الدولة التي نريد في فلسطين

بقلم: عبد المجيد حمدان

نُقل عن الرئيس الأميركي بوش قوله أنه إذا أثبت الفلسطينيون أنهم أولاد طيبون فستقوم لهم دولة حتى حزيران 2005. وكان الرئيس بوش، وطاقم إدارته، قد وصفوا هذه الدولة، وفي إطار ما أسموه بالرؤية الأميركية لحل نزاع الشرق الأوسط، بأنها ستكون متصلة الأرض وقابلة للحياة، وإن كانت بحدود مؤقتة، وحتى إكمال المفاوضات على القضايا المؤجلة وتوقيع اتفاق التسوية النهائي.
ومنذ بعض الوقت لم تعد مسألة إقامة الدولة الفلسطينية موضع جدل في الساحة الدولية. وبعد طرح الرئيس بوش للرؤية الأميركية ، بما في ذلك حديثه في الأمم المتحدة، صار هناك إجماع عالمي على قيام هذه الدولة. وحتى اسرائيل ذاتها تعترف منذ مدة بضرورة قيامها. لكن الجدل استمر فيما يتعلق بمضمون هذه الدولة بالأساس وبقدر أقل فيما يتعلق بحدودها، وتواصل أراضيها، ومساحتها ..الخ.
قبل الانتفاضة، واصدار المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته التاسعة عشرة، لإعلان الاستقلال، كانت هناك معارضة واسعة لاقامة الدولة الفلسطينية،كتعبير عن تطبيق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. ولعلنا نتذكر أن هذه المعارضة شملت بلداناً عربية عدة ايضاً. وكان من بين اسباب المعارضة تلك القائلة بأن هذه الدولة ستكون قاعدة سوفييتية متقدمة، وأنها ستشكل تهديداً خطراً لجيرانها: اسرائيل، الأردن، ودول عربية محافظة أخرى.
وبعد انتهاء الحرب الباردة، وتفكك المنظومة الاشتراكية، وزوال الاتحاد السوفييتي، قيل أن هذه الدولة ستشكل خطراً ماثلاً على أمن اسرائيل أولاً، وعلى امن واستقرار الاردن ثانيا. ويوماً ما قيل أن الأردن يرفض أن تكون له حدود مشتركة مع هذه الدولة الفلسطينية، ويفضل أن تقف قوات اسرائيلية على هذه الحدود. وفي حدود علمي لم ينف الأردن هذه الأقوال.
وبعد اندلاع الانتفاضة الحالية، وتحرك الشارع العربي قيل أن هذه الدولة ستظل تشكل عامل تحريك لإثارة القلاقل في الشارع العربي.
هكذا، وبعد الاقرار فالاجماع العالمي على ضرورة اقامة الدولة الفلسطينية، بات مضمونها، او حقيقة سيادتها، وعمق استقلالها، وطبيعة نظامها، مثار جدل. وواضح أن أميركا واسرائيل تستخدمان هذا الجدل للمماطلة والتسويف، وبالتالي اعاقة فإبعاد، موعد اعلان قيام هذه الدولة.
ما يلفت الانتباه أنه وفي الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بالحديث عن مضمون هذه الدولة، لا نعطي، نحن اصحاب المصلحة – السلطة والأحزاب والفصائل - ، الاهتمام الكافي لايضاح هذا المضمون. ومسألة مضمون دولتنا اكبر، في رأيي، من مسألة نزع الذرائع من أيدي معارضي قيامها، ومن أيدي محاولي ابعاد يوم اعلانها. كذلك هي أكبر من مسألة توجيه التطمينات للآخرين بأن دولتنا المنشودة لن تشكل، في المستقبل، خطراً على أحد.
ولعلني هنا أذكر ان اعادة ترديد القول بأن هذه الدولة ستكون صغيرة المساحة، مكتظة السكان، كثيفة المشاكل التي تتطلب الحل، فقيرة المداخيل، محتاجة للمساعدة وللاستقرار، ورغم صحة هذه الأقوال، فإنها لا تبعث على الطمأنينة لدى المتشككين في الجوار، وحتى الأبعد منهم.
