الديكتاتورية تدَّعي الحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه

فاتسلاف هافل لم يعتبر النظم المتسلطة دكتاتوريات تقليدية، بل نظم ما بعد الشمولية. 


نظام ما بعد الشمولية يلاحق الإنسان بمبرراته في كل خطوة يخطوها تقريبًا


الأسلوب الذي يتبعونه للتلاعب بالفرد أشد نعومة، وأكثر كياسة من الأسلوب القمعي لنظم ما بعد الشمولي

يقارن البعض أحيانًا الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي بنسخته "اللايت". نسخة أبرز سماتها فشل الديموقراطية، والانحراف السياسي، وتقييد الحريات، والعنصرية الدينية، والشعبوية. هل هذا هو نظام شمولي جديد؟ 
الكاتب المسرحي والمعارض البارز للنظام الشمولي ورئيس جمهورية التشيك السابق فاتسلاف هافل لم يعتبر في دراسته التي كتبها عام 1978 بعنوان "قوة المستضعفين" وترجمها د. خالد البلتاجي وصدرت أخيرا عن دار صفصافة، النظم المتسلطة دكتاتوريات تقليدية، بل نظم "ما بعد الشمولية". لا يتعلق الأمر بنظم غير شمولية، بل على العكس. مؤكدا إنها نظم شمولية بوجه آخر غير وجه الديكتاتوريات التقليدية التي اعتدناها. 
وقال "تذكرنا لغة إدارة الاتحاد الأوروبي في بروكسل التي تقلب معاني الكلمات، بلغة النظام الشيوعي الغامضة التي أطلق عليها هافل في إحدى مسرحياته لغة الـ "باتيديب". يصفون الاضطهاد بعبارة مهيبة، وهي "العنصرية الإيجابية"، وفقدان الاستقلال بأنه "سيادة مشتركة"، والسلوك المشين بأنه "إجراء متهور"، ويعتبرون الشحاذين "منبوذين اجتماعيًّا"، والرقابة "إصلاحات سياسية"، الخ.
كتب فاتسلاف هافل كتابه وفقا للبلتاجي في مقدمته إلى أن في أشد عصور الديكتاتورية قسوة، يصف فيه ظهور النظام والذي يطلق عليه نظام "ما بعد الشمولية"، حيث يشرح طريقة عمل هياكله "ذاتية الحركة"، والصراع بين متطلبات النظام الحاكم وحاجات المواطنين اليومية، إنه كتاب عن الهوية الإنسانية في صراعها من أجل تحقيق ذاتها مع نظم - تارة ديكتاتورية تقليدية، وتارة أخرى ديكتاتورية تدَّعي أنها تحكم باسم الشعب وتعمل لصالحه، يقدم لنا هافل هذا الصراع من منظور قادته المستقلين خارج السلطة، أو كما يصفهم بالضعفاء الذين رفضوا حياة الخداع والوهم الذي يطعمهم الديكتاتور لمواطنيه ويدفعهم إلى أن يتنازلوا عن حاجاتهم الشخصية واليومية لصالح تحقيق أغراضه، يقدم هافل تفسيرًا لكيفية عمل الحركات المدنية الثائرة، أو ما تسمى في شرق ووسط أوروبا بـ "حركات المنشقين" وعلاقتها بالمواطن والنظام والحياة".

هافل ساعد في إجبار الحزب الحاكم (الذي كان محسوبا على الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو) على اقتسام السلطة مع معارضيه، فيما اعتبر ثورة مخملية

