الدور الثقافي المصري بين الحضور والتراجع

تحقيق أجراه: أحمد فضل شبلول
أزهي عصور الانكماش

المتابع للحالة الثقافية المصرية والعربية، يشعر بأن هناك حالة من التراجع الثقافي العام، خلافا لما كان موجودا في الستينيات والسبعينيات وبعض الثمانينيات الماضية على سبيل المثال، حين كانت القاهرة تشغى بالمثقفين العرب، وكانت مكتبة مدبولي على سبيل المثال كعبة ميدان سليمان باشا (أو طلعت حرب) التي لا بد أن يتوجه إليها كل كاتب ومثقف وأديب يعيش في القاهرة أو يزورها حتى ولو لساعات قليلة.
وكانت المجلات الثقافية سواء التي تصدرها الدولة (الكاتب والطليعة وإبداع والهلال والثقافة الجديدة والجديد على سبيل المثال) أو الأحزاب (أدب ونقد مثلا) تتسيد المشهد الثقافي العام. وفي المقابل كانت مجلة مثل الدوحة (في إصدارها الأول برئاسة محمد إبراهيم الشوش ثم رجاء النقاش) تعد المجلة الثقافية الأولى في الوطن العربي، وأيضا مجلة "العربي"، إلى جانب المجلات التي كانت تصلنا من العراق (أقلام والطليعة الأدبية والمورد) وغيرها، جنبا إلى جنب مع (عالم الفكر) الكويتية.
كان المشهد الثقافي العربي غنيا، وكان معرض القاهرة الدولي للكتاب هو العيد السنوي لكل الكتاب العرب، وخاصة عندما كان ياتي وينشد فيه نزار قباني ومحمود درويش وغيرهما.
فإذا قارنا هذه السنوات بما نحن فيه الآن، نحس بأن هناك تراجعا على المستوى الثقافي العربي، وأن هناك أيضا تراجعا مصريا ثقافيا داخليا وخارجيا.
حول إذا ما كان هناك بالفعل تراجع ثقافي، أم لا، وإذا كان هناك تراجع فما أسبابه، وكيف نعالجه حتى يظل هذا المشهد الثقافي في المقدمة دائما، خاصة وأنه سيعقد قريبا مؤتمر عام للمثقفين المصريين دعا إليه وزير الثقافة الفنان فاروق حسني، الذي صرح في مؤتمر أدباء مصر بالإسكندرية، إنه مندوب المثقفين لدى الحكومة، وليس موظف الحكومة لدى المثقفين.
كما دعت مكتبة الإسكندرية أيضا إلى تجمع ثقافي مصري يناقش دور الثقافة والمثقفين في المستقبل القريب. * سعيد سالم: تراجع نسبي الكاتب الروائي سعيد سالم يقول عندما وجه إليَّ سؤال (لماذا تراجع دور مصر الثقافي في العالم العربي؟) كأمر مفروغ منه لم أكن للوهلة الأولى مقتنعا بصحته بوجه عام. وبعد أن تفكرت قليلا تأكدت من صحة قناعاتى بهذا الصدد، فالمسألة لا يمكن أن تؤخذ بهذا الحسم وكأن هذا التراجع حقيقة صارخة صارمة مقطوع بها، فالرأي عندي أن هذا التراجع نسبي وليس مطلقا من جهة، بمعنى أنه واقع بالفعل في بعض المنابع الثقافية المصرية التي يستقى منها العرب فيتأثرون بها، ولكنه غير متراجع على الإطلاق في منابع أخرى.