المسألة الأساس، كما أرى، هي أنه حان الوقت – وكان قد حان منذ زمن – لنتحدث بصراحة، وبوضوح، وبدون ابهام أو غموض أو لبس، عن ماهية الدولة التي نريد.
هذه الصراحة، وهذا الوضوح، سيتكفلان اوتوماتيكياً، ببث رسائل التطمين التي نريد، وبإبطال كل الذرائع والحجج التي تقال لإعاقة إعلان اقامة هذه الدولة.
لكننا، حتى الآن، ورغم كثرة شعاراتنا عن هدف احراز الاستقلال، واقامة الدولة، ورغم أن أغلب القوى والأحزاب والفصائل تقول بتحديد حدودها بحدود الرابع من حزيران عام67، وتنظيفها من المستوطنات، رغم ذلك ظلت في معظمها – القوى والأحزاب والفصائل -، لا نقول شيئاً، لا عن نظام هذه الدولة السياسي، ولا عن نظامها الاقتصادي الاجتماعي.
مثلاً ظللنا نقول بدولة فلسطينية.. ولا نقول شيئاً عن نظامها السياسي، أهي جمهورية، امارة، سلطنة أم مملكة؟ والسلطة الوطنية ظلت تكتفي بترويس أوراقها الرسمية باسم دولة فلسطين، وحيث لا يعمل بمثل هذا الترويس في العالم العربي الا في قطر والكويت والإمارات العربية، وهي إمارات من حيث نظامها السياسي.
قد يقال ولكن من المتعارف عليه أن دولتنا ستكون جمهورية.إذ أن اعلان الاستقلال يقول بأنها برلمانية رئاسية. وقد يكون هذا صحيحاً. لكن ليست هناك دولة في العالم الآن غير برلمانية. ورئاسية، ورغم التنافس الذي جرى في الانتخابات الماضية، لا يعطي تعريفاً كافياً لنظامها السياسي.
أما اذا أردناها جمهورية يكون سهلاً اختيار اسمها، اسوة بالمتعامل به في دول الجوار العربية. أي ستكون اما جمهورية فلسطين العربية، او الجمهورية العربية الفلسطينية، أو حتى الجمهورية الفلسطينية فقط.
وقبل الاسم واذا كان اختيارنا لنظام دولتنا السياسي سيكون الجمهورية .. فهل هي جمهورية اسلامية، كما تريد القوى الاصولية؟ أم ستكون جمهورية ديمقراطية كما تريدها قوى أخرى، أم أكثر من ذلك، كما تتطلع الى ذلك القوى العلمانية الديمقراطية؟!.
واذا ما كان الاختيار جمهورية ديمقراطية، فاي الانظمة الجمهورية هو الذي نصبو اليه؟ هل جمهورية الحزب القائد، وحيث يجري تفصيل سائر مؤسساتها على مقاس هذا الحزب القائد، كما هو الحال القائم في السلطة الوطنية، وفي دول الجوار العربي، وفي معظم دول العالم الثالث.
واذا كان هذا هو الخيار بمعنى أن الشعب قبل به وصوت عليه ألا يتوجب على أصحاب الشأن – فريق الحزب القائد- ومن الآن، اسقاط الشعارات والمقولات القائلة بفصل السلطات ودورية الانتخابات، وتداول السلطة، واطلاق حرية التعبير، والتعددية الحزبية، وحرية التنظيم النقابي ..الخ ..الخ! فنحن نعرف أن مثل هذه المطالبات والشعارات التي يطلقها نظام الحزب القائد في دول الجوار العربي، وفي دول العالم الثالث، مجرد لغو فارغ. ذلك لا ينفي أن تبقى هذه المطالبات في صلب برامج الأحزاب المعارضة. وهي كما تعلمنا التجربة، يحتاج تحقيقها الى الكثير الكثير من النضال والتضحيات لتحويله من لغو الى فعل؟!.
