الدولة الوطنية تعزز أدوارها في مرحلة ما بعد كورونا

أحمد عبدالعليم حسن يلفت إلى أن تفشي فيروس كورونا أعاد مسألة الحدود الوطنية من جديد إلى الواجهة، حيث استعادت العواصم السيادة الوطنية في القارة الأوروبية.


تحقيق الاكتفاء الغذائي بفرض قيود على المبيعات الخارجية للحبوب أو الأرز


من المرجح أن تتسم مرحلة ما بعد كورونا، بتصاعد قضايا السياسات الدنيا لتحتل الأولوية

بالرغم مما مثلته جائحة كورونا من إنهاك للدول الوطنية، واستنزاف للموارد بشكل كبر؛ إلا أنها قد مثلت في المقابل - وبدرجات متفاوتة تتباين بحسب طبيعة النظم السياسية وعلاقات الدول بمجتمعاتها - فرصة من أجل توسع أدوارها من جديد. حيث رأى الباحث أحمد عبدالعليم حسن في دراسته الصادرة عن مركز المستقبل للبحوث والدراسات المتقدمة بأبوظبي، أنه ساعد في ذلك فشل قطاع الأعمال والشركات الكبرى دولية النشاط في لعب أدوار فاعلة خلال الأزمة، بالتوازي مع تضاؤل فاعلية التكتلات الإقليمية والمنظمات الدولية في أداء وظائفها المتوقعة، وما اقترن بذلك من إبراز لبعض سلبيات العولمة في ظل الانتقال المتسارع للفيروس في دول العالم، وما ارتبط بذلك من تقليص الاعتماد المتبادل بين الدول، وإغلاق الحدود المشتركة، وإيقاف حركة الطيران.
وفي ظل سيادة حالة "انعدام اليقين" حول ما يمكن أن تمثله جائحة كورونا من تأثيرات على دور الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد انتهاء الجائحة؛ قدم عبدالعليم باحث دكتوراه في العلوم السياسية، متخصص في الأمن الإقليمي، بعض الاتجاهات التي من الممكن أن تتعزز في مرحلة ما بعد كورونا، حيث قال إن الأزمة عكست الحاجة الملحة لاستجابة "حكومة كبيرة" وذلك عقب نحو قرنين من ربط الاقتصاديين المحافظين بين الحكومة الصغيرة ورأسمالية السوق الحر باعتبارها حكومة مثالية، لكن أزمة كورونا أكدت أن الأزمات تتطلب حلولا من حكومات أكبر، وأن ذلك لا يمكن أن يكون بشكل مؤقت، خاصة وأنه على مدار العقود الثلاثة الأخيرة تم تجاهل نصائح العلماء البارزين، حول تعزيز قدرات الحكومات في الاستجابة لقضايا مختلفة من تفشي الأوبئة وصولا إلى تغير المناخ، ولذا فإن عودة الحكومات الكبيرة في مرحلة ما بعد كورونا أمر مرجح للغاية، خاصة في ظل نجاح بعض الدول التي كانت لديها استجابات حكومية مركزية قوية لاسيما في الصين.  

