'الدولة الاسلامية' تخنق كربلاء ولو لم تغزها

المعاناة تجتاح كل اراضي العراق

كربلاء (العراق) - قلصت الأوضاع الأمنية التي شهدتها مناطق عدة في العراق خلال الأشهر الأخيرة السياحة الدينية بدرجة كبيرة في كربلاء، مما الحق خسائر كبيرة بهذا القطاع، ودفع المستثمرين لإتحاذ إجراءات لتدارك خسائرهم.

تراجع غير مسبوق، ذلك الذي تشهده السياحة الدينية في كربلاء، فمنذ عام 2003 لم يتوقف تدفق السائحين الى المدنية، على الرغم من تفاوت النسب بين عام وآخر، لكنها توقفت بالكامل بعد سيطرة تنظيم "الدولة الاسلامية" المتشدد على عدد من المحافظات العراقية، والمشكلات التي تعلقت بتيار المرجع الشيعي الحسني الصرخي.

الزوار الإيرانيون شكلوا على الدوام، النسبة الأكبر من بين الزائرين، لذا يمكن اعتبارهم عماد السياحة الدينية في كربلاء، ولطالما أعتمد أصحاب الفنادق على قوافل الزوار الداخلة بالألاف الى المدينة قادمة من إيران أسبوعيا على شكل وفود أو مجموعات "كروبات".

علي مهدي، صاحب أحد الفنادق الحديثة وسط كربلاء، قال "كانت صالة المنزل ممتلئة دائما بالزائرين، وكنا نشعر بالنشاط والرغبة بالعمل ونحن نستقبل مئات الزوار يوميا، أما اليوم فنحن نشعر بالملل لعدم قيامنا بأي عمل بعد أن توقف وصول الزوار الى كربلاء".

ليس الملل وحده ما يشعر به علي مهدي، فعشرات من العمال في فندقه ينتظرون صرف رواتبهم المتأخرة عن شهر مضى، ولا يبدو مقنعا لهم أي تبرير يسوقه كنتيجة لتأخر صرف مرتباتهم، لذا فهو مضطر الى الاستغناء عن معظمهم في حال استمرت الاوضاع على حالها.

قال هذا وهو يقلب فواتير بين يديه "كما يجب أن أدفع فواتير الماء والكهرباء وهي باهظة فضلا عن الضرائب والرسوم الأخرى".

ويقول موقع "نقاش" الاخباري العراقي ان اصحاب الفنادق بكربلاء يعزون تراجع حركة الزائرين نحو المدينة التي تضم مزارات دينية تاريخية مقدسة لدى المسلمين الشيعة، الى ما شهده العراق من أوضاع أمنية متردية بدأت باحتلال داعش للموصل في يونيو/حزيران، ومن ثم المصادمات التي نشبت بين أنصار رجل الدين الشيعي محمود الصرخي وعناصر الأمن وانتهت باعتقال المئات من أنصاره وتهديم مكتبه.

هذه الأوضاع، بحسب عاملين في مجال الفندقة بكربلاء، دعت هيئة الحج والزيارة الإيرانية في يونيو/حزيران، إلى وقف الرحلات البرية إلي العراق حتي تحقيق الأمن والاستقرار فيه.

ويبدو أن قرار الهيئة جاء استجابة لقرارات مجلس الأمن القومي الإيراني الذي اوصى بإيقاف الرحلات البرية الى العراق والاقتصار على الرحلات الجوية بين ايران ومطار النجف تحديدا.

وعلق جواد تحسين، صاحب أحد الفنادق على القرار الايراني بالقول" حين يشاهد الناس في البلدان الأخرى أخبار العراق في التلفاز فلن يشجعهم ذلك على المجيء، لانهم يعتقدون أن مناطق العراق كلها ملتهبة، ولا يعرفون ان مناطق في العراق ككربلاء مثلا آمنة تماما".

ويبلغ عدد الفنادق في كربلاء نحو 400 فندقاً شيد العديد منها حديثا، يعمل فيها آلاف الاشخاص. لكن تراجع عائدات قطاع الفندقة سيؤدي إلى تقليص اعداد العاملين في هذا المجال.

فأحمد الهلالي مثلا، اضطر الى ترك العمل في أحد الفنادق، قبل أسبوع، مع خمسة آخرين من زملائه بسبب انخفاض عائدات الفندق نتيجة لتراجع أعداد الزوار.

