الدكتاتورية تتستر بـ'قناع انتخابي' في مصر

القاهرة ـ من ادموند بلير
ديمقراطية البساطير

قبل الانتخابات البرلمانية التي تجري في مصر الاحد المقبل وقعت اشتباكات بين الشرطة والمنافسين الإسلاميين للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم لكن مع ذلك لا تساورهم أي أوهام بشأن نتائج التصويت.

ويهيمن الحزب الوطني الذي يتزعمه الرئيس حسني مبارك على الحكم منذ عقود، ولن تخفف الانتخابات القادمة قبضته على السلطة.

كما تجري مصر ثاني انتخابات رئاسية تعددية العام المقبل لكن حتى لو لم يرشح مبارك نفسه فمن غير المتوقع أن تجري انتخابات ديمقراطية في أكبر الدول العربية سكاناً.

فالمعارضة ضعيفة ومنقسمة على نفسها وتلاحقها الدولة التي تهرع قواتها الامنية الضخمة لسحق أي تحد في الشوارع.

اما العمال الساخطون الذين يسعون الى زيادة أجورهم الهزيلة ونشطاء الانترنت هم أعلى منتقدي الحكومة صوتاً.

وجماعة الاخوان المسلمين وهي أقوى حركة معارضة - اذ هيمنت على خمس مقاعد البرلمان - محظورة رسمياً ويخوض أعضاؤها الانتخابات كمستقلين.

ودفعت الجماعة هذه المرة بعدد أقل من المرشحين وتتوقع أن تخسر الكثير من المقاعد التي تشغلها في البرلمان وعددها 88.

وكتبت صحيفة المصري اليوم هذا الاسبوع "اشتعال حرب المسيرات والتصريحات بين الاخوان والوطني" بعد أن اشتبك أنصار الاخوان مع الشرطة.واعتقل العشرات في الفترة التي تسبق الانتخابات.

ولا يتوقع أحد أن تغير مواجهات الشوارع النتائج.

ولم يطرأ على المشهد السياسي المصري تغيير يذكر منذ تولي مبارك الرئاسة عام 1981 بعد أن اغتال اسلاميون سلفه الرئيس أنور السادات.

ويخلق هذا الجمود حالة عدم يقين خاصة به.

فمبارك عمره الان 82 عاماً وجددت الجراحة التي أجريت له في المرارة في مارس/آذار تساؤلات حول صحته وأثارت جدلاً بشأن من سيكون الرئيس التالي لمصر في غياب أي خليفة مرشح وعدم تعيين نائب للرئيس.

ولم يتضح بعد كيف ستعمل المرحلة الانتقالية.

وسيكون للجيش الذي قدم كافة الرؤساء المصريين حتى اليوم دور رئيسي لكنه لا يعدو أن يكون واحداً من مراكز قوة عديدة متنافسة.

ومن بين مراكز القوة الاخرى جهاز الامن والحزب الحاكم ودائرة مبارك المقربة من المستشارين والتكنوقراط الذين يعملون على تحرير الاقتصاد ونخبة من رجال الاعمال أصحاب النفوذ.

ويؤكد المسؤولون نزاهة جميع الانتخابات.

لكن أي انتخابات رئاسية مقبلة قد لا تزيد عن كونها مباركة للخليفة الذي ستختاره المؤسسة الحاكمة بأي الية غير شفافة.

ويقول المحلل السياسي ايساندر العمراني "شيء واحد يثير حفيظة الناس سواء المستثمرين في مصر أو المصريين في بلادهم هو انعدام الرؤية".

ولم يعلن مبارك ما اذا كان سيخوض انتخابات الرئاسة المقبلة لكن مسؤولين أشاروا انه سيفعل وان حالته الصحية تسمح بذلك.

واذا لم يفعل يعتقد معظم المصريين انه يعد ابنه جمال (46 عاماً) امين السياسات بالحزب الوطني والمصرفي السابق لخلافته.

وقال دبلوماسي غربي عن جمال "نحاول بالتأكيد العمل معه اذ نعتبره خليفة محتملاً".

وأضاف أنه لم يحظ بعد بقبول 79 مليون مصري يكافح كثير منهم لكسب قوتهم.

ويفتقر جمال لخلفية عسكرية الامر الذي يثير تساؤلاً بشأن ما اذا كان يمكن نقل أعلى سلطة في البلاد الى شخصية مدنية.

وأردف الدبلوماسي "اذا لم يحظ جمال بتأييد الجيش ومساندة الشعب ربما يواجه متاعب".

وفي صفوف الحزب الحاكم يخشى ساسة مخضرمون عززوا نفوذهم في عهد مبارك من صعود مجموعة شابة من أعضاء الحزب ورجال الاعمال الموالين لجمال، وجمال مقرب من وزراء يقودون عملية تحرير الاقتصاد منذ عام 2004.

وأقر عضو من داخل الحزب بأن "هناك بعض الاشخاص ينتمون لعقلية الستينيات...البعض لا يحب أن يرى هذه السياسات (الاقتصادية) تنجح لانها ستمنح المزيد من الصلاحيات (للجيل الجديد)"، وقال ان الحزب يشهد صراعاً على السطة.

وتجاهل المستثمرون الاجانب الذين اجتذبهم معدل نمو الاقتصاد المصري بنسبة 5.1 في المئة المخاوف السياسية في الغالب.

