الدولة العصرية... السبيل لإطفاء حرائق الطائفية

محاولات النهضة

كان الصراع على الحكم، وبالتالي السياسة، أول وأشد وأقدم صراع في الاسلام. وكان السؤال المطروح بقوة في سقيفة بني ساعدة، أيهم يكون أميرا وأيهم يكون وزيرا؟ وجاءت إفرازات تلك الصراعات بواسطة الموروثات الناتجة.

محيط تلك الموروثات واسع ومتنوع ومحل خلاف. وقد أنتج تعارضا في المفاهيم وترجم ذلك في الصراعات الدموية التالية. ومع مرور الوقت لم يبق الموروث دون المساس به، بل طوره الوارث نحو الأفضل أو الأسوأ، وفي كل الأحوال الى وضع مخالف للأصل.

وعليه ليس الاسلام ما يدعيه كل فريق وما عداه الكفر، بل هو مجموع ما يدعيه الفرقاء كلهم. إن نبوة محمد إسلام، والخلفاء الراشدون إسلام، لكن الإسلام هو أيضا سقيفة بنى ساعدة والمهاجرون والأنصار والفتنة الكبرى ومعارك القادسية والجمل وصفين والنهروان وكربلاء والحرة والزاب الاسفل.

الإسلام أيضا هو الإيمان بأهل البيت والدولة الأموية والعباسية والرستمية والفاطمية والعثمانية والصفوية ودولة الأشراف في الحجاز؛ وكل الدول التي تأسست وحكمت باسم الاسلام. كما هي الفرق والنحل التى خرجت عليها وحاربتها بالفكر او السلاح.

الإسلام هو أيضا الفقه الذي توارد على كتابته الفقهاء على اختلاف مدارسهم الفكرية ومذاهبهم؛ والذي تكرست فيه تناقضات المسلمين الناتجة من خلافاتهم السياسية والمعرفية والاجتهادية. هو ايضا الحضارة الاسلامية المترامية الاطراف وتراثها، الذي تحول الى إرث نقاتل من أجله من كان على حق ومن كان على باطل؟

لكن عصر الحضارة الإسلامية انتهى في القرن التاسع الهجري وتوقفت المدنية الاسلامية من التطور ودخل العرب في استعصائهم، الذي افرز صراعات دينية ومذهبية وقبلية مازالت تلازمهم.

مرحلة الاستعصاء بدأت بالانقلاب المتوكلي، الذي قاده الخليفة العباسي المتوكل بالله، الذي يرجع اليه وقف الاجتهاد وإقالة العقل وتحويل المدارس الفكرية والاجتهادية الى مذاهب منغلقة تقاوم كل نزوع عقلي او فلسفي، حيث تم وقف حركة الترجمة تحت شعار محاربة البدعة.

وأعقب ذلك بعد مدة الانقلاب القادري، الخليفة العباسي القادر بالله، الذي جاء بشكل اعنف من طبعته المتوكلية. وابتداء من المتوكل ومرورا بالقادر ووصولا الى سقوط بغداد، حصلت المذابح الاكثر عنفا ضد النزوع العقلي وصولا الى القتل والسحل واستمرت اكثر من قرنين.

حصلت المذابح بين المذاهب السنية نفسها وفيما بين الشيعة وبين السنة والشيعة معا. احرقت المساجد وكتب الترجمة وكل الكتب الداعية للنزوع العقلي وامتدت المذابح والتصفيات الجسدية الى خراسان وبلدان ما بعد النهر ومصر والمغرب والأندلس.

كل مذهب يقبح الاخر ويتهمه بالخروج عن الملة. وتواصلت المذابح بعد ذلك ايام الدولتين العثمانية والصفوية، بين السنة والشيعة من جهة وبين السنة انفسهم من جهة اخرى. قام الاحناف بالتنكيل بإتباع المذهبين الحنبلي والشافعي في العراق لاجبارهم على التحول الى المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للدولة العثمانية التركية كما نكلوا وقتلوا الشيعة.