فلو قلنا إن المنابع الثقافية المصرية الكبرى أساسها النتاج الفكري لكبار كتابها وفلاسفتها ومفكريها على مدى عقود طويلة مضت، فإن هذه المنابع لم تتوقف عن تغذية أنهارها التي تصب في العالم العربي، بل أنها تتطور بحكم الزمن وتتابع الأجيال، لينهل منها كل محبي المعرفة وعشاق الفكر والثقافة في الوطن العربي، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، وبذلك لا يمكن القول بتراجع دور الثقافة المصرية في هذا المجال بما له من قوة تراكمية الأثر على المدى الطويل. والدليل على ذلك مبيعات الكتب المصرية في العالم العربي حيث نسمع أحيانا أن توزيع بعض الكتب المصرية في بعض البلاد العربية يزيد عن توزيعها في مصر. مفرح كريم: التجريب هو السبب أما الشاعر مفرح كريم فيرى أن أهم ما يضعف الحركة الأدبية لدى شعب من الشعوب هو أن تضيع العلاقة بين حركة الشعب العامة التي ترسم حلمه الأكبر والسعي الدؤوب للعمل على تحقيق هذا الحلم، وهذه الحركة ضائعة لدينا لأنها لا تجد الحلم القومي الذي تتجسد فيه، ويسعى الأدباء والفنانون بكافة أنواعهم إلى الإمساك بالنغمة الصحيحة التي ترسم اتجاها لحركة السهم لدى هذه الأمة. هذا بالإضافة إلى فقدان العلاقة والاتصال بين الناس والأدباء.
ويرجع كريم هذا الأمر إلى أن كل واحد أصبح له حلمه الخاص الفردي الذي لا يؤدى إلى الالتحام والغناء وإرشاد الناس. وربما يرجع هذا إلى نسبة الأمية العالية التي تضع حاجزا لا يمكن عبوره، كما أن الطبقة الوسطى أصبحت في حالة من الضياع لسعيها الدؤوب لتحقيق الكفاف. وزد على ذلك أن القراءة ليست من عاداتنا المتوارثة مما ينعكس على حركة الكتاب ومؤشرات التوزيع المتهافتة التي لا تشجع ناشرا على المغامرة بنشر كتاب أدبي، هذا بالإضافة إلى الانتشار الرهيب لوسائل التسلية الرخيصة والتي لا تهدف إلى شيء إلا ضياع الحلم، وتكون النتيجة أن نرى شعبين على وشك أن يقتتلا بسبب لعبة ما. فما هو حظ الأدب في حال كهذه؟!
ويضيف مفرح كريم أن الأدباء والمثقفين لم يبذلوا أي جهد للتقرب من هذه الجموع، ولكن شغلهم الشاغل هو التجريب والتجريب والمزيد من التجريب الذي لا هدف له في النهاية سوى التجريب في القاعات المغلقة، سواء كان هذا التجريب يتماس مع الناس أو يبتعد عنهم، وأصبح الأديب لا يعير أدنى اهتمام لمدى تفاعل إنتاجه مع شعبه. بالإضافة إلى أن الأجهزة الثقافية تعيش في غيبوبة المهرجانات والمؤتمرات التي لا تلد شيئا، كما أصبح الاقتراب من العمل الثقافي يتم بالوساطة والمعارف والمجاملات. يؤدى بعض هذا – والكثير غيره – إلى الحالة الراهنة.
لك الله يا شبلول لماذا تنكأ هذا الجرح المفضوح؟! * هالة فهمي: غياب من ينكرون ذواتهم ليقدموا الآخر وتعلق الكاتبة هالة فهمي بأنه لا نستطيع القول إن الدور الثقافي المصري قد تراجع لأنه لكي يتراجع فلابد أن تتقدم ثقافات أخرى، وهذا لم يحدث فهناك حالة ضعف في الثقافة العربية بشكل كامل، ولعل هذا يرجع للأنظمة العربية الحاكمة المعادية لمصالح الشعوب والحريات العامة. هناك حالات من الظلم والعدائية مع المواطنين بالإضافة للمشكلات الإقتصادية والإجتماعية المتردية. كل هذا ينعكس على العملية الإبداعية والثقافية مما يدفع العقول المثقفة للهجرة للخارج أو لداخلها والتقوقع داخل ذواتها.
ورغم كثرة من يزعمون بأن العالم العربي كله يحارب الثقافة العربية في مصر، فإن ذلك لن يحدث مهما حاولوا إذا افترضنا صحة هذه المقولة، فمن ينكر دور أول دولة تبلورت فيها فنون الثقافة من صناعة سينما ومسرح ونهضة في المجلات الثقافية المتخصصة والآن رغم ما يذكر عن حالات الضعف. لدينا مكتبة الإسكندرية ومشروع مكتبة الأسرة الذي اعتبرته اليونسكو نموذجا يحتذى به. بالإضافة لحالة حراك لا تتوقف رغم عدم جديتها في أحيان كثيرة إلا أنها لا تموت أبدا.