واذا ما كان خيارنا دولة ديمقراطية من الطراز الغربي الا يتوجب علينا تحديد، ومن الآن، أي طراز نريد؟ هل هو الطراز الاميركي حيث الرئيس يجمع بين صلاحيات الرئيس ورئيس الوزراء؟! مع وجود هيئتين برلمانيتين وصلاحيات تشريعية متشابكة بينهما وبين الرئاسة؟ أم هل الطراز الفرنسي حيث يتقاسم الرئيسان السلطة والصلاحيات بميل هنا او هناك مع برلمان ومجلس شيوخ؟ أم هو الطراز الألماني، او الايطالي، حيث صلاحيات الرئيس محدودة – وتشريفاتية أكثر منها مسؤولية تنفيذية او تشريعية – وصلاحيات رئيس الوزراء واسعة؟!.
هذا النظام كما نعرف يتناقض مع نظام الحزب القائد. القضاء فيه محايد بمعنى أن لا انتماء سياسي للقضاة. والأمر ذاته ينطبق على بعض أجهزة الدولة، وفي مقدمتها أجهزتها الأمنية.. و الاعلام لا تمتلكه الدولة والتوظيف والدراسة لا يخضعان للميول ولا تتناوشهما المحسوبية اضافة الى نظم المراقبة والشفافية والمساءلة والمحاسبة ..الخ..الخ.
بعد ذلك لا نقول شيئا ايضاًً عن نظامنا الاجتماعي الاقتصادي المقبل. قد يقال ولكن هذا هو الأمر الواضح والمفهوم. نظام الأسواق المفتوحة .. والسير الحثيث على طريق التطور الرأسمالي. وقد يكون ذلك صحيحاً. ولكن يبرز هنا سؤال: وماذا عن العدالة الاجتماعية؟! وعلينا أن نتذكر، وأن ننظر للأمر بذهن مفتوح، النظم والاشتراكية، من الطراز السوفييتي الذي انتهى، أو من الطراز الكوبي، أو الصيني المستمرين، ليس هو وحده الذي نادى، وطبق، العدالة الاجتماعية. نظم الديمقراطية الغربية نادت بهذا المفهوم. وتطبيقاته، من حيث العمق والاتساع ، متفاوتة. والعدالة الاجتماعية متعددة الدرجات، ولعل أوسعها تلك المطبقة في السويد وفي فنلندا وجوارهما، رغم أن موارد هذه البلدان ظلت بعيدة عن النهب الإستعماري.
هكذا ربما أنه آن الآوان لطرح السؤال عما إذا كان قد حان الوقت للحديث عن نظام العدالة الاجتماعية الذي نصبو إليه في دولتنا العتيدة . وقد يعترض هنا بعض قليلي الصبر ليقولوا، ولكن الا تتضمن برامج غالبية الأحزاب، وحزبك أنت أيها الكاتب، حزب الشعب، هذه المسألة؟ وأقول هذا صحيح، واذا ما بقيت هذه المسألة خارج نصوص الدستور، فستظل هذه الأحزاب تناضل لتضمينها وتطبيقها. ولكن هناك ضرورة لتوعية الشعب بما يريد. وعدالة نظام الحزب القائد حتى لو جرى تثبيتها بنصوص دستورية مثل كثير من شعاراته الأخرى، هي مجرد لغو لا أكثر.
وقد يقال أن كل ما سبق سيجري توضيحه بإقرار الدستور المنشود للدولة العتيدة. هذا صحيح. ولكن الصحيح ايضاً أن المسألة ليست مسألة دستور. ولكنها مسألة تربية وتثقيف ، توعية وتعبئة للجمهور وحتى نخرج من دائرة خداع الجمهور المفرغة.
مثلاً نتحدث في الدستور – المقترح – عن دور الإنتخابات في نقل السلطة من يد حزب او ائتلاف الى يد حزب آخر أو ائتلاف آخر، وبارادة هذا الجمهور، او ما يعرف بمسألة تداول السلطة. الجمهور في دول الجوار العربي، كما في أغلب دول العالم الثالث يسمع هذه المقولة والمنصوص عليها في الدستور، لكنه يتعرض للخداع مرة بعد أخرى.فهذه المسألة النظرية، ظلت نظرية عند محاولة التطبيق والنظام الحالي – نظام السلطة – مصمم على أساس استحالة تداول هذه السلطة. مصمم على أساس إدامة سلطة الحزب القائد من خلال تغيير وجوه فيه لا أكثر.
