأنّ الإنسان عبدٌ لما تصنع يداه بإتقانٍ، فقد استبدّت ببعض الناسِ رغبتهم في إخراج الصنمية من مفهومها التاريخيّ إلى فضاء الراهن، ومن مجال المتخيَّل إلى مجال الواقع، وظلّوا يفعلون ذلك وبهم سعيٌ إلى التماهى معها وتمثّل أدوارها الرمزيّة، حتى استوت لدى بعضهم فكرتُها وصَفَتْ عندهم معانيها، فأقبلوا عليها يُجرونَها في الأرض بأمرهم، حاشدين لها أعوانًا من الأتباع يحرسون صورتها ويزيّنونها في أذهان الناس ويدعمون حضورَها في واقعهم ترغيبا أو ترهيبا عبر شعائر الولاء والمديح والخوف. ومذُّاك، بدأت الأصنام ترتدي أجسادًا سياسية عربية يجري فيها الدّمُ، بل وتُجيد الغضبَ الأزرق، وينتابها الجوع إلى الاستبداد. ومذّاك أيضًا، بدأت دماء المواطنين العرب تسيلُ خارج القانون، وتسيل به أحيانًا أخرى كثيرةً.

ويبدو أنّ ما ساعد على رواج صناعة الزعماء السياسيين في واقعنا العربيّ هو ما شهده هذا الأخير منذ خمسينات القرن الماضي من حراك سياسيّ ولّد، بعد معارك الاستقلال، أحلامًا لدى الناس في ظهور دُول وطنيّة تسود فيها قِيَمُ العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وتُراعَى فيها الحريّاتُ العامة والشخصيّة، وتُحترَمُ فيها استقلاليةُ الفكرِ. غير أنّ كثيرًا من تلك الأحلام لم تجد سبيلَها إلى التحقُّقِ في الواقع. إذْ، عِوضَ أن تظهر دول عربية قويّة ظهرت أنظمة سياسية رصاصيّة تسلّحت جميعها بكثير من الوعود الوطنية الكبرى والشعارات الإيديولوجيات التي تمجّد في ظاهرها مبادئَ الحرية والاستقلال والدّيمقراطيّة، ولكنها تخفي تمجيدَها لزعمائها. ومن ثمة لم تنجز من وعودها إلاّ ما كان خادما لعُلوية وجود هؤلاء الزعماء فوق رقاب الناس، حتى جاز قولُ أحدهم إنّ "ما يوجد في العالم العربيّ هو الشعارات العريضة، والقضايا الكبرى، والأطر الكليّة، والمؤسّسات الجمعيّة التي تتجاوز الأفراد وتعلو عليهم، لكي تعمل على تطويعهم وقولبتهم أو سحقهم، وشَلِّ طاقاتهم الحيّة، كالأمّة والدولة والطائفة والثورة والمقاومة والمسجد والكنيسة والأمن القوميّ..." (علي حرب: تواطؤ الأضداد ).

ولا شكّ في أنّ أنظمةً داخَلَتْها "عدوى تورّمِ الدولة وتضخّمِ دورها" (فرانسيس فوكوياما: بناء الدولة) ستُضطرّ إلى تصنيع زعمائها، وتأليههم بأيديولوجيات منافقة، والترقيّ بهم مرقى أصنام الجاهلية، وتكريس سلطتهم على الناس من خلال ممارسة الضّغط الماديّ والمعنويّ عليهم، وذلك عبر تفقيرهم، وتجهيلهم، وسرقة ثرواتهم، وبيع بلدانهم إلى الآخر ليعود ريعها إلى خزانة الزعيم يُعطي منها مَن يشاء على حدّ قول معاوية "يا أهل العراق أترونني قاتلتكم على الصيام والصلاة والزكاة، وأنا أعلم أنكم تقومون بها! وإنما قاتلتكم على أن أتأمّر عليكم، وقد أمَّرَني الله عليكم… إنما أنا خازن من خزان الله، أعطي من أعطاه الله، وأمنع مَنْ منعه الله” (ابن كثير: البداية والنهاية).

هذا، إضافة إلى إلزامهم بعبادة تلك الأصنام صباح مساء، وتخويفهم من الخروج عن طاعتها، وتخوين كلّ مَن يخالفُها الرأيَ. بل إنَّ مِن حرّاسِ تلك الأنظمة مَن اتكأ على المقدّس دعامةً يرفد بها رَغبته في استمرارية صنم زعيمه وتقوية شوكته بين الناس. فاستفاد هؤلاء الحرّاس من قداسة الدِّين وقداسة الوطن لدى المواطنين لإجبارهم على الخضوع للزعيم الواحد الأوحد الأحد، وراحوا يستثمرون من النصّ القرآني ما يناسب تحقيق أهداف الزعيم في الثبات فوق الأرض والتربّع في أذهان الناس عبر اجتزاء معاني الآيات القرآنية على غرار التعامل مع قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلا" (النساء: 59)، إذْ يكتفون من هذه الآية بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" دون اعتبارٍ منهم لِمَا يوجد بين المفسّرين من اختلاف حول معنى عبارة (أولي الأمر)، ولا النظر إلى الأسباب التاريخية لنزول هذه الآية، ولا حتى احترام وحدتها النصيّة التي يرد ضمنها قولُ الله عزّ وجلّ: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ".

وفي المنحى ذاته، لا تني مؤسّسة الصنمية السياسية تنزع إلى تخيّر بعض الأحاديث النبويّة التي تدعو إلى طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه لتدعيم سلطانه وسلطاته بين الناس على غرار الحديث: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني" (صحيح البخاري).

والظاهر من مجريات واقعنا الراهن، أن حكومات الربيع العربيّ ساعيةٌ إلى تصنيع أصنامها باسم الله وتحت رايته، والظاهر أيضًا أن شعوب الثورات العربية مصمّمة على هدم الأصنام، مهما كان انتسابها الدينيّ، باسم الحرية وتحت راية الكرامة والعدالة الاجتماعية.

عبدالدائم السلامي