ومن ناحية أخرى تؤكد هالة فهمي أن حالة الضعف التي أصابت الثقافة في مصر لعله يرجع إلى غياب من ينكرون ذواتهم ليقدموا الآخر أو الدفاع عن قضايا مصيرية معاصرة. وغياب نظريات نقدية خاصة بنا واستهلاك لإسماء لم تعد تقدم الجديد.
وعن كيفية استرداد دورنا الثقافي تقول هالة فهمي: لكي نسترد هذا الدور علينا أولا: إطلاق الحريات العامة وأن نمارس فعل الديمقراطية بالمعنى الصريح والحقيقى لها. وألا نضع قيودا على حرية الفكر والإبداع مع التجديد في الخطاب الثقافي والدينى. علينا أيضا إيجاد نظريات نقدية متطورة. وعلينا بدعم الكاتب المصري الذي شكل وجدان العالم العربي قديما، فإذا ما تذكروا عمن تتلمذوا عليهم ذكروا المنفلوطي، والعقاد، والمازني، وطه حسين، والإمام محمد الغزالي.. وغيرهم .
ولكي يعود هذا لا بد من خلق مناخ ثقافي صحي قائم على التعددية في السياسة والاقتصاد. أيضا علينا إنعاش ذاكرة العالم بأسماء جديدة فهذا يثبت أن مصر (ولادة) ولولا أنها مازالت في الصدارة رغم حالة الضعف التي أصابتها ما تشجع العرب للقدوم إليها سعيا للتواصل والنهل من فيضها. رغم أن بعضهم سعى لخلق دوره الثقافي من خلال مؤسسات ثقافية وجوائز ثقافية، ومع ذلك لم يأخذوا مكانة مصر لأن الثروة لم تحقق هذه الريادة فالأمر أكبر من ذلك بكثير.
وتختم الكاتبة هالة فهمي بقولها إن الثقافة هي الثروة الحقيقية، وهي التي تميزنا بين دول العالم، فمصر كاسم تعيد لإذهان العالم تلك الأسماء التي غيرت ملامح الثقافة العربية. مصر بكل حضارتها القديمة والحديثة أكبر من التراجع رغم العديد من عثراتها التي تعرضت لها. * بشيرعياد: أزهى عصور الانكماش! ويقول الشاعر بشير عياد: في يقيني أنَّ أسبابًا كثيرةً وراءَ تراجعِ الدور الثقافيِّ المصريِّ على المستوى العربي، والمُضحِكُ المُبكي ـ في آنٍ معًا ـ هو تراجعُ الدّورِ الثقافي على المستوى المحلّي (الدَّاخلي) أيضًا!
أوّلُ هذهِ الأسبابِ هو دخولُ وسائط، وسائل، جديدة لتزاحم الوسائل التقليدية التي كانَ في مقدّمتها الكتابُ المصريُّ، والإذاعةُ المصريّة، ثم مثقّفو مصر من أدبائها ومبدعيها في مختلف الآداب والفنون، طُغيانُ المدّ التليفزيوني حتى وصوله إلى هذه الفوضى الفضائيّة كانَ من أمضَى الأسلحةِ التي صرفت المتلقّي العام عن الثقافةِ الجادة بكل أشكالها، فأصيبَ الكتابُ بالكساح، وتحوّلت الإذاعةُ إلى صوتٍ ضائع في ظلمات الصحراء في ليلة ديسمبرية باردة، وأصبحت الأمسيات والندوات والملتقيات الأدبيّة مجرّد فرص للتعارف بين المشاركين فيها والتقاط الصور التذكارية، ولم يعد "النجم" المصري يحظى بالإقبال الجماهيري الذي رسّخَ قيمة المبدع المصري وحضوره الدائم.