وأضاف البلتاجي أنه لا يمكن قراءة الكتاب كدراسة تحليلية نقدية للمجتمع أو كبرنامج تحرري، أو كدليل إلى حراك مجتمعي. وقال "من العبث تفسير العمل إنطلاقًا من أنماط فلسفية أو فكرية أو سياسية. فمن منا اليوم يهُمّه أن يعرف أن هافل كان يمينيًّا مدعومًا من الغرب، أو يدعم الغرب، أو يساريًا يحلم ببدائل للديموقراطية البرلمانية واقتصاد السوق؟ ما أهمية السجال حول القضايا البيئية التي تهم البشرية إن كانت من طبيعة المذهب المحافظ أم المذهب المثالي في السياسة؟ والفرق بين الواقعية السياسية والمثالية السياسية الذي يركن إليها اليوم السياسيون ومستشاروهم، ويتخذونها متكا ثقافيًّا تنويريًّا؟ 
إن نص "قوة المستضعفين" يتطلب قراءة مغايرة. ففي هذا النص ظهرت موهبة هافل الدرامية، وميله إلى عقد مفارقات مكنته من صياغة دعوة جسورة إلى ثورة وجودية، والعودة إلى فكرة الزعيم التشيكي جريجور مساريك الخالدة حول العمل الجيد الدؤوب".
وأوضح "يكمن سحر المفارقة الجدلية والأدبية أيضًا في التناقض والتعارض الذي لا يخلو من منطق. فالأديب المسرحي والمنشق والسياسي التشيكي فاتسلاف هافل قادر على أن يعبر عن خوفه على حرية البشر بكلمات أخذها من قاموس الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، الذي لم يُعن يومًا – على أقل تقدير- بالمجتمع الديموقراطي، ولا بالحرية. المفارقة في الموضوع بالطبع هو موضوع المقالة التي يصف فيها هافِل "القوة" على أنها حال هؤلاء الذين انتهى بهم المطاف ضعفاء عاجزين، يعيشون على هامش المجتمع، إن لم يكونوا خارجه. 
وصف هافل لغة النظم المتسلطة موضحا "إن نظام ما بعد الشمولية يلاحق الإنسان بمبرراته في كل خطوة يخطوها تقريبًا. يلاحقه بالطبع مرتديًا قفازات الأيدولوجية. فالحياة فيه متشابكة كنسيج طحلباني من الكذب والادعاء. حكومة البيروقراطية تسمى حكومة الشعب، وباسم الطبقة العاملة يتم استعباد الطبقة العاملة، يُفسر الإذلال المستشري للإنسان على أنه تحرير كامل له، ويطلق على حجب المعلومات تداول المعلومات، والتلاعب بالقوة التحكم العام في القوة والتعسف في استعمال القوة حفظ النظام العام، وقمع الثقافة تنمية الثقافة. كما يفسر نشر التأثير الامبريالي على أنه دعم المضطهدين، والحَجْر على حرية الرأي على أنه أعلى درجات الحرية، وتزوير الانتخابات على أنه قمة الديمقراطية، ومنع حرية التفكير على أنه أفضل الآراء العلمية العالمية، والاحتلال على أنه مساعدة الأشقاء. إن السلطة حبيسة مجموعة من الأفاكين، لذلك عليهم أن يزوّرا. يزوّرون الماضي والحاضر والمستقبل كما يزورن الإحصائيات. يدّعون أنهم لا يملكوا الآلة الشُّرَطية الجبارة والمهيمنة. يدّعون أنهم لا يدّعوا شيئًا". 
