الدينية والعلمانية والزواج

الجدل عن الحجاب والوظيفة والخروج من الدار

يواجه الزواج، هذه الرابطة الدنيوية والمدعومة دينياً وعرفياً وأخلاقياً والمنظمة قانونياً وتحديات حقيقية تتطلب استنفاراً للجهود والإمكانات لحمايتها والعودة بها إلى شواطئ الدعة والأمان لتكون كما هي أصلاً الملاذ الآمن الذي لا يستغني عنه أحد. الزواج كما هو معروف رابطة تلزم الطرفين بواجبات وحقوق متبادلة من أجل تحقيق هدف الحياة الزوجية والذي يتمثل بالرفقة الحسنة والحياة الاجتماعية في ظل أجواء من المحبة والتعاون والتساند والإهتمام المشترك. الا أنّ هذه الرابطة الإنسانية المهمة والتي طالما استغرقت جهداً وآمالاً وأحلاماً كبيرة على مستوى الأفراد الذين تطلعوا إليها من نساء ورجال تتعرض اليوم إلى رياح عاتية تكاد تربكها أو تهزها وأحياناً تقتلعها لتقذف بها بعيداً عما أتفق أنّها تأسست عليه. والرياح هذه تأتي من طرفين متعارضين هما ما يتمثل بالظاهرة الدينية والآخر الظاهرة العلمانية.

تعرف الأولى – الدينية – بأنّها التعبير عن الاهتمام والمشاركة بنشاطات دينية تتحدد طبيعتها بحسب قيم ومعايير مرجعية من نوع ما. وتتمثل أيضاً في درجة مشاركة الفرد في الطقوس الدينية التي توصّف على أنّها كذلك. على الضد من ذلك تحدد العلمانية في ضوء قيم ومعايير تعرف بأنّها نفعية وعقلانية وذات طبيعة براغماتية تقبل بل وتشجع التغيير والنزعة إلى الإبتكار. اجتماعياً، لم تكتف رياح الظاهرة الدينية وفي قبالتها الظاهرة العلمانية بضرب المجتمع ككل على مستوى الحياة العامة لتضع الناس في فصيلين متعارضين إنّما اختارتا أيضاً اختراق البيوت الآمنة والعوائل المستكينة وبخاصة العوائل الشابة التي شهدت تصاعد موجات الجدل والنقاش والمناظرات حد بلوغ المناكفات والخصومات.

لم تعد العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية من حيث الخلفية الطبقية أو الفئوية أو التعليمية والمهنية وحدها هي العوامل المؤثرة في العلاقات الزوجية وبالتالي العائلية بل ومع ثبات وتساوي هذه العوامل على تنوعها بالنسبة إلى الزوجين المعنيين ظهر نمط التفكير والتوجه نحو الدينية أو العلمانية ليطرح تحديات ما فتئت تزداد صعوبة. ففي ظل أجواء الحرية النسبية التي وصفت من قبل البعض بأنّها أحد أهم إنجازات التغيير الذي حصل في العراق بعد 2003، صار مألوفاً رؤية زوجين يعبران عن وجهتي نظر مختلفتين ليقدم أحدهما نفسه من خلال المنطق والسلوك بإعتباره دينياً متمسكاً ملتزماً ومن المحتمل أنْ يكون متشدداً فيما يقدم الآخر نفسه بإعتباره علمانياً ليبرالياً تقدمياً ومن المحتمل أنْ يكون متشدداً، أيضاً. المشكلة أنّ الأمر لا يقف عند حدود التوجهات العامة والتعبير عن الرأي ووجهات النظر وإنّما قد يتعداه ليصبح أحد الزوجين أكثر حدية وأكثر إمعاناً للتأثير وفرض وجهة النظر والموقف على الزوج الآخر ويمضي قدماً دون أنْ يبالي ببلوغ مرحلة التصادم والاختلاف.

يحدث هذا عندما يظهر طرف اهتماماً بأداء الطقوس الدينية على سبيل المثال، والاحتفاء بالمناسبات المعنية حد إهمال ما تأسست عليه الحياة الزوجية مثل رعاية الأولاد وتوفير أجواء الحياة العائلية المألوفة والمعروفة بالإستقرار والتي تتخذ فيها مسألة توفير المستلزمات الأساسية وتصنيعها كالمأوى واللباس والطعام أهمية إستثنائية ذات مردود مادي واقعي وضروري وكذلك معنوي وأخلاقي لا يقل أهمية. يروم الطرف الآخر بالمقابل، قدراً من التحرر من الالتزامات العامة التقليدية ليقود حياة أكثر مرونة على مستوى العلاقة بالأقارب والمعارف والأصدقاء.

لا يتوقف الأمر عند حدود الاهتمامات وطرق العيش المختلفة تحت سقف واحد مما يمكن إحتماله وإنّما يتقدم إلى مزيد من التصعيد بسبب الإختلاف في وجهات النظر حول الطريقة التي يمكن أنْ ينشأ بها الأولاد. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يكون الأولاد مجموعة من الذكور والإناث مما ينذر بالتصادم حول القواعد المقبولة والمقنعة من قبل الطرفين بصدد التنشئة الاجتماعية لكليهما وهي العملية التي تتطلب من ناحيتها توافقاً لا يسمح بالإختراق وإنتهاز الفرص وتنغيص الحياة العائلية. يمكن لكل هذا أنْ يؤدي ببساطة إلى إنقسام عائلي يزداد خطورة مع تقدم الوقت ليصنع كتلاً متعارضة متصادمة داخل البيت الواحد وليس كتلة واحدة متراصة كما يقترح العرف والتقليد ومنظومة القيم المتعارف عليها اجتماعياً وثقافياً.