السبب الآخر ـ كما في رأي عياد ـ هو الانكماش المتبادل على المستويين، الرسمي والإبداعي، حالة من الانغلاق والتقوقع على الدّاخل غطت الخريطة العربية وكأنها وباء أو هي اتفاق غير مكتوب، إمّا من باب الاستعلاء على الدور المصري وإعلاء الدور المحلي في محاولة لإثبات الوجود وخلق حالة من "التعادل"، أو من باب الكراهية ومحاولة التخلّص من هذا العبءِ الأزلي الذي جعلَ الجميع وكأنهم أطفال مبتسرون سيموتون في الحال لو خرجوا من الحضّانة "المصريّة"، وساعد على ذلك ـ بقوّة ـ تراجع الدور المصري الرسمي ليس على الصعيد الثقافي فقط، ولكن على أصعدة أخرى كثيرة، والثقافة ليست سوى عضو في هذا الجسد أو البنيان العام، وأخطر الأعراض ـ هنا ـ هي تراجع الكتاب المصري (باعتباره الزاد الأوّل، والعنصر الأكثر حركة والأسرع وصولا) فلم تعد المؤسسات الرسمية تغذي الخريطة العربية لا بالكتب ولا بالمجلات الثقافية التي كان لها الدور الأكبر على مدار النصف الأول من القرن العشرين، والتي استطاعت مصر من خلالها أن تؤسس لنهضة ثقافية عربية وصلت ثمارها إلى أبعد نقطة على الخريطة.
السبب الثالث طبقا لترتيبه الزمني ـ في رأي بشير عياد ـ هو الانترنت الذي أصبح كالهواء، وصار بمقدور أي صبي أن يتابع ويجادل ويحاول وينشر على مدار الساعات الأربع والعشرين، وسادت حالة غير مسبوقة من حالات "الاستغناء الفردي" أيضا (هذا، إذا أخذنا الانترنت من المنظور الإيجابي).
السبب الرابع، غياب العبقريات الفردية، التي تستطيع توجيه البوصلة في ساعات الخطر، فتراجع دور المبدعين أنفسهم، وتفرّقت دماؤهم ما بين الغرور أو الـ "أنا مالي" أو التمسّح في الغرب واستجداءِ رضاه، والتنازل عن الدور والرسالة، فأصبح الانكماش مرضا وبائيّا جعلَ كلَّ فرد يكتفي بالمكان الذي يتحرّك فيه.
أما السبب الأخير، ويصلحُ أنْ يكونَ الأوّل بلا شك، هو "ألاعيب السياسة"، فمن الغباء أن نعفي هذا السبب أو نقلل من خطره، السياسة الآن دخلت في كل شيء وأفسدته، ولذلك "فتّش عن السياسة أولا"، وأعتقد أن المثلَ واضح وضوح الشمس فيما حدث من أجل الفوز بمباراة في كرة القدم، إذ كان للحضور القذر للسياسة أكبر الأثر في نتائج ما هو خارج المستطيل الأخضر، وما أسوأها من نتائج وأثمان حاضرة ومستقبلية، فإذا كان هذا هو واقع ما أفرزه التفكير بالأقدام، فهل يصبح من المعقول أن نتحدّث عن واقع التفكير بالعقول؟
المسائل ـ كما يرى بشير عياد ـ شائكة ومتشابكة، والخرق يتسع يوما بعد يوم، ولا أرى له من راتق. * صبري قنديل: ثمة تراجعات عامة الكاتب الناقد صبري قنديل يقول: قد يقول قائل إن صوت الثقافة المصرية أصبح خافتا في الخارج وفي الداخل، وهذا صحيح على المستوى الرسمي، ربما لأسباب ظاهرية نابعة من عوامل سياسية واقتصادية وقطرية، ليست مصر وحدها المتسببة فيها، لكن ربما تراجع دورها السياسي العربي والعالمي واختلاف وجهات النظر العربية حوله تقديرا للمصالح القطرية حيث تكون السياسة ملتفة غالبا حول المواءمات، وبذلك أحدثت ـ ولا تزال تحدث ـ الفجوات في مجالات مختلفة، وبالتالي فهي سبب مؤثر في ضعف الصوت الرسمي للثقافة المصرية أمام تعاظم النزعات القطرية التي لا تحكمها إستراتيجية، بل خضعت لمراجعات اهتمت بالولاءات الذاتية التي تغلبها الأهواء على حساب ما هو قومي وعربي خاصة في منطقة الخليج، وإن بقيت استثناءات لا تزال مصرة على استمرار الدور القومي والعربي لكن صوتها خافت أيضا.