ومع ذلك يمكن انتظار إقرار الدستور وبدء التوعية والتربية والتثقيف، رغم أن مسؤوليات الأحزاب والقوى توجب البدء بها قبل ذلك وبكثير.
وايضاً يمكن القول أن الذرائع التي يتمسك بها المناوئون لاعلان اقامة الدولة الفلسطينية لا يعيرون كبير أو صغير التفات لما سبق. هم يضعون مسألة الأمن، أمن الجيران، الأمن الإقليمي، في صلب اهتماماتهم. وهم يتذرعون بموقف الدولة الفلسطينية المفترض من هذه المسألة لإعاقة اعلان اقامتها.
والجواب التقليدي على هذه الذرائع يقول بأن الدولة الفلسطينية أعلنت وتعلن التزامها بتطبيق سائر المواثيق الدولية، الصادرة منها عن الأمم المتحدة وفروعها ومنظماتها، وتلك الصادرة عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان .. وبميثاق جنيف ..الخ. وهي ما دامت تلتزم بهذه فإنها بداهة لا تشكل تهديداً لأحد، او لأمن أحد. لكن رغم ذلك يظل أصحاب الذرائع يشهرونها دون كلل أو ملل، والثقة فينا لا تتعزز بل تضعف وتضعف.
وكما سبق وأشرت فإن الأمر الأساس ليس أن ننبري للرد على هذه الذرائع. ولا أن تتركز مهامنا عند بث رسائل التطمين.
إن الأمر الأساس هو أن نعرف ما نريده نحن .. وأن نعمل على تحقيق ما نريده نحن.
هناك بيننا من يقول أن نصبو لدولة فلسطينية، في حدود الرابع من حزيران، مع حل مشكلة اللاجئين بالعودة او التعويض سيشكل خطوط الحل النهائي. واذا ما حدث ذلك سيجري توقيع اتفاقيات سلام وبضمانات دولية. وعندئذٍ فان كل حديث عن التهديد يزول.
آخرون يقولون إن هذا الحل مرحلي، أما الحل النهائي فهو تحرير كل فلسطين من النهر والى البحر.واصحاب هذا القول يبثون من الآن رسالة تقول بأن هذه الدولة لن تتقيد بمعاهدات السلام ولن تلتزم بالضمانات الدولية. واكثر فإنها ستكون خطراً كامناً او قنبلة موقوتة. وبديهي أن المجتمع الدولي، بمن فيه العربي المحيط، لن يقبل ذلك. وبديهي أن تتكدس العقبات في وجه إقامة دولتنا.
ولا أظنني مخطئاً إن قلت أن حزبنا، حزب الشعب، كان، ومنذ أيام عصبة التحرر في الأربعينات، وحتى يومنا هذا، الأكثر تحديداً ووضوحاً في هذه المسألة.
عصبة التحرر، وبعد فشل طرحها لدولة ديمقراطية لكل فلسطين وبكل طوائفها، عادت وطرحت دولة في حدود قرار التقسيم. دولة ديمقراطية تقيم علاقات حسن جوار، تعايش وتعاون، مع جاراتها، واسرائيل في المقدمة. وبعد 67 تقلصت حدود هذه الدولة إلى حدود الرابع من حزيران، مع حل مشكلة اللاجئين على أساس العودة أو التعويض، وحيث يكون التعويض، لمن لا يرغب في العودة، على أساس المعايير المتبعة في الأمم المتحدة، وليس على أساس مزاج هذا الطرف أو ذاك، كما يتم عرضه بين وقت وآخر. وأضاف حزب الشعب فيما بعد إلى هذا الطرح ضرورة الإهتمام بأن تنصب كل الجهود على التنمية والبناء والاستيعاب واعادة الإعمار والتطوير وتوفير اماكن العمل وإنعاش الإقتصاد. وباختصار تقديم الحلول لكل المشاكل المعيشية وغير المعيشية الصعبة والكبيرة والمتنوعة التي تواجه شعبنا الان وستواجهه اكثر بعد قيام الدولة.
