الدولة أم الثورة!

المنافسة على رئاسة الجمهورية بين المشير السيسي والأستاذ حمدين صباحي، ليست صراعا إنتخابيا عاديا مثل عشرات الإستحقاقات الرئاسية في العالم. حتى الان التشاحن والتصادم والتجاوز بين أنصار كل مرشح لا يرتكز على برامج إنتخابية يفاضل بينها المصريون أو هي منافسة بين أحزاب سياسية لها مكانتها في الشارع المصري. لكنه للأسف صراع بين الدولة والثورة. فالسيسي وأنصاره يمثلون الدولة وصباحي ومؤيدوه يجسدون الثورة.. ويبدو أن مفهوم الثورة والدولة أصبح مثل تنافس ناديي الأهلي والزمالك.. من سيفوز يحصل على الكأس أو الدوري.

للأسف كثير من الشباب المؤيدين لصباحي يرون أن الثورة تعني أن تقوض الدولة القائمة التي نخر فيها السوس والفساد ومازالت تفسح مكانا لمن يسميهم الثوار فلول مبارك واذناب الحزب الوطني. الثورة بهذا المفهوم الإنفعالي ستدمر الدولة ومؤسساتها بدعوى الإصلاح. في الوقت ذاته يتمسك الفريق المعاون للسيسي بإستراتيجية قديمة في التخاطب مع الجماهير والإعلام معتمدين على الرصيد الشعبي الهائل للمرشح الأقوى عبدالفتاح السيسي.

رأيي الشخصي أن كلا المفهومين خاطيء. فالثورة لن تلتهم الدولة. والدولة لن تستبعد الثورة بحجة أنها تحتاج فترة هدوء للبناء والإستقرار وإستعادة الأمن. لابد أن تحدث مصالحة بين الدولة والثورة.. مصالحة من أجل مصر.

شعبية السيسي نبعت من بطولته وتخليصه البلد من الإخوان وإفشال مخطط التقسيم الاميركي لمصر وهو السياسي الوحيد الذي إستجابت له الجماهير ونزلت بالملايين في 4 مرات على مدار 7 أشهر يساندوه ويفوضوه ويشدوا من أزره.

مصر تحتاج السيسي البطل الذي صارع وحوشا وهزمها لينقذ بلده مثل صناديد الأساطير الإغريقية القديمة. ونحن نريد أيضا حمدين ثائرا عاقلا ومعارضا شريفا وركنا قويا لمعارضة مستنيرة لمصلحة مصر. المعارض يشد أزر الحاكم وهو عينه الصادقة التي ينظر بها للشعب.

لا أوافق على ترديد مقوله أن السيسي هو عبدالناصر الجديد. الزعامات لا تتشابه لأن الأخطار التي تواجه الأمم لا تكون واحدة على مر الزمان. لكل مرحلة تحديات وفي إدارة الأزمات تتغير التكتيكات سريعا.

الحقيقة أن السيسي عاطفي وثعلب ويمتلك عنصر المفاجأة وله قدرة هائلة على المناورة وإدارة أكثر من معركة في توقيت واحد، وهو هنا أشبه بالسادات وليس عبدالناصر.

نعم نريد أن يحكمنا بطل مثله يتصدى للمشروع الأميركي لتقسيم مصر ويستأصل جذور الإخوان ويحافظ على علاقات متوازنة مع القوى العالمية الإخرى. كما نحتاج أيضا للثائر صباحي الذي أختلف كثيرا مع شعاراته الوردية وخطابه المفعم بالأماني والحلول السهلة وبرنامجه الغامض الذي لا أعلم كيف يموله. لكن في الوقت نفسه هو شجاع لم ترهبه شعبية السيسي الكاسحة وقرر خوض الإنتخابات وهو يعلم انه سيخسر، لكن جينات الثورة عنده لن تحوله لمرتزق أو عميل أو متحالف مع قوى الظلام أو هكذا اتعشم. اما إذا كان بريق الشهرة سيتمكن منه ويبدأ في إطلاق مزاعم التزوير والبطلان وغير ذلك فمن المؤكد انه سيخسر الكثير من صورته.

نعم نحتاج الدولة والثورة. نريد رجل الدولة والثائر في بوتقة وطنية واحدة. لا نريد للثورة أن ترفع شعارا يعادي الأغلبية وهو "إن الحكم إلا للثورة" ولا أحبذ ما يصدر عن جماعة السيسي بأن على المنافسين إحترام قدراتهم ومكانتهم، وفي هذا تلميح صريح لضآلة حمدين. لا أريد أن ينسحب حمدين صباحي من سباق أراه أكتسب فيه إحتراما وتقديرا. فلأول مرة في مصر يشعر كثيرون بضرورة إحترام المهزوم وهو ما لم يكن موجودا في عام 2005، فقد تحولت المنافسة إلى "عركة في خمارة" حسب مقولة أنور السادات.

