الدين والسياسة في مصر.. لمن الملك؟

الاستخدام النفعي لخدمة السياسة

لم يعد هناك انضباط، ويتداخل الدين مع السياسة في مساحات عديدة، يستولي عليها عدة أطراف، تضرب بينهم الخصومة حيناً، وتتناقض المصالح والأهداف حيناً آخر، ما أدى إلى تنامي لغة طائفية متشددة، يغلب عليها العنف والتكفير والتعصب.

أضحى الدين في حالات النزاع عبارة عن مقولات “مفخخة”، وخطاب متشنج، تحكمه الصراعات الهوياتية والطائفية، المشحونة بالعدائية، في سياق عملية مصادرته التاريخية. بات مؤسسة للقهر الديني والسياسي، ومجرد أداة نفعية، حصرته داخل دائرة عنف لا تتوقف.

لم تأت الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء المصرية بجديد، أعني تلك الفتوى التي وصفت فيها الممتنع عن أداء صوته في الانتخابات المصرية، والمزمع إجراؤها في مارس/ آذار المقبل، بأنه “آثم شرعاً”.

ولئن كانت تلك الفتوى ثابتة في المواسم الانتخابية، بحيث يجري استدعاؤها وحشدها في كل مرة، بحيث يجري تقديمها بحيل مختلفة بهدف فرض المشاركة في الحياة السياسية، سواء عبر المرجعية الدينية أو القانونية والسياسية.

على سبيل المثال تم تمرير “شائعة”، إقرار غرامات مالية لمن سيتخلف عن التصويت في الانتخابات، وهي شائعة؛ حيث لم توثق حالة أو يفصح عن إجراءات، لتنفيذ ذلك النص القانوني، كما توضح “الهيئة العليا للانتخابات”، التي تقول إن “قانون الانتخابات الرئاسية ينص في المادة رقم 43 بأنه يعاقب بغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه، من كان اسمه مقيداً بقاعدة بيانات الناخبين، وتخلف بغير عذر عن الإدلاء بصوته في انتخابات رئيس الجمهورية”.

يتبوأ الدين في ظل أنظمة الحكم المتعاقبة في مصر، باعتباره رافداً أساسياً للحصول على الشرعية والشعبية، والحصول على سند معنوي يبرر إجراءات الحكم السياسية.

وبقدر ما تفاوتت انحيازات السلطة الاجتماعية والطبقية وتحالفاتها الإقليمية، يتبدل تبعاً لذلك، موقع الدين وصيغته الرسمية، التي تضحى مقبولة ومعتمدة، من جانب السلطة، سواء خرجت من يمينها أو يسارها.

ولطالما كان الثابت الوحيد بين تلك الأنظمة السياسية، هو الحفاظ على موقع الدين الوظيفي في العملية السياسية، فشهدت مخرجاته تناقضات عديدة، ليس ثمة قاسم مشترك بينها سوى اعتماد استراتيجية دينية، تقوم على الاحتواء وتأميم المجال الديني، لبناء المشروعية السياسية ومواجهة المعارضة.

حفلت التجربة الناصرية التي يعتبرها بعض المؤرخين، صاغت رؤية تقدمية وتنويرية للدين، بممارسات عديدة تخالف ذلك المنطق التأويلي، لآلية تعاطي عبد الناصر مع الدين. جرت حينها محاولات تطويع النصوص لتؤيد فكرة العدالة الاجتماعية، وإبراز الصراع الطبقي في التاريخ الإسلامي، باعتبار أن الرسالة المحمدية جاءت كضرورة لمواجهة تأزم الوضع الاجتماعي وانسدادته التاريخية، وحل ذلك التناقض الطبقي وإعادة توزيع الثروة وتمكين المستضعفين في الأرض.

وعبر فصول التاريخ الإسلامي، عرج نحو إيجاد صلة عضوية، تبرز “النسب الحقيقي للثورة العربية الطليعية التي بدأت في مصر عام 1952، والتي تشير إلى انطلاق حضاري جديد واسع المدى”، كما يصف المفكر الماركسي، أحمد عباس صالح، في كتابه “اليمين واليسار في الإسلام”. إذ يؤكد أن “الدعوة الإسلامية لم تكن مجرد نحلة من النحل ولم تكن دعوة لنبذ الأصنام أو الاتجاه إلى التوحيد بل هي إلى جانب ذلك ثورة اجتماعية توفرت لها كل أسباب الثورة”.