لقد انطلق حزب الشعب من رؤية موضوعية لحجم المعضلات التي ستواجه دولتنا الوليدة، ومن ذات الرؤية الموضوعية لحجم القدرات والإمكانات المتوفرة والتي ستشكل الأرضية والمنطلق لمحاولات معالجة هذه المعضلات.
وبالتالي لم يتردد في مواجهة الأسئلة الصعبة التي من المنتظر أن تبرز في سياق هذه المعالجة.
كمثال سيكون بين أولويات مسؤوليات الدولة العتيدة استيعاب مئات ألوف – إن لم يكن أكثر – العائدين الى الوطن. ولعلنا نذكر أن مشكلة اللاجئين تنقسم بين لاجئي العام 48 وعائدي العام 67. ولعلنا نذكر أن اتفاقات اوسلو نصت على حل سريع لمشكلة العائدين والذين تراوحت تقديرات عددهم بين ثمانمائة الف، وبين مليون وبضع مئات من الألوف. والاستيعاب كما نعلم يتطلب بنية تحتية غير موجودة ، تتطلب الإنشاء، وأماكن عمل وظروف معيشية مقبولة، وهذه المعضلة تتطلب توظيف مليارات الدولارات التي لا نملكها ولا يستطيع اقتصادنا توفيرها.
أيضاً تقول الرؤية الموضوعية أن حل النزاع، بالتسوية السياسية، سيدفع الى السطح مشكلة التنافس الحضاري الاقتصادي مع اسرائيل والتي ستستمر عقوداً كثيرة. وحل هذه المشكلة لصالحنا يعني الإنخراط في عمليات بناء متعددة الوجوه وعميقة، تستهدف في البداية ردم الهوة العميقة الفاصلة بيننا ولصالح اسرائيل خصوصاً في مجالات العلم والتكنولوجيا.
والمسألة المركزية التي ستواجهنا ستتمثل في توفير المال اللازم لكل ذلك، وفي مسألة الاستخدام الرشيد لهذا المال.
ولا نظننا بحاجة الى تذكير بحقيقة أن اقتصادنا الفلسطيني، الضعيف غاية الضعف، لا يستطيع توفير جزء مقبول من ذلك. وأكثر فإن هذا الاقتصاد – بمشتقاته المختلفة – يحتاج إلى حقن انعاش كبيرة ، ننتظرها من المانحين ومن الأصدقاء، كي يستطيع العودة للوقوف على قدميه.
وهكذا، وإذا ما كنا مخلصين لقولنا بضرورة الإنصراف بكل الطاقات للبناء ..الخ، ومع معرفتنا الموضوعية لحجم المشكلات التي تنتظرنا، ولحجم الإمكانيات التي نملكها أو نتوقعها، وتوفيراً للاستطراد، يكون من اللازم مواجهة السؤال المتعلق بطبيعة تسليح دولتنا العتيدة.
ولا أظنني مخطئاً إن قلت أن الجواب لا يحتمل اللف او الدوران. كما لا يحتمل الغموض البناء أو غير البناء. وايضاً يجب أن لا تملي الجواب عواطفنا أو رغباتنا أو حتى طموحاتنا التي تقصر امكانياتنا عن تلبيتها، أو أنها تلبيها على حساب متطلبات هامة أخرى.
لقد قيل الكثير، من أعدائنا، وحتى من أصدقائنا، ومنا أيضاً عن طبيعة تسليح دولتنا العتيدة. هناك من قال – من الخصوم طبعاً – أنه يتوجب أن تكون هذه الدولة منزوعة السلاح. ولسنا هنا بحاجة لإيضاح أن هذا القول فيه تضليل كبير. فالدولة الفلسطينية العتيدة – وبذرتها الحالية السلطة الوطنية والقوى المختلفة – لا تملك سلاحاً حتى يمكن نزعه. وهناك من يقول أن الخيار الأفضل للشعب هو أن تكون هذه الدولة غير مسلحة. بمعنى أن لا تنفق الأموال ، على التسلح.