رغم ذلك، وفي محدودية الإمكانات ـ يرى قنديل ـ أنه لا تزال مصر تفتح نوافذها لعشرات الأعمال الإبداعية لتصدر من القاهرة، وهذا جيد ونطالب بالتوسع الجيد فيه، ناهيك عن عديد من الكتاب والمفكرين الذين يطلون من صحف ودوريات مصرية أسبوعيا وشهريا وفصليا، وبالتالي يصعب الحديث بنظرة قطعية عن تراجع الدور المصري خاصة على المستوى الفردي، فرغم الخلجنة التي حدثت إبان حرب العراق/إيران، وغزو العراق للكويت، وتصاعد المشاحنات الحدودية بين أقطار أخرى، فإن المثقف المصري لا يزال حاضرا بقوة يصعب معها تجاهل دوره أو نكران تأثيره في الصحف والدوريات والملتقيات الكبرى، والتي بدون مشاركاته لا يمكن لها أن تحدث تأثيرها المرتقب واستمرارها في التواصل مع متلقيها.
ومن هنا يمكن القول في إطار المشهد الثقافي العربي إن ثمة تراجعات عامة بفعل أسباب وعوامل من هنا وهناك، وإذا كان بعض المؤسسات الثقافية قد بدأت تدرك دورها في محاولة لسد الفجوات منها اتحادات الكتاب، ومؤسسات النشر الكبرى، لكي يبقى الصوت العربي حاضرا في ملتقياتها وأنشطتها، لكن هذا لا يغني عن أن يكون للثقافة المصرية مشروعها النهضوي المرتبط باستراتيجية عربية تنهض من مشروع القرن للثقافة العربية، ولهذا فإن مواقف سياسية وثقافية تحتاج إلى مراجعات مدروسة وإلى علاقات عربية تعتمد الآليات الجديدة في تواصلها، بالإضافة إلى دعم المراكز الثقافية في الداخل والخارج بما يعيد لها الحيوية لإدراك دورها العربي والعالمي ويمكنها من تحقيق التواصل الفاعل بين المبدعين العرب في كل البلدان العربية، خاصة وأن الثقافة العربية صارت الآن حصن هوية الوجود، والبوتقة التي لا تزال تجمع العرب عبر لغة هي اللسان والبيان في كل مكان. * محمد باقي محمد: ارتاح الأشقاء المصريّون لفكرة الريادة وكان لا بد لنا من تطعيم تحقيقنا هذا بأصوات عربية محايدة، فلجأنا إلى عدد من الأصدقاء الأدباء والكتاب العرب، لم يستجب منهم سوى الكاتب والناقد السوري محمد باقي محمد رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب بالحسكة الذي قال:
على نحو ما تبدو المُشكلة مُركّبة، ذلك أنّها في أسسها العميقة لا تذهب جهات تراجع للدور الثقافيّ المصريّ على مُستوى العالم العربيّ فحسب، بل أنّها تطرح أسئلة مُقلقة عن مُستقبل الثقافة عموماً، والمكتوبة أو المقروءة منها على وجه التخصيص، إذْ أنّ التحرّي في المشهد الثقافيّ العربيّ سيُظهر تقدّماً لثقافة الصورة عبر الأقنية الفضائية التي لا تعدّ، وقد يطرح هذا سؤالاً مُمضاً عن مُستقبل الكتاب الورقيّ التقليديّ في ظلّ ثورة التقانة والمعلومات، تلك الثورة التي راحت تدفع بالكتاب الإلكترونيّ إلى الواجهة أكثر فأكثر!