ورأى أنه "ليس مطلوبًا من الإنسان أن يصدق هذه التعمية. لكن عليه أن يتصرف على أنه يصدقها أو يقبلها صاغرًا، أو يتعامل بصورة مقبولة مع من يتبعها، لهذا هو مجبر أن يعيش في الكذب".
تحدث هافل أيضًا عن تزوير التاريخ، تمامًا كما يحدث الآن في الاتحاد الأوروبي وفي أماكن أخرى من العالم. يتظاهر النظام بأنه يعرف المستقبل، ينبأ بالطقس وبارتفاع درجات الحرارة على كوكب الأرض، يزورون تاريخ الأنبياء، والبشر والحياة. 
رأي البلتاجي في كتاب هافل أنه يحمل نبؤة "أكبر نبؤة لهافل كانت عن بائع الخضروات الذي يتظاهر بإيمانه بشعارات النظام كي يتجنبه، ويتقي بها شره. شيء مماثل يعرفه مثلًا تجار اليوم الذين يجبرون على إضافة بعض الجمل الإلزامية حول دعمهم للنظام أو وقوفهم معه ضد أي حراك شعبي أو احتجاجات أو وحتى تعبير حر عن الرأي، هذا إن أرادوا أن يحصلوا على دعم من النظام. 
وضع صاحب متجر لبيع الخضروات على نافذة متجره بين البصل والجزر عبارة تقول: "يا كادحين العالم اتحدوا!". وهنا تساءل هافل "ما الذي دفعه لهذا؟ ما هي الرسالة التي أرد أن يوصلها للعالم؟ هل هو فعلًا مهموم بقضية اتحاد طبقة الكادحين في بلاد العالم؟ هل هو مشغول بهذه القضية إلى درجة تجعله يشعر برغبة عارمة في توصيل رسالته للرأي العام؟ هل فكر في وقت ما فعلًا ولو للحظة كيف يمكن تحقيق هذا الاتحاد، وما هو الهدف منه؟ أعتقد أن الغالبية العظمي من تجار الخضروات عندنا لا يفكرون في مغزي هذا النص الذي يضعونه في نوافذ متاجرهم، ولا يوجهون من خلاله رسالة ما للعالم. لقد أتى تاجر الخضروات بهذا الشعار من الشركة الموردة مع البصل والجزر، ووضعه في نافذة العرض كما اعتاد على هذا الأمر منذ سنوات. فالجميع يفعلون نفس الشيء، وصار أمرًا بديهيًا. لو أنه لم يفعله لتعرض للمتاعب؛ فقد يوبخونه لأنه لا يضع "الزينة". قد ينهره أحدهم ويتهمه بأنه غير موال للنظام. فعل هذا لأنه من طبيعة الأشياء، طالما أراد الإنسان أن يمارس عمله. هذه واحدة من آلاف "الأشياء الصغيرة" التي تُؤمّن له نسبيًا حياة هادئة و"متناغمة مع المجتمع".