كما سبق واشرت سيكون في انتظار الدولة العتيدة جملة من المشكلات التي يتطلب بعضها حلولاً سريعة، فيما يمكن انتظار الحلول الأخرى لآجال أطول. وفي كل الحالات تحتاج هذه الحلول إلى أموال، على الدولة تدبيرها، إما من المانحين أو من الأصدقاء والاشقاء. وبديهي أنه ستكون خسارة لا تعوض، صرف ولو جزء صغير من هذه الأموال في غير مكانها الصحيح.
لقد مررنا بتجربة، منذ قيام السلطة، يتوجب الوقوف عندها، وأخذ العبرة منها. فالصرف على الأجهزة الأمنية استنزف ما نسبته 37% من الميزانية العامة. ذلك في الوقت الذي لم تحصل فيه وزارة التربية والتعليم العالي إلا على أقل من 15% من هذه الميزانية.
وإذا ما تجاوزنا حقيقة أن أنتن رائحة للفساد كانت تأتي من الاتجار بالسلاح، وأن هذا اللون من الفساد جرى السكوت عليه تحت دعاوى كثيرة، منها عدم المساس بالأمن، فعلينا أن نتذكر أن السلاح – رغم تواضعه – أغرى بتحويل الانتفاضة من شعبية جماهيرية الى صراع مسلح. وإذا ما وقفنا بصدق أمام ما حدث نجد أن كل ما جرى صرفه على السلاح ضاع في بضع ساعات لا أكثر .. ثم والأهم من ذلك أنه تسبب في تدمير كل ما بنينا وما ورثنا من بناء.
هذا الواقع يملي علينا وقفة تفكير جادة. يملي علينا ضرورة اجابة صريحة وحاسمة حول مسألة حاجتنا الى دولة مسلحة أم لا.
إن دولتنا ستقوم بين جارات قويات قطعت شوطاً طويلاً في بناء جيوش محاربة. وكلنا يعلم أن من غير الممكن- حتى لو صرفنا كل قرش من دخلنا لهذا الغرض- الاقتراب، ولا أقول اللحاق بقوة أي منها وخصوصاً بالقوة العسكرية الإسرائيلية. اسرائيل والجارات، ورغم قوة اقتصادها، قياساً بنا، اعتمدت وتعتمد على معونات كبيرة أجنبية، مئات ملايين الدولارات سنويا لبعضها، ومليارات للبعض الآخر.
هنا دعونا نقف عند مسألة جرى دائما القفز عليها رغم أهميتها. اصحاب نظرية الحل المرحلي، والانتقال للحل الدائم حين تسمح الظروف، تتسم تصرفاتهم، كما في الماضي، بالاستعجال. والاستعجال يمليه اغراء امتلاك السلاح. كما يمليه عدم التقدير الصحيح لميزان القوى. فبعد قيام السلطة جرى اتجار بالسلاح. ورغم رائحة الفساد النتنة، ادار الحصول عليه الرؤوس. ورغم قلته وبساطته، قياساً لما تملك اسرائيل، اغرى بالدخول في مواجهة معها.
اكثر من ذلك هناك من تصور،من اصحاب النظرية والتجربة الثورية، ان مناطق أ شكلت نوعاً من المناطق المحررة وبقوة السلاح. ورأى هذا البعض، حسب النظرية الثورية، أن هذه المناطق باتت قواعد انطلاق منيعة لتحرير بقية المناطق المحتلة. وبفعل جرت الممارسة على هذا الأساس. وفي أول احتكاك جدي مع الجيش الإسرائيلي سقط هذا التصور. ومع ذلك استمر اصحابه في رفعه كما نسمع الصيحات من غزة، ستشكل مقبرة لا شك فيها للجيش الاسرائيلي، ودون ان نتعظ بما جرى في رام الله ونابلس وغيرها.