ثمّة نموّ على الأطراف، هذا لم يكن في بداية القرن العشرين، فعندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه المُثير للجدل "الإسلام وأصول الحكم" لم يكن ثمّة ندّ له في مشرق البلاد العربيّة أو مغربها، هذا ينطبق على الـ: د. طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي" مثلاً، إذاك كان المشتغلون في الحقل الثقافيّ لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة بكثير، فإلى جانب من تقدّمَ ذكرهم يمكن الإشارة إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ والمازني وعباس محمود العقاد، لكنّ القول بأنداد أو حتى تلاميذ لهم في الأقطار العربيّة لم يكن وارداً!
ويضيف محمد باقي محمد أنه قد يكون للمسألة علاقة بالواقع السياسيّ لتلك الأقطار، ربّما لأنّ بلاد الشام الخاضعة للعثمانيّين - على سبيل المثال - كانت تشهد نزوحاً للبشر، هرباً من وجه العسف الطورانيّ، فانتهى الأمر بالكواكبي إلى مصر، ثمّ أنّ القاهرة هي المدينة العربية الوحيدة التي ينطبق عليها مفهوم المدينة آنئذ، ولذلك لجأ إليها أبو خليل القبانيّ المسرحيّ، ومن هناك أطلق اللبنانيون والسوريون الصحف الأولى التي عرفتها المنطقة!
لكلّ ما تقدّمَ ارتاح الأشقاء المصريّون لفكرة الريادة، فكانوا كالأوروبيّين المُتشدّدين لفكرة المركزيّة الأوروبيّة، كان انطلاق الآخرين من بين ظهرانيهم يريحهم، ولذلك وجدوا غضاضة في الإقرار بمسرحيّ من طراز رفيع كسعد الله ونوس، ذلك أنّ الأخير ظهر في بلاد الشام!
بيد أنّ الأمور اختلفت، إذْ غبّ أن تحصلّت بقية أقطار الوطن العربيّ على استقلالها، راحت الظروف تنضج على تفاوت واقعاً موضوعيّاً، يسمح لها بأن تدلي بدلوها في الثقافة العربيّة، فأسهمت في كتابة الرواية كجنس مُستجلب من الغرب، وما حنا مينة إلاّ أحد الأمثلة في هذا الإطار، وبرز من بين المنهمكين بالإنتاج الثقافيّ مسرحيون مهمّون، مرّة أخرى يمكن الإشارة إلى ونوس كمثال، هكذا كان الحال مع القصّة القصيرة أيضاً، فإلى جانب محمد تيمور ثمّ يوسف إدريس تربّع كل من زكريا تامر وسعيد حورانية "سوريا" ومحمد زفزاف "المغرب" ومحمد خضير "العراق" على سدّة القصّ، هذا يشمل قطاع الفكر، وما الـ: د. عبد الله العروي والـ: د. محمد عابد الجابريّ "المغرب" والـ: د. طيب تيزيني والـ: د . جلال صادق العظم والأستاذ إلياس مرقص "سوريا" والشهيد مهدي عامل والـ: د. حسين مروة "لبنان" إلاّ علامات في هذا الاتجاه، من غير أن ننسى النقد الأدبيّ إذْ توزّع الإنتاج النقدي على فلسطين "د. فيصل دراج" وسوريا "الأستاذين يوسف اليوسف وحنا عبود" ولبنان "د . يمنى العيد والأستاذ إلياس خوري "و المغرب" د. سعيد يقطين ومحمد برادة "وشبه جزيرة العرب" د .عبد الله الغدامي" ، وما هذا إلاّ غيض من فيض!
واليوم ـ كما يرى محمد باقي ـ بدأت تلوح في الأفق ورشة دؤوب للاشتغال على الرواية في المملكة العربية السعودية مثلاً، فهل ننكر دور الأشقاء المصريّين في الريادة!؟
ويختم الكاتب السوري مشاركته بقوله إن مصر ستظل من الجسد في موقع القلب! ثمّة تراجع .. نعم، ولكن ليس في مصر لوحدها، بل وليس في العالم العربيّ لوحده، ذلك أنّه يشمل العالم بأجمعه، فالألفية الثالثة تطرح تحدّيات غير مسبوقة على الكوكب الأرضيّ، وما علينا إلاّ أن نرصّ الصفوف للمُواجهة، وأن نعدّ أنفسنا لوقائع جديدة في الحياة والثقافة والفنّ! أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية