الدواعش.. لا حدود للتوحش

مقدمات عنف الجماعات الإسلامية بدأت بالإخوان

هل للتوحش قاع؟ وهل للبشاعة حدٌ؟ سؤالان بالغا الأهمية ويطرحهما الجميع وتحديداً بعد التطورات الأخيرة لآليات عمل تنظيم «داعش» الإرهابي.

شابان سعوديان في مقتبل العمر يقتلان أمهما قتلةً بشعةً ويطعنان والدهما وأخاهما الصغير طلباً لرضى قادة التنظيم الإرهابي وإخلاصاً لمبادئه وتفانياً في خدمته، حتى وإن عصوا الخالق وخالفوا كل معايير الأخلاق البشرية والسماوية.

شابٌ كويتيٌ ينحر أخاه في الكويت باعتباره كافراً وخارجاً من الدين، ومن قبل شابٌ سعوديٌ يقتل ابن عمه الذي تربى معه طيلة حياته، بنفس البشاعة والتوحش اللاإنساني، ووهادٌ من التخلف والتوحش جعلت الناس يتساءلون عن أي قاعٍ مجرمٍ وصل إليه هؤلاء المجرمون القتلة.

التكرار ليس جيداً، ولكن تكرر البشاعة، واستمرار التوحش، وتواصل الجرائم بنفس النهج وذات الطريق توجب إعادة بعض الأفكار وضمان نشرها على أوسع نطاق حتى تؤتي شيئاً من أكلها وتحصد ولو قليلاً من ثمارها.

من سبق له الاستماع لرجال الأمن أو المسؤولين عن محاربة الإرهاب في العديد من بلدان العالم والعربية منها أو الخليجية تحديداً يكون قد سمع من البشاعة والتوحش ما يشيب له الولدان، وما لا يخطر بعقل مجرم ولا يجول بخاطر سفّاح، ولكننا اليوم أمام قصص تروى للناس كما جرت في بيانات رسمية واضحة وصريحة وشفافة، تجعل المجتمع بأسره يقف على حقيقة الأهوال التي تجري، وتحمّل الجميع مسؤولياته وواجباته تجاه وطنه ومجتمعه وأسرته ومن يعول.

تعويم الإرهاب، والشطحات في تحليله، من تيارات شتى، تعين الإرهابيين على التوسع والتمدد، في التجنيد والتمويل كما في التخطيط والتنفيذ، فعندما يرفع يساري معارض عقيرته بأن الإرهاب مصدره ظلم السلطة، أو ديكتاتورية الحاكم، أو غيرها من الشعارات الرنانة غير المفيدة، فهو يعمي على الجريمة ويعوّم المسؤولية ويبرئ المجرم الحقيقي، وهذه مشاركة في الجريمة، وإنْ كان دافعها مصلحة شخصية أو استجرار مجدٍ غابرٍ.

ويشارك في تعويم الإرهاب تيارات تسمي نفسها حقوقية أو إنسانية عندما تخلط خلطاً بيناً بين المجرم الحقيقي وسافك الدماء المتوحش وبين صاحب الرأي أو سجين الكلمة، ذلك أن حرية التعبير تختلف تماماً عن حرية التكفير، وحرية الرأي لا علاقة لها بحرية القتل، ومن هنا فهذا الخلط المتعمّد يعتبر شريكاً في الجريمة إما بسبب الجهل الطاغي أو الهوى الأعمى.

«الدواعش» المتوحشون لم يستيقظوا فجأةً ليقوموا بأبشع أنواع الإرهاب، ولكنهم مرّوا بمراحل طويلة من التهيئة والتربية، من الإعداد النفسي والذهني، من صياغة عقولهم لتكون ساخطة، ونفوسهم لتصبح قابلة للعنف والبشاعة والتوحش، وهي مهمة استمر بناؤها عقوداً من الزمن، وما هؤلاء «الدواعش» إلا نتيجة لكل تلك العملية المعقدة والطويلة.

ليس خطأً البحث عن روافد صناعة الإرهاب وبناء الإرهابي، من سياسة واقتصاد ومجتمعٍ ونحوها، ولكن الخطأ يكمن في الخلل الكبير في ترتيب أولويات قراءة الظاهرة، وأي تفسير يستبعد الأيديولوجيا أو ينحيها جانباً هو تفسير يفقد مصداقيته لأنه يطّرح الثيمة الأصلية للإرهاب، فالأيديولوجيا المتطرفة والمتشددة هي أساس الإرهاب ومنطلقه ومبداه.

لولا حسن البنا لما خرج عبد الرحمن السندي قائد التنظيم الخاص لجماعة «الإخوان»، الذي كان يخطط وينفذ الاغتيالات والتفجيرات، ولولا سيد قطب لما خرج الظواهري وعبد السلام فرج وصالح سريّة، ولولا أمثالهم من سلسلةٍ طويلةٍ نظّرت بشكلٍ واسعٍ للعنف والإرهاب والتوحش لما عرفنا أسامة بن لادن ولا أبو مصعب الزرقاوي ولا أبو بكر البغدادي.

إن هذا السياق الذي يضع الإصبع على أصل الداء لا ينفي بحالٍ سلسلة طويلة الذيل من خطابات التطرف والتكفير في التاريخ الحديث والقديم، ولا يلغي نزعات الشرور لدى بعض البشر، ولكنه يسعى لرسم طريقٍ أفضل للتوصيف وبناء الحلول.

عبدالله بن بجاد العتيبي

كاتب سعودي