الدين بين السياسة ورجاله

بقلم: راغب الركابي

الدين والسياسة جدلية يطرحها الناس بين الفينة والأخرى عن صلاحية واستعداد وكفاءة رجل الدين للسياسة أو لكي يكون سياسيين.
وهنا يجب التذكير بان المفهوم الذي نطرحه هو عنوان عام نطرحه للبحث و النقاش، بعدما كثُر الحديث عن قدرة رجال الدين على تطويع السياسة والإنغمار في خلواتها و تجربة إيران عندهم شاهد على تلك القدرة وعلى الصمود في وجه عالم متغير.
الرغبة بلعب دور سياسي من جانب رجال الدين إنتجت سلسلة أحزاب وحركات دينية خاضت في السياسة وغمرتها في منطقتنا العربية والإسلامية، فخربت عقول البسطاء منا ولم تعمر لنا ديننا ولا حُسن نوايانا في الدين ورجاله.
لهذا أقول إن رجل الدين السياسي لا يصلح للسياسة ولا يصلح للدين في وقت واحد، فحبان لا يجتمعان في قلب واحد!
فالدين كما أعرفهُ هو مجموعة قيم ومثُل أخلاقية هدفها الأول هو حماية الإنسان والحفاظ عليه ليكون صالحاً غير مُدنس، والسياسة كما يُعرفونها هي فن الممكن، وهي بذلك تخرج من كونها أداة أخلاقية في سلوكها وفي تعاملها في أغلب الأحيان، ولا يمكنها لذلك ان تؤسس لمجتمع فاضل أو تُساهم في ذلك، ومن يقول غير هذا واهم جداً. هكذا هي، ولهذا قلت بعدم صلاحية رجل الدين للسياسة وعدم صلاحيته للدين، إن أراد ان يجمع بينهما في ممارساته وسلوكه.
ونحن في توجهنا لهذا الأمر إنما نحاول ان نُميز بين الدين من جهة وبين رجاله من جهة أخرى، وكذا نُميز بين السياسة من جهة ورجال الدين من جهة أخرى، وهذا التمييز، أو قل التفريق الذي نتبناه قائم على أساس الطبيعة الموضوعية للدين من حيث هو وللسياسة من حيث هي، ونحن هنا إنما نحاول فك هذا التداخل وهذا الترابط الذي يُروج له بينهما في ذهن الناس، ونُريد كذلك توجيه الأنظار إلى مدى الخطورة من تدخل رجال الدين في السياسة والدين في وقت واحد.
فلو حصل التداخل في الوظائف في أي بلد فانه سيربك فيه حركته وتطوره، وسيوقع المجتمع بجملة من التناقضات والإشكاليات غير القابلة للحل، وغير القابلة للتبرير. نقول هذا بعد مشاهداتنا للارباك الكثير من الدين ومن رجاله المزيفين، الذي حول القناعات البسيطة إلى نفور كبير، وهذا الشيء نفسه الذي ولّد لنا سلسلة من النتائج الباهظة الثمن على المستوى الإجتماعي والإقتصادي والسياسي والنفسي.
والسياسة وظيفة. وهي ليست أيديولوجيا، كما انها ليست عقيدة يمكننا الركون إليها أو التحاكم على ضوئها.
اما الدين فهو مذهب أخلاقي وقيمي إعتقادي، أي إنه ليس فنا للممكن، بحيث يمكننا تغيير قناعاتنا حسب المصالح المتغيرة في الزمان والمكان.
والإتكاء على تجربة الرسول محمد (ص) في هذا الشأن ليست على ما ينبغي، إذ لم يثبت عندنا عندنا إن الرسول قد مارس السياسة في مفهومها الدارج، ولم يدمج بين المصلحة والقيم الإلهية في الشكل الذي تفرضه الحادثات المتغيرات، أضف إلى هذا علمنا اليقين بان الرسول (ص) لم تكتمل الرسالة ولم يكتمل الوحي إلاّ في الأيام الأخيرة من حياته. فهو في هذا كان داعية لمشروع القيم الأخلاقية والقيم الإلهية، وهناك فرق كبير بين ان يكون سياسيا وبين ان يكون داعية لا يحق له ممارسة أعمال مخالفة لمنطوق نصوص واضحة تطالبه بحزم بعدم النطق من دون الاستماع للوحي، وبما ان الوحي غيب بالنسبة له فهو لم يجرؤ على ممارسة دور غير مطلوب منه.
كما إن الإتكاء على تجربة الخلفاء الأربعة ليست على ما يرام إذا ما تتبعنا خطوات التاريخ الصحيح لمراحل حكمهم. ولعل البداية الجليّة مع خلافة أبي بكر التي "وقى الله شرها الناس" كما يقول عمر، ثم طاحونة الحرب الأهلية والصراع على السلطة بين المتنافسين، وتجذر ذلك الصراع في أشكاله الدموية البالغة الفداحة بقتل الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) وإفساح المجال أمام سلطة وهيمنة الحكم الملكي البغيض على الشأن العام.
فهي إن قرأناها بدقة وبعيون محايدة سنجد أنفسنا أمام مرحلة ظالمة بددت التوجه الصحيح، وبنت محله ذلك التمزق الذي نعيشه في وعينا، ووجدننا من أجل هذا كله انه تجب إعادة النظر في نوايانا الحسنة وإندفاعاتنا الغير موجهة بتعاليم صحيحة.
وما أظن عاقلاً ينكر ما نرى ونشاهد من تجنيات مارسها رجال دين باسم الدين في ظل الحكم والسلطان، لا في تاريخينا البعيد ولا في تاريخينا القريب والمعاصر. لذلك نحن مع ديننا في حمايته من تفسيرات مخاتلة وتأويلات سيئة، ونحن معه لا مع من يّدعون إنهم من رجاله. راغب الركابي