الدستور المصري أولا.. وأخيرا

بقلم: أحمد أبودوح

سادت في الفترة الأخيرة حالة من الجدل الواسع شغلت جميع الأوساط المصرية حول اجراء الانتخابات التشريعية أولا، أم انتخابات هيئة تأسيسية لوضع دستورا جديدا للبلاد.. أولا.

وانقسم المجتمع المصري إلى قسمين كل منهما يتبنى وجهة نظر في هذا الشأن.. ولكنه لم يكن من الواضح - حقيقة – مدى قوة أي من الطرفين في التأثير على الرأي العام، في ظل حالة الاستقطاب الكبيرة التي شهدتها الساحة السياسية آنذاك، وفي ظل الاصرار الذي غلب على الجانبين، والذي كان من شأنه أن يسقط بالبلاد في هوة الصراع السياسي الذي لا يعرف عواقبه إلا الله.

حيث ذهب الطرف المنادي بوضع الدستور أولا – وهو الطرف الذي ضم كثيرا من النخب السياسية – إلى أن اجراء الانتخابات أولا هو محاولة للسيطرة على غالبية المقاعد البرلمانية من قبل فصيل معين من الفصائل السياسية – والمقصود هنا بالطبع هم جماعة الأخوان المسلمين، أو التيار الاسلامي بصفة عامة – بحجة أن هذا الفصيل هو الأكثر تنظيما وقدرة على خوض الانتخابات في ظل الظروف الحالية.

كما فضل الاسلاميون - الداعون إلى انعقاد الانتخابات أولا - الارتكاز على نتيجة الاستفتاء الشعبي الشهير الذي جاءت فيه الأغلبية التصويتية بـ "نعم" وهو ما يعني – من وجهة نظرهم – أن وضع الدستور أولا سوف يرى على أنه خروج صريح على الأغلبية، وخرق واضح لتوجهاتها وارادتها.

انتهى الأمر أخيرا – بعد مشاورات ومفاوضات ومناورات – إلى تحيز أغلب التيارات السياسية إلى احترام ما جاءت به نتيجة الاستفتاء، وتغليب المصلحة الوطنية.. كان من نتائج ذلك ظهور الاخوان المسلمين وبعض التيارات السلفية في جمعة 8 يوليو.. وعودتهم للمشاركة في المليونيات التحريرية من جديد.. وان كانت المشاركة هذه المرة على استحياء.

ولكن – وبعد أن هدأت الأمور إلى حد ما – نجد أن بعض القوى السياسية مازالت غير راضية عما توصلت اليه النخب السياسية من نتيجة – وهي احترام وجهة النظر الشعبية كما أسلفنا – حيث أنها ترى في ذلك فتح للطريق أمام الاسلاميين للسيطرة على الهيئة التأسيسية التي سوف تنتخب لوضع الدستور الجديد في بنيتها التكوينية، مما سيؤدي – بحسبهم – إلى اضفاء الصبغة الدينية على هذا الدستور.. وكأن هؤلاء أصبحوا على يقين بأن التيارات الاسلامية سوف تنجح في الفوز بأغلبية المقاعد البرلمانية، أو حتى بثلثها المعطل.. فسعوا إلى تشكيل ما يدعى بـ"المجلس الوطني المصري" الذي تدور فيه المناقشات حاليا حول وضع ما يسميه البعض "مواد فوق دستورية" أو ما يطلق عليه أخرون "مبادئ حاكمة للدستور".. مما أدى بالطبع إلى استفزاز الاسلاميين الذين هددوا بالتصعيد، الذي وصل إلى حد دعوة التيار السلفي إلى مليونية لمجابهة هذه المحاولات.

فأين اذا المجلس العسكري من كل هذه المناوشات التي تحدث على الساحة السياسية الان؟ وما موقف الثوار مما يدور حول هذا الموضوع داخل الغرف المغلقة؟

في الحقيقة، أرى أن المجلس العسكري لا يهتم كثيرا بمثل هذه المحاولات، وخاصة عندما نعلم أن المجلس ربما يميل برأيه إلى الطرف الناظر اليها على أنها محاولة للالتفاف على وجهة نظر غالبية القوي السياسية التي ارتأت تغليب المصلحة العليا للوطن في سبيل الاستغناء عن موائد ومناقشات ومؤتمرات لن تفيد كثيرا – مع أنني كنت من مؤيدي وضع الدستور أولا – وانما سوف تؤدي إلى حدوث تصدع في الصف الوطني، وانشقاقات بين النخب السياسية من شأنها أن تعصف بما تم التوصل اليه – أخيرا – من توافق عام على المطالب الأساسية للثورة.

أما من جهة الائتلافات والحركات الشبابية فانني أزعم أنهم لا يكترثون كثيرا بالمناقشات الدائرة حاليا، لأنهم ببساطة يصبون كل انشغالهم وتركيزهم في المرحلة الحالية على الحفاظ على مطالبهم خوفا من الالتفاف عليها، ويتشبثون بكل ما أوتوا من قوة بالمكتسبات الثورية إلى كانت على وشك ابتلاعها وهضمها من قبل القوة المضادة للثورة.

التوجه الصحيح اذا هو أن نتخلى عن محاولات اختراع وصاية غير دستورية على الدستور نفسه، الذي هو بمثابة المحرك الأساسي للسياسات القانونية للدولة، والأب الشرعي لجميع مؤسساتها.. هذا لا يمنع أيضا بذل الجهود لضمان عدم تلون الدستور بلون طيف واحد من الأطياف التي سوف تشكل البرلمان، لذا كان من الواجب العمل على ايجاد الية لضمان احتواء الهيئة التأسيسية للدستور على ممثلين لجميع القوى السياسية والشعبية، وأيضا جميع الأيدولوجيات والتيارات الاجتماعية والفكرية، بدلا من اهدار الوقت والجهد في مكلمات لن تنفع ولن تشفع.. فالدستور هو العقد الذي يضعه الشعب لتحديد صلاحيات واختصاصات من يتولى أموره.. والدستور هو المترجم الوحيد لمبدأ "الشعب هو الحاكم الفعلي، وهو مصدر جميع السلطات".. والدستور هو من يعلو ولا يعلى عليه..!

أحمد أبودوح