وحدثت معارك بين الشيعة والعلويين في الأناضول. وختم العثمانيون تاريخهم بذبح مليون ونصف مليون أرمني.

وفي إيران قام الصفويون لأسباب سياسية بفرض التشيع على الإيرانيين ونكلوا بأتباع المذاهب الاخرى في ايران والعراق وبلدان اخرى.

هكذا نرى أن الصراع الطائفي ظاهرة قديمة. وقد شهدت أوروبا هذه الصراعات الدامية أيضا، ولكنها تمكنت من مغادرة هذه الحقبة من التأخر والاحتراب التي حشرتهم فيها الكنيسة. ومكن الخلاص من هيمنة الكنيسة الأورويبين من اعادة دراسة تاريخهم الملتبس مع افكار وأراء وتفاسير الكنيسة، بعزله عن مبدأ القداسة وبمناهج حرة تعتمد على ما سماه ابن خلدون طبائع الأشياء او ما يمكن تسميتها بقوانين التاريخ او نواميس الكون. وكانت النتيجة الحضارة الغربية الحديثة التي مازالت تواصل تقدمها في كل المجالات.

الصراع الطائفي لدى المسلمين، كما عند المسيحين، له جذور سياسية واجتماعية وقبلية وعائلية واقتصادية، ولكنه اُعطي منحى دينياً طائفياً لكي يثبت ويستمر ويسهل استغلاله. غير انه بدأ يتقلص في أوربا وانحسر بعد الحرب العالمية الثانية.

أما في الشرق فانه في صعود متواصل ويستمد وقوده من المخزونات البدائية الكامنة في تكوين مجتمعاتنا بشكل عام كما يكمن في من يؤدلجون البسطاء من الطبقات الفقيرة، ذات القدر المعدوم او اليسير من التعليم وهم الاغلبية. ويطفو على السطح بشكل بارز ايام الانفلات الامني وغياب القانون. وتنفجر كل مظاهر الحقد الطبقي والحسد الاجتماعي وتخرج العقد السيكولوجية لتخرب كل شيء.

وللأسف تقف فئات تدعي إنها متعلمة ومثقفة مع ذلك الاصطفاف الطائفي بدل ان تدرس الاسباب الكامنة لكل مشاكلنا. نرى ذلك في البلدان التي انهارت انظمتها الشمولية وتوقف القانون عن العمل، حيث تظهر النوازع الرهيبة وتسود نواميس الاديان والمذاهب وثقافة البداوة والغزو.

وقد رأينا وسمعنا صيحات الله أكبر على عمليات الضرب حتى الموت او السحل وأكل الأكباد، كما حصل في عراق أول شريعة وقانون وأول ابجدية مكتوبة، وفي مصر الحضارة والفن والإبداع، وسوريا مهد اول مدينة في العالم، وفي اماكن عديدة غيرها.

يدعي البعض ان ما نشهده ظاهرة وافدة اتت من الخارج وهو صحيح وموثق، ولكنه أبعد ما يكون عن الدقة. هناك بالتأكيد من يساعد هذا التوجه الطائفي بالتحريض والدعم والتمويل، ولكن تلك ايضا صناعة عربية اسلامية بامتياز.

من له شك ليطالع الفتاوى الهائلة وخطب المساجد وتصريحات السياسيين وكتاب الاعمدة وتصريحات بعض علماء الدين. وليتابع فضائيات عديدة ووسائل التخاطب الاجتماعي، وكلها تؤجج الخلاف والقتال والاحتراب بين المسلمين انفسهم وبينهم وبين الاخرين. وليرى كيف يتحث كثيرون عن الجماعات الدينية والطائفية المغايرة.

وتتعقد المشكله مع الاختلافات السياسية وانسداد آفاق التنمية وبؤس التعليم وغياب فكرة المواطنة العابره للطوائف.لا يستطيع احد ان يستغل الا ما هو قابل للاستغلال. اي ان المناخ المولد لظاهرة ما، هو الذي يساعد اكثر من غيره على ظهورها. التحريض والمساندة والدعم وحدها لن تكون قادرة على ان توجه وتؤثر ما لم تكن الارضية جاهزة والجو مهيأ.

تلك حقيقة تغيب عنا، ومن هذه الغيبة يكون الخطأ في التشخيص والخطأ في العلاج. مرض قديم قابل للعودة اذا ما قلت المناعة ضده. وفي نفس الوقت طب بدائي يلجأ الى نحر الذبائح دفعا للأرواح الشريرة يحسبها سببا للمرض.

إن ما يحدث على امتداد الخارطة العربية، هو انعكاس لتلك الثقافة المنغلقة التي ورثناها والتي تقودنا الى مسالك الانتحار الجماعي. تلك الاوهام والخرافات التي تسيطر على تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. تلك البيئة الفكرية والمنظومة القيمية والتعليمية والتربوية التي مازالت تعيد انتاج الاستبداد والتأخر، يضاف إليهما الوجدان القمعي الذي يريد اقصاء الآخر المختلف.

وستستمر تلك البيئة وذلك السلوك، وسيقتل ويسحل آلاف، طالما بقت دوائر الوعي مسجونة في اورقة الخرافة وما تنتجها من شتى انواع التطرف. ومع استمرار تلك البيئة المخاصمة لكل ما هو عقلاني، سيبقى الحال على ما هو عليه. وسوف يستمر تسجيل الدعاوى في جرائم القتل، مع معرفة القاتل، ضد مجهول.

الدولة التي تعاني من أمراض الطائفية بكل انواعها هي دولة ناقصة. والطائفية بكل أشكالها تعكس فشلاً ذريعاً في بناء الدولة المدنية العصرية التي ترتكز على مفهوم المواطنة والتعددية. والدول التي تراجعت فيها الطائفية هي الدول التي تمكنت من نشر ثقافة وطنية وإقامة نسق وطني متماسك رغم تعدد الانماط العرقية والدينية والطائفية والمذهبية فيها.

المناعة الوطنية ضد الطائفية وتفريعاتها القبلية والعرقية والمناطقية، تتطلب أصالة مبدأ المواطنة وعموميته بشكل جلي وجذري على فرعية الاعتبارات ذات الصلة بالخصوصيات.

على أن تعزيز مبدأ المواطنة لن يكون ناجحا بمعزل عن فهم شامل لسمات الدولة العصرية، بما في ذلك مبدأ العدل والمساواة وكرامة الانسان والمشاركة والتعددية في كافة امور إدارة الشأن الوطني، وبناء اقتصاد وطني قوي متنوع المصادر.

الدول العربية بعد استقلالها اهتمت كثيرا ببناء الجيوش واجهزة الأمن ولكن سرعان ما اتضح أن الدوله العصرية ليست مجرد بناء اجهزة الجيش والأمن. فالدولة تستطيع ان تنشئ جيشا وأجهزة أمن، ولكن اي من تلك الاجهزة لا يستطيع ان يقيم دولة عصرية. فالدولة العصرية والجيش العصري وأجهزة الامن محصلة موارد وقدرات شعب وشرعية حكم وطريقة الحصول على الثروة واستنارة فكر وتوازن طبقات وإدراك عميق لفكرة أن المجتمعات تعيد صناعة مستقبلها جيلا بعد جيل بوسيلتين اساسيتين هما: التعليم والتشريع العصريان والمتغيران.

ما لم يدرك العرب خصوصياتهم المثقلة بأعباء التاريخ والمجتمع ويتمكنوا من التعرف عليها في الوقائع العينية لتجاربهم الماضية والمعاصرة، فإنهم لن يغادروا الحالات الموجودة التي يتداولونها كل يوم عن مصير اوطانهم في نشرات الاخبار. وكل "أت" سوف يكون اكثر مدعاة "للأسف" من "المأسوف عليه" ساحبا معه حرائق الطائفية بكل انواعها وتفريعاتها.

مرتضى بن حسن بن علي

كاتب عماني