المهم ان امتلاك السلاح، الذي لن يصل في مدى سنوات معدودة كثيرة الى مستوى اضعف دول الجوار، سيظل يشكل هذا الاغراء لاصحاب الحل المرحلي والتحرير الكامل، للاشتباك ولاضاعة كل ما بنينا.. والأهم أن احداً لن يسمح لنا ومن البداية بذلك .. أي لن يساعدنا أحد على تجهيز هذا الجيش .. واعادة تجربة الاتجار بالسلاح وما انطوت عليه من فساد امر لا يقبله عقل.
واذن فإن سعينا إلى التسلح لا يفعل غير احياء الشكوك القديمة من جهة، ولا يخدم غير أصحاب الذرائع لتأجيل اعلان دولتنا العتيدة من جهة أخرى.والأهم من كل ذلك هو وسم عملية البناء التي سنبدأها بالضعف والبطء ومن البداية. وايضاً الحكم على المنافسة الحضارية مع اسرائيل بالفشل ومسبقاً.
ونصل الى سؤال آخر مهم ويتطلب اجابة صريحة: هل نحن بحاجة إلى جيش استعراضات لاثبات هيبة الدولة، ويدغدغ بعض المشاعر، كما هو الحال لدى عديد من دول العالم الثالث؟!
قناعتني، وهي شخصية بحتة، أن الجواب يجب أن يكون بالنفي: لماذا؟!
لقد سبق وأشرت الى حقيقة أن الدولة الفلسطينية، وحتى تستطيع الانصراف الى البناء وحل جملة المشاكل الصعبة التي تنتظرها، يتوجب أن تسعى، بجد تام، الى اقامة علاقات حسن جوار مع الجارتين الملاصقتين أولاً وبالأساس، ومع الأبعد بعد ذلك. ويتبع هذه العلاقات علاقات تعايش وتعاون في سائر المجالات وفي المقدمة العلوم، التكنولوجيا، الاعمار والبناء .. التجارة والاقتصاد ..الخ.
هكذا، واذا ما كنا صادقين في نوايا الانصراف الى البناء وحل المشكلات، يتوجب التفكير في صرف كل قرش في المجال الأكثر نفعاً من غيره.
مثلاً لا يتطابق القول بالصرف على جيش استعراضي مع واقع الامساك عن الصرف في مجال التربية والتعليم مثلاً.
كلنا نعرف أن طريق التطور يبدأ شقه من التربية والتعليم تحديداً. وهكذا من غير المعقول أن نطمح الى بناء اقتصاد متطور، الى رفع معدلات الانتاج، الى معالجة البطالة، ..الخ في وقت يعاني التعليم عندنا من كل هذا التخلف الذي يمسك بخناقه. ومن غير المعقول أن نصبو الى التقدم والمعلم، عماد هذا التقدم، يعيش هذه الحالة من العوز، ومن فقدان الكرامة. ومن غير المعقول أن نطمح في الخطو على طريق التطور الحضاري، ومدارسنا لا تحوي غير المقاعد الخشبية، وغير مناهج تعليمية أكل الدهر عليها وشرب.
ببساطة يمكن القول أن مستقبلاً واعداً للشعب يبدأ بمنع الأموال عن الاحتياجات المظهرية وبتحويلها الى التربية والتعليم والصحة وسائر المجالات الاجتماعية تحديداً، وبحيث يتم الرقي بوضع المعلم أولاً، وإن بصورة تدريجية وفي نفس الوقت بالمدرسة والمناهج وأساليب التربية والعملية التربوية التعليمية كلها ثانياً.
ومرة أخرى يبرز السؤال: كيف يمكن التفكير في الاستغناء عن بناء جيش وعن تسليح الدولة. في وقت نرى ونعيش هذا الجشع من اعدائنا في تراب وطننا؟! من سيحمي الوطن اذن؟!
