الدين أفيون الشعب الأميركي

 الانجيليون قوة كبيرة تحدد وجهات السياسة في الولايات المتحدة. الرؤساء المتعاقبون يدركون ذلك.


بوش الأب فاز في انتخابات 1988 نتيجة دعم الجماعات المسيحية المتدينة


خصوم اوباما شنوا حمله ضده بانه مسيحي مزيف باعتباره من اصول مسلمة


الدستور الاميركي المكتوب في 1787 منع إدراج المسيحية ديانة وطنية لكنه لم يمنع استغلال الدين في السياسة

لم يحمل الرئيس دونالد ترامب الإنجيل وهو امام كنيسة القديس يوحنا بواشنطن اعتباطاً، بل هو فعل تراكمي يعكس استغلال الدين في السياسة الاميركية. ربما يكون ترامب اول رئيس اميركي يتصرف بشكل علني ويلوح بالكتاب المقدس، ويرسل رسالة لاتباعه بانه متدين جاء لحماية القيم الدينية المهددة من قبل غير المتدينين. إلا ان دور الدين واستغلاله ليس خافياً. فلو القينا نظرة على تاريخ الانتخابات لظهر واضحاً جداً في المعارك الانتخابية السابقة. وبالرغم من رفض كتَّاب الدستور الاميركي في العام 1787 ان يجعلوا المسيحية ديناً وطنياً، ونجحوا بذلك، إلا انهم لم يتمكنوا من منع استغلال الدين في التأثير على الشارع. فمنذ عهد رونالد ريغان وحتى الرئيس ترامب نرى ان الإنجيليين لهم سطوة في توجيه مسار الانتخابات الاميركية والتأثير على الناخب .

في سبعينيات القرن المنصرم أسس القيس كيري فالويل جمعية "الغالبية الاخلاقية" والتي جاءت رداً على ما اسماه بالانحدار الاخلاقي للأمة الاميركية. وهذه الجمعية ساهمت بشكل كبير بصعود اليمين المتدين. ففي العام 1980 توجت جهود اليمين المتدين بفوز ريغان.

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوكلاهوما ألين هيرتزك أن التيارات الدينية باتت أكثر انتشاراً وتأثيراً من أي وقت مضى في تشكيل النقاش العام بين الناس في اميركا.

ففي الانتخابات التي أتت بالرئيس اوباما كان التنافس الديني واضحاً، فقد طرح المرشح ميت رومني نفسه على انه مسيحي مورموني، الا ان الشارع الاميركي رفضه وشكك في عقيدته المسيحية التي اعتبرها فاسدة، كما ان خصوم الرئيس اوباما شنوا حمله ضده بانه مسيحي مزيف باعتباره من اصول مسلمة.

والمعروف ان الجمهوريين يولون أهمية لهذا العامل، بعكس الديمقراطيين. ولعل الرئيس بوش الابن اعتمد على هذا العامل بشكل كبير، ففي انتخابات الرئاسة لعام 2000 صوّت الناخبون الملتزمون لبوش الأبن بنسبة أكبر مما صوتوا لمنافسه آل غور الذي حصد أصوات غير المتدينين. يتحدث مانسفيلد صاحب كتاب عقيدة جورج دبليو بوش فيقول: ان فكرة ترشيح جورج دبليو للرئاسة جاءته من خلال حضوره مع والدته صلاةً في احدى كنائس تكساس، وكان القس مارك كرايج يتحدث عن قصة النبي موسى وقال "إن موسى تردد بعض الشيء في قبول دعوة الله له لقيادة المجتمع، في حين أن المجتمع في أشد الاشتياق لقيادة تمتلك رؤية وشجاعة أخلاقية." فلتفتت اليه أمه وقالت له "ان القس كان يعنيك." وبعد فترة قصيرة اتصل دبليو بوش بالقس جيمس روبيسون وقال له "لقد سمعت الدعوة. أعتقد أن الله يريدني أن أرشح نفسي للرئاسة."

ولعل ما حدث بعد وصوله للرئاسة، وقيامه بغزو العراق على اثر حلم مقدس خير دليل على عقيدته الدينية.

أما بوش الأب فهو الآخر قد فاز في انتخابات 1988 نتيجة دعم الجماعات المسيحية المتدينة، لكون بوش الابن أحد أعضائها الناشطين، وذلك خلال فترة شهدت صراعا سياسيا كبيرا على اجتذاب أصوات اليمين الأميركي المتدين الصاعدة سياسيا.

وعلى خلفية الدعم الأميركي لاسرائيل نرى أن الدين يلعب دوراً مهماً في هذه القضية. فيرى اليمين المتطرف من المسيحيين أن دعم اسرائيل هو واجب ديني يفرضه الكتاب المقدس (العهد القديم) وأن اسرائيل الحالية هي وريثة اسرائيل القديمة والتي هي أرض الميعاد التي تمتد من الفرات الى البحر المتوسط ومن سيناء الى جنوب لبنان.

لذا نرى أن الرؤساء الأميركيين يعلنون ذلك في برامجهم الانتخابية لكسب اصوات اليمين.

لقد تنبأ صموئيل هنتغتون صاحب نظرية صراع الحضارات بخطورة استغلال الدين في اميركا، حينما قال إن الصراع بات حتمياً نظراً للتغيير الذي تتسارع خطواته على أساس المعادلات الدينية بين الكاثوليك والانجيليين.

واليوم يلعب الإنجيليون دوراً مهماً في دعم الرئيس ترامب، وهو يعول عليهم كثيراً، فهم متحمسون لدعم الرئيس على اساس عقيدته المسيحية.

ان حمل ترامب للكتاب المقدس عده الكثير من المراقبين بانه تحريض، واثارة طائفية، واستغلال للرموز الدينية. وقد اثار هذا الفعل غضباً كبيراً لدى شريحة واسعة من المثقفين والفنانين، وحتى بعض رجال الدين، فقد أصدر رئيس أساقفة الكنيسة الأسقفية، مايكل كاري وهو اميركي من اصل أفريقي، بيانه الخاص قائلا إن ترامب استخدم مبنى الكنيسة والإنجيل المقدس لأغراض حزبية سياسية.

 ان ما قام به ترامب هو تهديد حقيقي للقيم الاميركية، في الحرية والمدنية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الانسان التي نادوا بها وغزوا بلدان كثيرة بحجة انها بلدان لا تراعي الحريات وتستغل الدين في الصراع السياسي.

لقد كشف فرانك لامبارد في كتابه "الدين والسياسة الاميركية" الكثير من خفايا السياسة الاميركية، التي استغلت الدين في تخدير الشعب الاميركي وساقته نحو حروب اعتبرتها مقدسة.

واليوم يريد ترامب ان يستغل العامل الديني في الترويج لحملته الانتخابية وهو على أبواب الانتخابات العامة في نوفمبر القادم، فهل سينجح الرئيس هذه المرة في تحشيد الإنجيليين؟

وهل سيخدع المتدينون الإنجيليون في مشهد حمل الكتاب المقدس الاستعراضي ويشعلون حرباً؟ أم انهم سيجنبون اميركا الوقوع في الحرب الأهلية.  

ولكم في العراق عبرة يا أولي الالباب.