أحمد، الذي وجد نفسه بلا عمل، يمر باوقات صعبة خصوصاً انه يعول أسرة مكونة من أربعة أشخاص اعتاد على الإنفاق عليهم مما كان يحصل عليه كأجر من الفندق (350) الف دينار، ومع إنه يبحث حاليا عن عمل في أحد المطاعم. إلا أنه يلتمس العذر لصاحب العمل "لأن عائدات فندقه قد تراجعت وهو لايقدر على دفع مرتبات العاملين دون ان يقوموا بعمل".

يعتقد أحمد أن العمل في المطاعم هو أكثر إرهاقا وتعبا من العمل في الفنادق المكيفة والنظيفة. لكنه لايملك خيارات كثيرة في ظل تراجع عائدات قطاع السياحة، ويأمل أن ينتعش هذا القطاع ثانية ليعود إلى عمله السابق، خصوصا وأنه يشعر بأن لديه علاقات طيبة في مجال الفندقة يمكن أن تساعده بالعودة الى الفندق الذي كان يعمل فيه أو العمل في فندق آخر.

وحتى تتحقق هذه الأمنية سيبقى أحمد، والآخرون ممن فقدوا أعمالهم بسبب تراجع أعداد الزوار، بلا عمل ثابت وربما لايجدون فرصة عمل مقنعة.

ومع أن القرار الإيراني لم يوقف حركة الزوار إلى العراق، بل قصرها على الطرق الجوية، غير أن القرار بالنسبة للمواطنين الإيرانيين اشبه بالمنع التام. وقال أحد الإيرانيين القلائل ممن زار كربلاء قبل ايام، ويدعى، علي مهرباني، إن "معظم الإيرانيين لايملكون نفقات السفر بالطائرة".

وتبلغ تكاليف السفر جوا من طهران الى النجف نحو 350 ألف تومان إيراني أي ما يعادل 130 دولارا للشخص الواحد، فيما لا تكلف الرحلة برا نصف هذا المبلغ ذهابا وإيابا، ويعاني الإيرانيون من وطأة العقوبات الدولية المفروضة عليهم منذ سنوات والتي تسببت بتراجع قيمة الريال الإيراني بشكل حاد.

ومع ما يبديه أصحاب الفنادق من قلق حيال مستقبل قطاع السياحة والفندقة في ظل توقف الزوار الإيرانيين عن المجيء الى كربلاء، تقلل الحكومة المحلية من مخاوف أصحاب الفنادق.

وقال قائمقام مركز كربلاء حسين المنكوشي "ليس هنالك توقف مطلق في حركة الزوار الايرانيين، وانما هو توقف مؤقت سببه ارتفاع درجات الحرار، وشهر رمضان المنصرم وصعوبة التحرك في ظل الصوم".

ويعتقد المنكوشي أن الزوار الإيرانيين لايمكنهم التوقف عن زيارة كربلاء، مؤكدا انهم سيعاودون المجيء الى زيارة العتبات الدينية ما ان تنخفض درجات الحرارة قليلاً، وقال"مررنا سابقا في مواقف مماثلة في 2005 لكن الزوار عادوا وقصدوا المدينة بأعداد كبيرة".

في ذات السياق، يرى الخبير الاقتصادي جلال عودة نوماس، أن تراجع حركة الزوار في المدينة يمكن ان يتسبب بخسائر اقتصادية تنعكس على السوق بنحو عام، وبين أن آلاف العمال في الفنادق والمطاعم وباعة المتاجر سيجدون أن عائداتهم المالية قد شحت بسبب تراجع أعداد الزائرين.

وقال"هذا سيؤدي الى تراجع الطلب في السوق بسبب قلة العائدات الفردية كما سيؤدي الى أن يقوم العاطلون عن العمل بإنفاق مدخراتهم".

وشدد نوماس، على أهمية أن تقوم الحكومة المحلية بتطمين الزوار في البلدان الأخرى باستقرار الأوضاع الأمنية في المحافظة من خلال وسائل الإعلام ومن خلال إقامة المؤتمرات والندوات في إيران وغيرها للتأكيد على أن الأوضاع في كربلاء مستقرة.