وأكرر انه لا ينبغي أن تتعارك الدولة مع الثورة. الثورة ليست تكسيرا وتحطيما وتظاهرات وإعتصامات. وهي أيضا لا ينبغي ان تتباهى بكسر القوانين ومخالفة الأعراف. لكن الثورة هي تغيير للأفضل. الثورة لا تكون بالإنقلاب على الدولة فقط، ولكنها في العلوم السياسية يمكن أن تكون ثورة على البيروقراطية والجهل والفقر والمرض.. ثورة على تدني الخدمات وضآلة الدخل وانهيار القيم. والثورة لا تتوقف عند الصوت المرتفع والصراخ في برامج التوك شو، وإنما المفروض أن تقدم حلولا جذرية وثورية، حلولا تنافس ما تقدمه الحكومة.. حلولا يستسيغها العقل ويقبلها المنطق وتنزل عنها الدولة طائعة مختارة.

السيسي يدخل الإنتخابات بصورة البطل الأسطوري وصباحي يخوضها بمنطق الثائر الذي يطالب بمكتسبات يناير 2011 ويونيو 2013 ويقاتل من أجل إستعادة حقوق الشهداء وإقرار العدالة الإجتماعية والحياة الديموقراطية السليمة.

وقبل أن أخوض في مقارنات يهمني أن أعلن إنتمائي للسيسي رجل الدولة، لكنني أكن تقديرا خاصا لحمدين لشجاعته في خوض إنتخابات تبدو مختلفة تماما عن 2012، ويعرف الرأي العام مسبقا نتيجتها، لكنه اثر الإستمرار والصمود أتمنى أن يحصل على نسبه مرتفعة من الأصوات تزيد عن 30% ليتأكد العالم أنها كانت منافسة.

في الوقت ذاته فإن المواطن الذي راهن على السيسي وحمل صورته إلى جانب صورة جمال عبدالناصر ينتظر منه رفع الفقر عن كاهله. ينتظره مخلصا من الالام والكوابيس ومحققا لأحلام البسطاء في العلاج والتعليم والوظائف.

يقولون في الأمثال أن مرآة الحب عمياء. لكننا أحببنا السيسي لمواقفه البطولية.. ولأن عقولنا ترشدنا إلى انه قادر على إستعادة الأمن والامان والقضاء على الفساد والرشوة والمحسوبية وإطلاق الحريات وتفعيل الديموقراطية.

بصراحة شعبية السيسي – فقط – لن تنقذه من المأزق الذي سيجد نفسه فيه. فكلما أرتفع سقف أحلام المواطن إزدادت مهمة الرئيس القادم صعوبة. والتخلص من مشاكل مصر ليس بسهولة إنتزاع الإخوان من السلطة.

أعود لصباحي الذي يري الشباب انه يعبر عنهم وهو الذي يركب سفينة الثورة. لكن تلك السفينة تحتاج إلى ربان يرسو بها على مرفأ وينقذها من أمواج متلاطمة وبحر أعماقه ظلمات تتربص فيها أسماك قرش مفترسة تريد إغراقها بمن عليها.

إنني أنظر إلى صباحي بإعتباره – من الان – زعيما للمعارضة في بلد لم تعرف الحياة الحزبية الحقيقية وأكتفت بهياكل كرتونية تزداد عددا وتقل تأثيرا عاما بعد عام. الدولة تحتاج الثورة كما قلت. السيسي يحتاج حمدين في البرلمان. أنها فرصة الثورة الحقيقية من خلال مرشحها الرئاسي لتنتقل من الشارع إلى البرلمان. حصول صباحي على نسبة معقولة من الأصوات سيجعل أحزابا كثيرة تدخل ببرنامجه الإنتخابات. لقد تعودنا طويلا على أن يكون لحزب الأغلبية 80% من الأصوات، بل انه حقق 100% في اخر إنتخابات مما عجل بسقوط مبارك. لماذا لا نكرر تجربه 1989 عندما كان للمعارضة 110 مقاعد في البرلمان. الثلثان والثلث.. بل لماذا لا تكون النسبه 60% إلى 40%؟

دعونا لا نشجع الدولة على حساب الثورة أو العكس. لكن دعونا نشجع المواطن ونطالب الحاكم أن يعمل موظفا عنده مع كل الإحترام والتقدير له. ساعتها ستنجح الدولة والثورة معا. وسيثبت حزب السيسي الذي لم يتشكل بعد أن المصريين أستطاعوا إختيار رئيسهم بحرية. لكن أحذروا هذا الشعب، فقد عرف جيدا كيف يحاسب رؤساءه.