الدولة المدنية مفهوم ليبرالي

بقلم: راغب الركابي

الدولة المدنية هي: دولة القانون. هكذا هي عندنا ببساطة. وبالتالي فهي ليست دولة رئيس الوزراء ولا دولة رئيس الجمهورية أو الملك. ونريد هنا التأكيد على الطبيعة الموضوعية لتلك الدولة التي تؤسسُ على قاعدة الفصل بين السلطات الثلاث. الفصل بمعناه الحقيقي وليس الإعتباري. والفصل هو المُكون الرئيسي لطبيعتها المادية وثقافتها المجتمعية.
فالدولة المدنية يجب إن يُحترم فيها عقل الإنسان وتُحترم فيها إرادته وقراره، والأحترام الذي نقصده متبادل من شقين وجودي وقانوني دستوري:
1ـ ففي الشق الأول وجود الإنسان من حيث هو محترم ومُصان ولا يجوز سلب ذلك الوجود لأي سبب كان.
2ـ والشق الثاني هو حماية هذا الحق قانونياً ودستورياً. فالدولة يجب ان تجعل القانون والدستور من أجل المواطن الفرد والمواطن المجتمع.
والدولة المدنية هي القاعدة التي يُمكن من خلالها تحقيق أهداف المجتمع في العدل والحرية والسلام. وحاجة مجتمعاتنا إليها حاجة ماسة ولازمة، لتصحح وتعالج إختلالات يعيشها الواقع العربي والإسلامي بكيانه السياسي ووجوده السيكومجتمعي.
وهي تسعى لتحرير العقل من النزعة الفردية في السلوك والعمل والممارسة، وهذا السعي منها ذاتي يرتبط بتكوينها الطبيعي وموضوعي يرتبط بثقافتها، التي تستهدف تقويض دعائم وقواعد وعمل عقل الأستبداد، المؤسس على ذهنية التجييش والعدوان والدكتاتورية ومصادرة الحقوق والقيم.
وهي منظومياً تُحرر العقل بنيوياً من أجل تغيير قواعد السلوك الإجتماعي والسياسي والإداري، ففي ظلها ينكسر عود التخلف والتركيب البدائي لنظام المجتمع من خلال:
أـ تحرير مفهوم العلاقة بين الفرد والمجتمع وبين الفرد والدولة.
ب ـ والتحرير يُوخذ في سياقه العام، أي تحرير وسائل الإنتاج المادي والمعرفي العلمي، وتحرير للعلاقات الإقتصادية، وتنمية روح العمل لدى الجميع، والحرص على جعل نظرية المساوات بين الذكر والأنثى واقعية في الحياة وفي المجتمع، وردم التفاوت الطبقي والعرقي والديني بين مكونات المجتمع.
من خلال معالجة الإختلالات أو المورثات البيئية والتاريخية التي خلقت مجموعة من الطبقات تتميز على غيرها من دون وجه حق، والذي أشرنا إليه في هذا المجال يُعد نقطة البداية في التحول الموضوعي للمجتمع المدني، والذي بدونه تترسخ صور الإستبداد، من خلال التطبيل لنوع من البشر أو من خلال التهريج والتملق والنفاق لبعض البشر خاصة إن كانوا في مراكز من السلطة ما، وهذا التهريج وممالات السلطة هي العورة التي تحطم نظرية ومفهوم المجتمع المدني، كما إن التأكيد على إبقاء المجتمع ضمن حركة وعمل سلطة التراث الديني والقبلي هي واحدة من مقوضات تكوين ونشوء المجتمع المدني.
ولا يغرب عن البال إن موضوعة التطبيل والتزمير للحاكم السياسي هي أمراض من بقايا العهد الامبراطوري الملكي للدولة الإسلامية، التي أسسها وبناها معاوية بن أبي سفيان، إذ الثابت في التاريخ إن الرسول محمد (ص) لم يؤسس للدولة الإسلامية المزعومة، كما إن الزعماء الأربعة الذين جاؤا من بعده كذلك لم يؤسسوا للدولة الإسلامية، إذ الثابت عندنا هو: إن مرحلتهم كانت تُمثل المرحلة الإنتقالية التي عاشوا فيها صراعاً محلياً أهلياً على السلطة.
وما نعيشه في مجتمعاتنا هو من بناة فكر معاوية بشقيه السياسي والإجتماعي لدى طرفي النزاع في المذهب الإسلامي، وهذا ما نلاحظه في لغة وخطاب وممارسة كل حكام العرب والمسلمين، بل إننا نرى لديهم رغبة أكيدة في عدم تغيير هذا النحو من الواقع، حتى أُولئك الذين جاءت بهم دول العالم الحر، أعني حتى بعد أخذ المواثيق منهم للعمل وفق حركة العالم من الديمقراطية وإحترام حريات الناس، يظهر ذلك عندهم من خلال الدمج القهري بين العادات والأعراف العتيقة وبين الديمقراطية، والدمج الإكراهي بين الدين وبين السياسة، مع إن خلل الدمج هذا يكون أوضح وأبين في الدين منه في السياسة. وهذا من حيث الوضع الطبيعي للدين ككونه منظومة قيمة أخلاقية. وأما السياسة في الغالب فهي ليس كذلك. أعني ليس فيها قيماً من هذا النوع في المطلق يمكن الوقوف عندها أو التحاكم على أساسها.
ونحن نعتقد جازمين بان مطلب الدولة المدنية لدى مجتمعاتنا هو مطلب شعبي. ولأنه كذلك فتحقيقه يتطلب عملا بنيوياً مؤسساتياً، تكون مقدمته في ذلك التأكيد على العمل وفق القيم الليبرالية وخياراتها في العدل والحرية والسلام. إذ بدون ذلك لا يستقيم منهج الدعوة للمجتمع والدولة المدنية، فهما مرتبطان إرتباط صيرورة وجعل. راغب الركابي