وأوضح "دعنا نتخيل هذا الموقف. بائع الخضروات المزعوم (أو المنظمة غير الحكومية أو حتى الأفراد) يضع في واجهة العرض عبارة "معًا لدعم الاستقرار"، أو "هذا المشروع يتم تحت رعاية السيد المسؤول فلان". لماذا هذا الشعار؟ "لو لم يفعله لتعرض للمتاعب؛ فقد يوبخوه لأنه لا يضع "الزينة". قد ينهره أحدهم ويتهمه بأنه غير موال للنظام. فعل هذا لأنه من طبيعة الأشياء طالما أراد أن يمارس عمله. هذه واحدة من آلاف "الأشياء الصغيرة" التي تُؤمّن له نسبيًا حياة هادئة و"متناغمة مع المجتمع".
وقال "كما نرى، فإن محتوى الشعار لا أهمية له عند بائع الخضروات. عندما يضعه في نافذة عرض بضاعته لا يضعه لأنه شخصيًا على قناعة بتوصيل فكرته للناس. وهذا بالطبع لا يعني أن هذا العمل الذي أقدم عليه لا يخلو من دافع وغرض، وأنه بهذا الشعار لا يريد أن يبلغ رسالة ما لشخص ما. إن لهذا الشعار وظيفة "الرمز" الذي ينطوي على مغزى دفين ومحدد أيضًا. ربما يمكن أن نقرأه على هذا النحو: أنا بائع الخضروات المدعو كذا موجود هنا وأعرف ما علي أن أفعله، أتصرف كما ينبغي، وأنه يمكن الاعتماد عليّ، ولا يمكن لأحد أن يتهمني بشيء، أنا مواطن مطيع، لذلك يحق لي العيش بهدوء. بالتأكيد هذه الرسالة موجهة لشخص ما: موجهة لمن هو (أعلى)، لرؤساء بائع الخضار. إنها بمثابة درع يتحصّن به بائع الخضروات من مخبرين محتملين".
وأشار هافل إلى أن الديمقراطيات البرلمانية التقليدية لا يبدو في الواقع أنها قد قدمت أسلوبًا حاسمًا للتصدي "للحركة الذاتية" للحضارة التقنية والمجتمع الاستهلاكي الصناعي. بل هي معها في نفس القاطرة، تقف أمامها عاجزة. فالأسلوب الذي يتبعونه للتلاعب بالفرد أشد نعومة، وأكثر كياسة من الأسلوب القمعي لنظم ما بعد الشمولية.
ولد فاتسلاف هافل في العاصمة براغ عام 1936، وأتم دراسته الثانوية في عام 1954، ووقف إعلانه عن آرائه السياسية المعارضة للنظام حائلًا دون قبوله في أي من كليات العلوم الإنسانية التي كان يرغب في الدراسة بها، التحق بعد أدائه الخدمة العسكرية بمسرح إيه بي سي، ثم مسرح "ناذابرادلي" كفني عام 1960، وبالتدريج أصبح سكرتيرًا، ثم محاضرًا، وكاتبًا مسرحيًّا منذ عام 1968، درس الكتابة المسرحية عن بُعد في كلية المسرح التابعة لأكاديمية الفنون المسرحية، وتخرج فيها عام 1966".
وأضاف البلتاجي "في عام 1965 انضم هافل لأسرة تحرير مجلة "تفارش" الأدبية، كما عرض مسرحيته "الـمذكرة" على مسرح ناذابرادلى، وأصبح في فترة ما يعرف بـ "ربيع براغ" إحدى الشخصيات المهمة المؤيدة للجناح الليبرالي المناهض للشيوعية، فقد انخرط في العمل السياسي منذ عام 1968، حيث انضم لتحركات سياسية وتنظيمات أدبية ذات توجهات معادية للنظام، وشارك بقوة مع الحركة الليبرالية في ربيع براغ عام  1968، وفي نفس العام أصبح رئيسًا لرابطة الكتاب المستقلين، كما وقّع على مذكرة النقاط العشر التي تعارض الاحتلال الروسي للأراضي التشيكية وما ترتب على هذا الاحتلال من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، كما تمَّ إدراج أعماله بعد الغزو السوفييتي ضمن الأدب المحظور، وأصبح مطاردًا من النظام الحاكم منذ عام 1969، حيث اتهم للمرة الأولى بالإعداد لقلب نظام الحكم بالجمهورية التشيكية. كان من أهم المتحدثين باسم منظمة ميثاق 77 الذي كان يندد بالانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في تشيكوسلوفاكيا والذي وقعه مع مجموعة من الأدباء والناشطين التشيك، شارك في عام 1979 في إنشاء وتأسيس "لجنة الدفاع عن المتهمين ظلمًا" مما أدى إلى الحكم عليه بالسجن 15 شهرا، زادت بعد ذلك كي تصل إلى 15 عاما (1979 - 1983) بعد اتهامه بقلب نظام الحكم، وفي محبسه كتب كتابه الشهير "رسائل إلى أولجا" الذي صدر عام 1983، عندما تصاعد المد المناهض للحكم في مظاهرات أكتوبر عام 1989 أصبح هافل متحدثًا باسم مجموعة المعارضة التي عرفت باسم "المنتدى المدني".
وأوضح أن هافل ساعد في إجبار الحزب الحاكم (الذي كان محسوبا على الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو) على اقتسام السلطة مع معارضيه، فيما اعتبر ثورة مخملية، ثم انتخب رئيسًا لجمهورية تشيكوسلوفاكيا عام 1989 بعد انهيار الكتلة الشرقية على الرغم من أنه لا يعد سياسيا مخضرمًا، بل رجل أدب وفن، وانتُخب مرة أخرى بعد تقسيم تشيكوسلوفاكيا رئيسًا لجمهورية التشيك عام 1993 ثم أُعيد انتخابه عام 1998. كان هدف هافل قيادة تشيكوسلوفاكيا في مرحلة التحول من الحكم الشمولي إلى الديمقراطي، وفي عام 2003 تقاعد عن العمل السياسي، توفي في 15 ديسمبر/كانون الأول 2011 عن عمر يناهز 75 عاما.
صدر لهافل العديد من الكتب التي تضم مقالاته السياسية مثل "خطاب إلى جوستاف هوساك"، "السياسة والضمير"، "أهمية ميثاق 77"، "القصة والشمولية"، وغيرها.