وفي خضم الصراع على الديمقراطية عام 1954، بين محمد نجيب والإخوان من جهة وناصر، من جهة أخرى، استدعي عبد الناصر دور الأزهر في إطار ما يخدم رؤيته ويدعم توجهاته، حيث ساندته المؤسسة الدينية الرسمية، التي دخلت دائرة الصراع السياسي المحتدم، وأصدر شيخ الأزهر فتوى تقول إن “الزعيم (تقصد محمد نجيب)، الذي يتعاون ضد بلاده ويخذل مواطنيه فإن الشريعة تقرر تجريده من شرف الوطن”.

أعلنت هيئة كبار العلماء بالأزهر في بيان عام 1954، “انحراف هذه العصابة (تقصد جماعة الاخوان المسلمين) عن منهج القرآن في الدعوة”. وجاء في البيان أنه “كان منهم من تآمر على قتل الأبرياء وترويع الآمنين وترصد لاغتيال المجاهدين المخلصين وإعداد العدة لفتنة طائشة لا يعلم مداها في الأمة إلا الله”.

لم يكن المستهدف بالرغم من الطفرة الاجتماعية الإصلاحية، التي شهدها المجتمع المصري، في ستينات القرن الماضي، تعديل الفكر الديني وتقديم فهم مغاير لحقائق الدين، يعتمد على العلم والمنهج العقلاني، ويتوافق مع قيم الحداثة ودولة القانون ومبادئ حقوق الإنسان.

بيد أن الدين ظل قائماً لم يمسه تغيير في بنيته وخطابه، سوى ما كان يسعى إليه مكتب الشؤون الدينية في الاتحاد الاشتراكي، أحد المنظمات السياسية التابعة للدولة وقتها، والتي تولت إعداد البحوث التي تطابق بين الإسلام والاشتراكية، وتنفي عنها تهمة الإلحاد، فضلاً عن اجتماعاته الأسبوعية، بشيوخ وأئمة المساجد ورجال الوعظ الإسلامي والمسيحي والمثقفين، لتنظيم محاضرات وتوزيع نشرات تشرح المفاهيم التنموية والاشتراكية، وحقوق العاملين في الإسلام والرد على معارضيها

لذا، لم تجد الهيئات الدينية الرسمية، في سبعينات القرن الماضي، مع تولي الرئيس السادات الحكم، حرجاً في توظيف دعايتها الدينية بصورة مغايرة تماماً، ينطبق معها المثل السياسي الرائج وقتها “أن السادات يسير على خطى عبد الناصر بممحاة”. فأيدت توجهاته بداية من الانفتاح الاقتصادي ونهاية بالسلام مع إسرائيل، وأسعفهم التأويل الديني الانتهازي، بإيجاد نصوص تؤيد الملكية الخاصة والجنوح للسلم!

ومع اندلاع انتفاضة الخبز عام 1977، عقب رفع أسعار السلع الأساسية، تنفيذاً لبنود صندوق النقد الدولي، وصفها السادات بـ”انتفاضة الحرامية”، وشنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات واسعة، في صفوف اليسار المصري وقيادات الحركة الطلابية، وفي الوقت ذاته، ساند وزير الأوقاف، الشيخ الشعراوي، عندما قال إبان الانتفاضة أن “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”.

ظل موقع الدين يتردد بين عدة مواقع وأدوار، تبدو متناقضة وملتبسة، يتكشف فيها الاستخدام النفعي له، ويحصر الذهنية الدينية، داخل الأساطير والغيبيات، والحلول العجائبية، مهما بدا ثورياً وتقدمياً، في لحظة، ورجعياً متخلفاً، لحظات أخرى.

ومثلما تبنت الناصرية قصة تجلي العذراء فوق كنيسة ضاحية الزيتون، ووجدت فيها تعزية عن هزيمة يونيو/ حزيران 1967، واعتبرها صادق جلال العظم في كتابه، “نقد الفكر الديني”، إحدى المناورات لـ”تصفية آثار العدوان”، فكشفت الهزيمة عن إخفاقها في التقدم وعجزها الحضاري، بينما تطرح المرجعية الدينية بكل إغراءاتها طول الوقت، باتجاه العنف باسم المقدس والقتل بالتفويض الإلهي.

كريم شفيق

كاتب مصري