قد لا يتوقف الأمر عند حدود الإختلاف والتساوي على مستوى الأولاد ليصنع منهم "متآمرين" على أحد الأبوين ضد الآخر نتيجة الطبيعة السيئة للتناحر التي تنعش أجواءً من هذا النوع وتغذيها. وقد تستمر الأمور بالتصعيد إلى درجة أنْ يخضع أحد الزوجين أو كليهما الأسس التي تقوم عليها الحياة الزوجية للمحاججة والسؤال من قبيل "لم تقل لي أنك لا تصلي، ولم أعرف أنك لا تصوم". وهناك الجدل حول الحجاب والوظيفة والإشتراك في وسائل التواصل الاجتماعي والمدى المسموح به لتنمية شبكة الأصدقاء والصديقات بل وحتى القريبات من وزن "أمك وأختك" وخذْ على هذا. ما لم يتخذ ما يكفي من التفاهم بين الزوجين من أجل العودة إلى سواقي المحبة والتعاون والإنسجام دون تغليب لسلطة أحد على أحد فإنّ من المحتمل أنْ تؤدي هذه التجاذبات إلى القطيعة الأولية وفق مبدأ "لكم دينكم ولي ديني"، مما ينذر بهبوب رياح الإغتراب التي تزداد شدة وعمقاً مع تقادم الزمن لتديم أمد الخصومة.

مرة أخرى عندما لا يهتم الطرفان بقدر متساوي من الإهتمام بكل هذه التطورات المنذرة ويهملان أهمية التواصل بالتوادد والتفاعل المستدام والقيام بنشاطات مشتركة من شأنها تقوية الرابطة العائلية وتعزيز لحمتها فإنّه سرعان ما ينبت الجفوة ويعاظم الإختلاف ويمهد لإنفراط عقد التكامل والتساند المتبادل وصولاً إلى تعابير من قبيل "لا أشعر بالراحة ... لم أعد أستطيع العيش معك ..."، وهكذا وصولاً إلى تدخل الأهل والأقارب ممن قد تفشل محاولاتهم لإعادة المياه إلى مجاريها وتحقيق المصالحة والتسوية. لا يبقى والحالة هذه الا إعتماد آخر الحلول التي تأخذ مكانها في قاعات محاكم الأحوال الشخصية للمطالبة بالطلاق وهو "أبغض الحلال".

هكذا يتجسد التشدد والتشنج والتطرّف على مستوى الحياة العامة في البيت وعلى صعيد العائلة. الخطورة بالموضوع أنّ من التبسيط إعتباره مسألة خاصة وفردية وأنّه شأن عائلي لا يجوز التدخل فيه إحتراماً لخصوصية العائلة. إنّه قضية اجتماعية تتطلب تدخلاً ليس بالضرورة بصورة مباشرة وإنّما بصورة غير مباشرة من خلال العمل على إشاعة أجواء المصالحة والتسامح والحوار على صعيد الحياة العامة وبما ينعكس على الحياة الخاصة. فالعائلة نواة المجتمع وأول المدارس وأكثر الميادين أهمية في حياة الإنسان مما يتطلب الإهتمام بها وفق خطاب إعلامي وديني وثقافي يقوم على أسس أكثر تفهماً لما يعتمل فيها من تغيرات وإرهاصات فكرية وسلوكية. لم يعد مجدياً التحذير من مخاطر المسلسلات الأجنبية أو الشبكة العنكبوتية أو إنتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت لوازم لا غنى لأحد عنها تماماً كما الهاتف والسيارة والتلفزيون، الخ. كما لم يعد مجدياً الحث على إسداء النصيحة والموعظة الحسنة وإنّما هي قضية مسؤولية اجتماعية تساهم فيها كل المؤسسات والقوى الفاعلة والمؤثرة في المجتمع من خلال تعديل مساراتها لتصبح أكثر إحتراماً للخاص ولا تسمح بتطاول العام على الخاص. تشهد الظروف العصيبة التي مر بها المجتمع في غمرة الحروب والنزاعات المسلحة وغير المسلحة على أنّ العائلة قامت بدور الخيمة الحامية والملاذ الآمن. أما اليوم فقد بلغ الزواج ما بلغه من رياح التمرد والحسابات الضيقة حتى صارت البيوت ميادين للمنافسة والصراع والتحدي، الأمر الذي يتحمل تبعته المجتمع ككل ليتدخل فيه بطريقة لا تتعارض مع إحترام قيم الخصوصية ولن يحصل هذا ما لم يسهم الجميع بتشذيب نزاعاتهم وإبعاد البيت عما يتهدده من مخاطر بأي شكل من الأشكال. الزواج والعائلة بحاجة إلى من يعودهما.

لاهاي عبد الحسين

كاتبة عراقية