الديموقراطية واختباراتها بعد الثورات

بقلم: ماجد كيالي

فجأة أزيحت الحجب والستائر والجدران وباتت المجتمعات العربية تشبه نفسها حقّاً، بعد أن أطاحت الثورات الشعبية بالصورة النمطية التي حاولت الأنظمة الشمولية تعميمها، طوال أكثر من نصف قرن، فبدت هذه المجتمعات، على حقيقتها، مختلفة ومتنوّعة وتعدّدية، كما بدت جدّ بسيطة ومباشرة وعفوية؛ وبديهي أنها في كل ذلك لم تكن على مستوى آمال أو توهّمات البعض.

مع ذلك فإن صعود الإسلاميين إلى الحكم في عديد من البلدان العربية، عبر صناديق الاقتراع، بدا مفاجئاً لكثيرين مع انه ليس ثمة مفاجأة كاملة لمن لا يتنكّر للواقع، مع غياب السياسة ومصادرة الحريات وتغييب المجتمعات وتعثّر قيام الدولة الوطنية، أي دولة المواطنين، ومع تدنّي مستوى التعليم والتنمية وسيادة صراعات الهوية وطغيان الموروث الثقافي المحمّل بالثقافة الإسلامية التي ظلّت، لاعتبارات معروفة، تحافظ على حيّز خاص ومستقل لها في الواقع العربي؛ على خلاف الثقافات الأخرى (العلمانية والليبرالية والديموقراطية واليسارية).

هكذا فإن نوعية التيارات التي بادرت إلى الثورة وأعطتها روحها ومنحتها هويتها وصدّعت بعض نظمها اختلفت تماما عن نوعية التيارات التي تصدّرت نتائج صناديق الاقتراع. ويمكن تفسير ذلك بواقع أن هذه الانتخابات، التي هي الأولى من نوعها التي تجري بحرية وشفافية ورقابة شعبية، تمّت في ظروف غير مناسبة، ولا حتى على المستوى النسبي، إذ لم يتم التمهيد لها بفترة زمنية مناسبة تتيح إنشاء أحزاب جديدة ما يمكّن كل التيارات من عرض وجهات نظرها وبرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أوساط الشعب.

أيضا لم تكن المعركة الانتخابية بالنسبة للجميع تجري على قدم المساواة بالنسبة للظهور في وسائل الإعلام وبالنسبة لتمويل الحملات الانتخابية؛ وكلها أمور صبّت في صالح القوى الحزبية الإسلامية. فوق ذلك ثمة نوع من العطف على التيارات الإسلامية التي اضطهدت وحرمت من السياسة في بعض البلدان، بخاصة وان هذه التيارات لم تجرَّب تماما في الحكم ولم تُختبر في كيفية إدارتها للمجتمع وحاجاته المعيشية. ومن الطبيعي إننا هنا لايمكن أن نغفل عوامل الشحن العاطفية والغريزية التي تعمل في إطار صراعات الهوية، وفي ظل غياب الانتماءات المجتمعية، الوطنية والجمعية، لصالح الانتماءات الطائفية والمذهبية (وكذا الاثنية والقبلية).

المشكلة أن بعض المثقفين الذين دأبوا على التنكّر للواقع السائد، على رغم حال التزوير والتهميش والإقصاء فيه، بدوا وكأنهم أخذوا على حين غرّة بهذه النتيجة غير الملائمة لتصوراتهم وتوهماتهم فإذا بهم يحملون على الثورات وعلى الديموقراطية، لكأن الواقع السابق كان ينبغي تخليده، أو أن الديموقراطية نبتة غير صالحة للتربة العربية!

هؤلاء المثقفون الذين لطالما جمّلوا الواقع السلطوي العربي، قبل الثورات، وروّجوا له، عن غير حق، باعتباره محمولاً على العلمانية والحداثة والوطنية والقومية، لم يأخذوا باعتبارهم مسؤولية النظم التسلّطية عن صعود التيارات الإسلامية، على حساب غيرها، وكذا تعثّر الاندماجات المجتمعية وغلبة الولاءات الطائفية والمذهبية والاثنية وغياب مفهوم المواطنة، وكلها تفيد بأن الواقع العربي لم يكن يعيش حالة حداثة أو علمانية أو وطنية أو قومية، ولو بالمعنى النسبي.

الأنكى أن هؤلاء لا يتعاملون مع الثورة بوصفها مساراً طويلاً، مضنياً ومتدرّجاً ومتعرّجاً، وصاعداً ونازلاً، بقدر تعاملهم معها بطريقة متطلّبة وكأنها بمثابة انقلاب فوري في المجتمع والسلطة وفي العلاقات والثقافات، في حين أن كل ذلك يفترض إحداث تغييرات في مستوى التعليم والتنمية وفي مستوى الحرية والدولة والقانون والوعي.