corona
أحمد عبدالعليم حسن

وأضاف أنه على مدى العقود الثلاثة الماضية توسع القطاع الخاص بشكل كبير على حساب القطاع العام، وعادة ما يتم تخصيص الأرباح، بينما تترك الدولة لمواجهة المخاطر، ومع تفشي فيروس كورونا وبروز أهمية الدولة في مواجهة تحجيم الفيروس تزامنا مع تراجع دور القطاع الخاص في هذه المعركة؛ فمن المرجح أن يتم استدعاء القطاع العام للواجهة من جديد، خاصة في ظل ما كشف عنه الفيروس من إهمال كبير للقطاع العام الذي يتم توصيفه بأنه "حماقة نيوليبرالية"، فاليوم لا يجرؤ أحد في أوروبا على الادعاء بأن المستشفيات الخاصة يمكنها مكافحة الفيروس بشكل أفضل من المستشفيات العامة.
ورأى عبدالعليم في أمر تحقيق الاكتفاء الغذائي أنه بحسب المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، قامت 10 دول على الأقل بفرض قيود على المبيعات الخارجية للحبوب أو الأرز منذ منتصف مارس/آذار الماضي، وحتى بالنسبة لبعض الاقتصادات المتقدمة التي تعتمد بشكل كبير على الأرز أو واردات الحبوب مثل سنغافورة أو المملكة المتحدة، قد تصبح المشكلة أكثر إلحاحا من الناحية السياسية، خاصة أن الثراء لم يعد ضمانة للحصول على الإمدادات الغذائية، لذا فالفترة المقبلة قد تشهد المزيد من أنظمة الغذاء القومية ومحاولات الاكتفاء الذاتي من الغذاء نتيجة اعتبارات سياسية مفادها أن الدولة تسعى بنشاط إلى حماية مواطنيها، وتبذل قصارى جهدها لضمان الأمن الغذائي.
ولفت إلى أن تفشي فيروس كورونا أعاد مسألة الحدود الوطنية من جديد إلى الواجهة، حيث استعادت العواصم السيادة الوطنية في القارة الأوروبية بشكل فعال دون طلب الأذن من الاتحاد الأوروبي في اتخاذ إجراءات مثل إغلاق الحدود الوطنية، وهو ما يحمل رمزية كبيرة تعزز من فكرة "عودة الدولة"، ولذا فقد تميل الدول إلى الاحتفاظ بحدود صلبة بعد نهاية فيروس كورونا، خاصة في ظل الإحباط من دعم التكتلات الاقليمية في مواجهة تفشي الفيروس لاسيما في القارة الأوروبية مع تصاعد الخلافات بين دول الاتحاد حول الطريقة المثلى لتحجيم التداعيات السلبية للفيروس.
وأوضح عبدالعليم أنه من المرجح أن تتسم مرحلة ما بعد كورونا، بتصاعد قضايا السياسات الدنيا لتحتل الأولوية في ظل ما كشفته الأزمة من أهمية إيلاء الأولوية لقضايا مثل الصحة والتعليم والعمل. وتشير بعض التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة من المرجح أن تشهد تصدراً لقضايا الصحة العامة، جنبا مع جنب مع العمل على تقليل البطالة التي تزايدت بشكل كبير إثر تفشي كورونا، وتعزيز الاهتمام بالبحث العلمي ومستويات التعليم في الدول المختلفة.
ورأى أن الأزمة كشفت ضعف البنية التحتية لتكنولوجيا الاتصالات في العديد من البلدان والمجتمعات، ما عزز الطبيعة الحرجة لهذه البنية التحتية، وقد أظهرت الأزمة أيضاً هشاشة نظم المعلومات أمام التضليل والتلاعب الأجنبي، كما أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية إزاء زيادة استخدام الحكومة للتكنولوجيا لتتبع وإدارة تفشي فيروس كورونا. ومن المرجح أن يتم إعادة فتح باب النقاش مرة أخرى حول المخاوف من المراقبة الحكومية، وحامية المعلومات الشخصية والخصوصية، ودور الحكومة في قطاعات الاقتصاد والأعمال، والعلاقة بين الحكومات المحلية والاتحادية وحتى الوطنية، والسيادة الإلكترونية الوطنية. ومن المتوقع أيضا زيادة الاهتمام بتمويل وإدارة البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مع تصاعد الدعوات لمزيد من التمويل الوطني والسيطرة على الشبكات.

وقال عبدالعليم إنه شاعت خلال مرحلة تفشي الوباء برامج وتطبيقات التتبع من جانب الدول من أجل الحد من تفشي الفيروس، بيد أن بعض التقارير تشير إلى أن نموذج تايوان، والذي يطلق عليه المراقبة الذاتية التشاركية يعتبر أكثر نماذج البيانات نجاحا في العالم، وهو قائم على شراكة طواعية بين الدولة من جانب والمجتمع من جانب آخر لتدشين شبكة من قواعد البيانات تتدفق فيها المعلومات من الأسفل إلى الأعلى، ومن الأعلى إلى الأسفل، وهو نهج من المرجح أن يتعزز في مرحلة ما بعد كورونا، خاصة وأن النموذج التايواني أفضل من نماذج عالمية أخرى، فالنموذج الأميركي في النهاية نخبوي تفرضه الطبقة الأرستقراطية التقنية على السكان، بينا النموذج الصيني غير ليبرالي بطبيعته.
ورجح عبدالعليم أن تلجأ الحكومات في مرحلة ما بعد كورونا، إلى تطوير الاستخبارات المضادة للأوبئة لضمان عدم تعرضها لمفاجأة مرة أخرى، حيث أدت الأزمات والكوارث العالمية السابقة إلى لجوء الدول إلى تطوير قدرات أجهزتها الاستخباراتية، وقد قامت الولايات المتحدة بعد حوادث كبرى، مثل الهجوم على بيرل هاربر، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، بإصلاحات استخباراتية للحيلولة دون تكرار أي من تلك الكوارث مرة أخرى، وستفعل كورونا الأمر نفسه وستصبح الاستخبارات الوبائية جزءا محوريا من الأمن القومي في العالم إلى جانب مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب، ومكافحة التجسس والأمن السيبراني.
وخلص إلى أن الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد كورونا من المرجح أن تختلف عما كانت عليه في السابق، مع تباين التأثيرات المحتملة وفقا لخصوصية وطبيعة كل نظام سياسي والبيئة التي يتفاعل بها، ومع شيوع حالة عدم اليقين إزاء التطورات المرتبطة بالمرحلة المرتبطة بالمرحلة اللاحقة، خاصة وأن تفشي الفيروس لا يزال قائما ولم ينته بعد، ولم يتم التوصل إلى لقاح فعال، فإن كل التطورات القائمة والمحتملة حتى يتم القضاء بشكل كامل على الفيروس من شأنها أن تمثل قوة دفع باتجاه تعزيز أدوار الدولة بشكل أكبر، خاصة وأن أغلب الاختصاصات التي اكتسبتها الدولة خلال مرحلة فيروس كورونا قد لا تتخلى عنها، لاسيما في الدولة الأكثر تضررا من تداعيات الجائحة.