'الديناصور الفاتن' يغيب عن شاشة الانتخابات



التقديم التلفزيوني فن وثقافة ترقى بذائقة المشاهد

ثمة من يرى نفسه محظوظا، وهو يغيّب عن منزله تماما القنوات الفضائية العربية، على اعتبار أن بدائل التلفزيون الأخرى المتوفرة على الإنترنت والصحف قادرة على توفير الخبر وتداعياته.

فهل حقا سيكون "العربي" سعيدا بعدم مشاهدته القنوات الفضائية العربية؟

ستحمل الإجابة شيئا من الإيجاب إذا كان "المشاهد" الرافض للقنوات العربية يجيد لغة أخرى يستطيع من خلالها التواصل مع التلفزيون غير العربي باعتباره حاجة بيتية لم تنجح كل البدائل الأخرى في إزاحتها، فالإنترنت ليس بديلا عن التلفزيون، بل هو منصة أخرى موازية، والصحف المطبوعة تحاول اللحاق بتداعيات ما يبثه التلفزيون، ويبقى "يوتيوب" معينا عند الرجوع إليه وليس تقليدا مريحا للمشاهد كما الشاشة الصغيرة.

مهما يكن من أمر، فالتلفزيون العربي برمته اليوم يكاد لا ينجو من التكرار في كل ما يقدمه، ويمكن تصنيف مذيعيه ضمن خانة الديناصورات القديمة التي لا تريد الخروج من تاريخيها المقيد، فيما يضيع الجيل الجديد من المذيعين في سطحية مريعة عبر الركون إلى اللهجات الدارجة والثقافة السائدة وتكرار أسئلة يعرفون مسبقا إجاباتها.

فهل أسهم المذيعون ومقدمو البرامج الحوارية في إشاعة ثقافة سطحية والركون إلى ما هو سائد، بل إن بعضهم لا يشعر بالخجل عندما يستعين بلغة "المقهى" لإطلاق أسئلته أو التعليق على الإجابات.

مذيع مثل ديفيد ديمبلبي "74 عاما" لا يشعر بالحرج وهو يتلقى تسمية "الديناصور الفاتن" بعد استمراره أكثر من ربع قرن في التقديم من شاشة هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، بل إنه الوجه الذي يستمر على مدار 18 ساعة متواصلة لنقل نتاج الانتخابات البريطانية منذ عام 1979، حتى إن أنا فورد قارئة نشرات إخبارية سابقة في "بي بي سي" وصفته بـ"الديناصور الفاتن" قائلة "أستغرب كيف يستطيع هذا الديناصور الفاتن الاستمرار في العمل مع بي بي سي مع إني مهما دققت النظر لا أرى امرأة بنفس السن".

وعندما أريد لديمبلبي محاور السياسيين أن يكون له دور في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية بلندن 2012، كان لابد من إدخاله في زاوية تليق به ولن تكون مقحمة في تغطية إخبارية رياضية حظيت بأكبر مشاهدة عالمية، وهو اليوم يدير برنامجا أسبوعيا يتيح للجمهور التحاور مع السياسيين وجها لوجه، بانضباط عال.

يمكن القياس إلى حد ما على "الصورة التلفزيونية المصغرة" لديفيد ديمبلبي، لإيجاد معادل تلفزيوني عربي، على اعتبار أن تجربته لم تضعه على هامش التصاعد المطرد للتقديم التلفزيوني باعتباره فنا وثقافة ترقى بذائقة المشاهد.

ومع كل تاريخ ديمبلبي فإن "بي بي سي" تفكر ببديل له في متابعة التغطية الإخبارية للانتخابات البرلمانية البريطانية عام 2015، بعد أن كان الوجه الذي يعلن عن الفائز في بث حي على مدار 18 ساعة دون أن يرف له جفن.

ليس المهم من يكون البديل، لكن الأهم هو كيف يمكن للجيل الجديد التعلم من ثقافة التقديم التلفزيوني وعدم السقوط في فخ الثقافة السائدة وتكرار جمل على الشاشة يتداولها الناس في الشارع والمقهى، فمن يصنع ذائقة من؟