ماذا يعني كل ذلك؟ هذا يعني أن هذه الثورات تشبهنا حقّاً، تشبه التنوّع في مجتمعاتنا المتعدّدة والمتنوعة، وهي تعكس حقيقة الظلم الشمولي الذي أعاق تطور مجتمعاتنا ودولنا وانتماءاتنا لوطن ولمواطنة، لذا ليست المشكلة في وجود هذا التيار أو ذاك، وضمنه التيار الديني/الإسلامي، فهذه التيارات ستبقى لأنها جزء من مجتمعاتنا، وهي ستبقى بقدر تعبيرها عن ثقافة المجتمع وبقدر حملها لمتطلباته ودفاعها عن حاجاته.

على ذلك فإن المشكلة تكمن في وضع مجتمعاتنا على سكّة الحداثة، وفي تطوير التعليم والنهوض بالتنمية والتمكين من الحرية، وبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، وفي القبول بالتعدّدية وفصل السلطات والاحتكام للقواعد الديموقراطية لحل الخلافات الداخلية. هذا فقط ما يمكّن من تعلّم العيش معاً (وضبط ذلك بالدساتير والتشريعات والقوانين)، ويتيح الاغتناء بالتنوع والتعددية والاختلاف، أما غير ذلك فهي وصفة لتفكّك الدولة والمجتمع وربما للحروب الأهلية.

ففي المسائل الحياتية، لا في مجال الأيدلوجيات والعقائد وسياسات الهوية، يمكن اختبار مختلف التيارات (الإسلامية والعلمانية والليبرالية واليسارية والديموقراطية والقومية والوطنية) وتعيين التوازنات وتحديد حجم كل تيار في المجتمع، الأمر الذي يحتاج ربما إلى دورة انتخابية ثانية أو ثالثة.

بكلمة أخرى، لاينبغي المبالغة في التخوّف من صعود التيار الإسلامي في الانتخابات، فهذه هي الديموقراطية، وهذا ما يريده الشعب، وهذا طبيعي في مجتمعاتنا التي عانت من الركود والتهميش والتغييب والتسلط. وينبغي أن نلاحظ هنا أيضا أن هذا التيار لم يعد نفسه، كما في الخمسينيات إلى الثمانينيات، وأن مجتمعاتنا لم تعد هي ذاتها بفضل مسارات العولمة والحداثة والتطور التقني؛ وعدا ذلك فإن معنى الثورات يفيد من الآن فصاعدا بظهور الشعب على مسرح التاريخ وأنه بات سيد نفسه وأنه هو الذي سيمتحن الجميع بمن فيهم التيار الإسلامي.

على ذلك وبدلا من تعليق كل شيء على شماعة التيار الإسلامي ولوم المجتمعات العربية وندب الحظ، ينبغي للتيارات اليسارية والليبرالية والعلمانية والديموقراطية والقومية والوطنية أن تراجع تجربتها وأن تفحص ادعاءاتها وأن تنتقد سياساتها، لاسيما إنها ولزمن طويل حولت كل شيء إلى أيدلوجيا، واستكانت في معظمها إلى وداعة العيش في ظل السلطات المهيمنة، ما افقدها هويتها وأضاع قضيتها.

***

جورج إسحاق الرئيس الأول لحركة «كفاية« (وبعده جاء المرحوم عبدالوهاب المسيري ثم عبدالحليم قنديل)، لم ينجح في الانتخابات في مواجهة مرشح حزب الحرية والعدالة (الإسلامي). مع ذلك هذا ليس انتكاسة للديمقراطية، هذه محطة على طريق الديموقراطية، لكنها بالتأكيد انتكاسة لثقافة الديموقراطية باعتبار دخول ديانة الشخص في اختيارات الناخبين، وليس كفاءتهم ووطنيتهم وإخلاصهم لشعبهم ودورهم النضالي في إسقاط النظام السابق. جورج اسحق لم ينجح في الانتخابات ولكنه نجح (مع حركة كفاية)، ومع محمد البرادعي ومع أيمن نور (وحزب الغد) ومع مجموعة شباب 6 ابريل وخالد سعيد وغيرها من المجموعات، في تصديع نظام حسني مبارك، وفي جلب الشباب إلى ميدان التحرير لإسقاطه في وقت كانت فيه الأحزاب لا تفكر في هذا الأمر ولا في أحلامها؛ تحية لهم جميعا.

ماجد كيالي