وقال بنك أوف أميركا ميريل لينش في مذكرة هذا الشهر "نعتقد أن النظام المصري سيتغلب على الصعوبات السياسية التي تواجهه".

لكن انخفاض الجنيه المصري الى أقل مستوى في خمس سنوات أمام الدولار في نوفمبر/تشرين الثاني يشير الى بعض المخاوف.

ويقول أوليفر بيل من بيكتت لادارة الاصول في لندن "اذا قلت لي ان نفس الفريق (الاقتصادي) سيقوم بنفس الشيء خلال السنوات الثلاث أو الاربع المقبلة لكن تحت قيادة مختلفة مع بعض الفوارق الدقيقة سأشعر براحة تامة.لكن المشكلة تكمن في المجهول".

لكن بريق ست سنوات من النمو الاقتصادي السريع يثير تساؤلات المصريين عن كيف تحسنت أوضاعهم.

ومثال على ذلك السكان الفقراء لحي رملة بولاق العشوائي الذين يعيشون على أطراف مجمع أبراج نايل سيتي التي تضم فندق فئة خمس نجوم ومركزاً تجارياً فاخراً.

وتشتكي أم دينا (34 عاماً) وهي أم لثلاثة أطفال قائلة هناك "ناس فوق وناس تحت في هذا البلد" ولا يوجد أحد في المنتصف.

وتساعد أم دينا زوجها الذي يبلغ مرتبه 700 جنيه في الشهر (123 دولارا) بتوفير أماكن في الشوارع المليئة بالحفر لصف سيارات الموظفين الذين يعرضون عن دفع رسوم مرآب نايل سيتي المشيد تحت الارض، ويساعد ما تكسبه أم دنيا في اطعام الاسرة، ويبلغ معدل تضخم الغذاء في مصر 22 في المئة.

ويقول محمد كمال عضو أمانة السياسات في الحزب الوطني ان النمو الاقتصادي يمكن ان تشعر به "بعض القطاعات وليس كل القطاعات...قضية العدالة الاجتماعية وتخفيف حدة الفقر يحظى بأولوية في سياسة الحزب والحكومة".

ويتغنى الزعماء المصريون بمثل هذه العبارات لعقود من الزمن لكن منافسيهم أخفقوا في الاتحاد لتشكيل حركة قادرة على حشد السخط الشعبي المكبوت.

وتحاول جماعة الاخوان تجنب مواجهة قد تعرض للخطر استراتيجيتها طويلة الامد لحشد الدعم الشعبي من خلال تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية.

وبموجب القواعد الحالية يستحيل تقريباً وجود مرشح حقيقي لانتخابات الرئاسة دون مساندة الحزب الحاكم.

ولم تحرز حملة خاضها محمد البرادعي لتطبيق اصلاحات تمكنه من خوض انتخابات الرئاسة عام 2011 أي نجاح حتى الان بالرغم من أن المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يفقد الامل.

وقال البرادعي عبر البريد الالكتروني "بعد 58 عاما من القمع سيستغرق الامر بعض الوقت حتى يتغلب الناس على خوفهم ويحتشدون من أجل التغيير...لذا من الطبيعي أن يحتاج التغيير بعض الوقت لكنه حتمي".

ونادرا ما تجتذب المظاهرات المناهضة للحكومة أكثر من بضع مئات وتطوقها أعداد كبيرة من قوات الامن.

ويقول منتقدون ان البرادعي الذي قضى عقوداً في الخارج قبل عودته لمصر لم يكون شبكة محلية لحشد الزخم اللازم للتغيير.

ويضيف الناشط والمدون حسام الحملاوي "لم يفعل شيئاً فيما يتعلق بالتنظيم على الارض. لم يشارك في الاحتجاجات بالقدر الذي أراده الناس".

واستفاد الحملاوي من الحرية النسبية المتاحة على الانترنت ليستخدم مدونته عرباوي دوت أورغ في القاء الضوء على تنامي الاحتجاجات والاضرابات المطالبة بزيادة الحد الادنى للاجور الذي يبلغ 35 جنيهاً منذ عام 1984. وأوصت هيئة حكومية بزيادته الى 400 جنيه وهو ما يتجاوز مباشرة خط الفقر الذي يبلغ دولارين في اليوم.

ويرى الروائي علاء الاسواني وهو أحد منتقدي الحكومة ان المتاعب الاقتصادية قد تؤدي الى انفتاح النظام السياسي في نهاية المطاف.

وقال "لا يقلقني أن الكثير من الاحتجاجات تحدث للمطالبة بزيادة أجور العمال. هذا هو جوهر التغير الديمقراطي. عندما تتحدث عن العدالة فأنت تطالب بالديمقراطية".

ويؤسس الاسواني موقعه الالكتروني الخاص قائلاً ان الصحيفة التي كان يكتب لها أوقفت نشر مقالاته بسبب الضغوط الرسمية.

ودفع نشطاء آخرون على الانترنت ثمناً أفدح.

فقد بث خالد سعيد على موقعه تسجيل فيديو لما يبدو انهم أفراد من الشرطة يتقاسمون مخدرات مضبوطة. وقالت جماعات حقوقية ان الشرطة اقتادته من مقهى للانترنت وضربته حتى الموت. ويحاكم رجلا شرطة في قضية مقتل سعيد بتهمة الضرب واساءة معاملته.