والجواب، اذا ما استطعنا التغلب على انفعالاتنا، هو أن المسألة كلها، برمتها، تأتي بعد توقيع اتفاقات الحل والسلام. وكما سبق واشرت فإن أي جيش نبنيه لن يكون قادراً على حماية الوطن في غياب علاقات حسن الجوار والتعايش والتعاون. ولنلق نظرة شاملة على العالم. هناك مناطق في هذا العالم تطمع فيها الجارات القويات في ارض وثروات جاراتها الضعيفات. وكثرة كثيرة من الدول الصغيرة لا تملك جيوشاً تستطيع حماية، لا حدودها، ولا أمنها الوطني، ولا حتى ترابها الوطني. لكن هذه الدول قائمة والطمأنينة فيها غير صغيرة. ذلك ان طمع الجارات القويات تصده المعاهدات الدولية. كما تصده حسابات موازين القوى الدولية. وبديهي ان لا لوكسمبورغ في اوروبا، ولا سنغافورة في آسيا هي الأمثلة الوحيدة. بل هناك كل الدول الصغيرة المتناثرة في المحيطات، وفي القارات ايضاً.
اذن الى هذه المعاهدات الدولية يمكن ان نركن في حماية أمن وطننا.وايضا فان منهجنا في السلام والبناء وحسن الجوار ..الخ سيشكل الضمان الأكبر.
ومرة أخرى قد يبرز سؤال: ألا نقدم الى اعدائنا، الاسرائيليين بالأساس، هدية مجانية إذا ما اعلنا نيتنا أو قناعتنا بحاجتنا الى دولة غير مسلحة، لا تهدد أحداً، وتطمح الى أن لا يهددها أحد؟!
والجواب لا والصحيح أننا نقدم الخدمة لأنفسنا. اسرائيل تعرف تفاصيل وحدود اللعبة وتبني خططها على أساسها. إن اعلاننا عن حاجتنا لدولة غير مسلحة، مسالمة، تنصرف بكل طاقاتها الى البناء والعمران، وتنبذ كل توجه أو تفكير أو محاولة للتدخل في شؤون جاراتها، أو غير جاراتها، سينزع من يد اسرائيل ذرائع هامة طالما حاربتنا بها. والأهم من ذلك سنحفز أصدقاءنا، في المحيط وفي العالم، على مد يد العون لنا. وأيضاً على افراد مظلة حماية دولية تكون أكثر فعالية بمئات المرات من تلك التي ننتظرها من تسليح دولتنا. وبالمناسبة لا يجوز الاستخفاف بحقيقة أن الدول المصدرة للسلاح سوف تعمل على افشال كل محاولة لنا لاقامة دولة مسلحة.
وأعرف أن أصحاب التحرير الشامل سيقفون منه موقفاً عدائياً. وسيقولون فيه أكثر مما قاله مالك في الخمر.
وليس أقل ما يقال أنني أدعو الى تأييد وجود دولة اسرائيل على حساب شعبنا. ولعلني أرد بحجة واحدة، اذا ما حصلت تغيرات دولية مناسبة فإن الاجيال القادمة تعرف احسن منا كيف تستغلها وكيف تتعامل مع اية عقبة قائمة.
وقد يكون مفيداً تكرار القول أن الانصراف الى البناء، وقبله اقامة علاقات حسن الجوار فالتعايش والتعاون هو الهاجس الذي يجب أن يستحوذ على تفكيرنا. وحتى نتمكن من فعل ذلك لا يمكن اغفال الحقيقة البسيطة القائلة بأن تخصيص كل الموارد للبناء يتطلب عملاً عبر مؤسسات ممتازة الأداء.
مؤسسات تقيمها منهجية ديمقراطية فعلية .. ديمقراطية يجري تفصيلها على مقاس كل الشعب، الثابت في الأرض والعائد من المنفى .. وليس على مقاس فصيل بعينه كما هو الحال الآن. ديمقراطية تضمن سيادة القانون.. تضمن الشفافية المطلقة في صرف المال العام .. وتضمن المساءلة الفعلية والمحاسبة الفعلية عبر قضاء مستقل حقاً وفعال حقاً .. والذي هو احد المعضلات التي تتطلب الحل الناجع من دولتنا العتيدة القادمة .. أليس كذلك؟! عبد المجيد حمدان
حزب الشعب الفلسطيني