الدستور الجديد يرسم ملامح 'فرعون' آخر لمصر

دستور بعبارات فضفاضة تفتح باب التسلط

القاهرة ـ تتسم مسودة الدستور المصري الجديدة التي أعلنت عنها الجمعية التأسيسية للرأي العام مؤخراً بالمنهجية والعيوب نفسها، فقد غلبت على المسودة عبارات إنشائية وفضفاضة تمكن السلطة التنفيذية من التغول على السلطة التشريعية، وتمنحها صلاحيات تقديرية واسعة في تقييم المخالفات والتجاوزات، إلى جانب احتمالات ترهل النصوص القانونية المترتبة على الدستور الجديد بسبب تعدد معاني النصوص المطاطة والإنشائية وعدم انضباطها دستورياً.

انتقد المستشار القانوني لحزب الوفد عصام شيحة غلبة سمة الفضفاضة وعدم الانضباط في الدستور الجديد، فالعبارات المطاطية التي تحمل أكثر من معنى تمكن السلطة التنفيذية من التغول على السلطة التشريعية والعصف بالحريات العامة تحت مزاعم مخالفة النظام العام أو الآداب العامة أو الإخلال بالقيم والعادات المجتمعية.

واستشهد شيحة بتكرار عبارات مثل "بما لا يخالف الشريعة الإسلامية والنظام العام والآداب العامة والوحدة الوطنية وغيرها".. مؤكداً أن فلسفة الدساتير تقوم بالأساس على الاستغناء عن الكلمات الفضفاضة التي تحمل العديد من المعاني والانطباعات.

وأضاف شيحة، أن مثل تلك الكلمات والعبارات يمكن استخدامها في القوانين، ولكن استخدامها في الدستور يمثل خطراً يعيد إنتاج عيوب دستور 1971، وتكرس منهجية ثغرات البنية الدستورية والتشريعية في المجتمع.

ولفت إلى أن المواد الإنشائية التي تتكون من 5 أسطر، وتحتوي على تناقضات يصعب تحديدها في قوانين، لاسيما أن الأصل في الدستور أن يكون أساس التشريع وبناء القوانين، ومن ثم فإن إنشائية عبارات الدستور تؤدي حتماً إلى ترهلات في النصوص يصعب ضبط إيقاعها القانوني.

باب الحقوق والحريات

ومن جانبه أكد رئيس المنطقة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبوسعدة أن العديد من نصوص مسودة الدستور الجديد مطاطة وغير محددة المعنى.

وعاب أبوسعدة عدم مراعاة الجمعية التأسيسة لوضع الدستور على استخدام مفاهيم حقوق الإنسان في الصياغة، مؤكداً أن تكرار عبارة "بما لا يخالف الشريعة الإسلامية" بمثابة معاداة للاتفاقيات دولية ومعايير عالمية متعارف عليها في صياغة الدساتير، إلى جانب أنها تمثل مزايدة غير مبررة في ظل استمرار المادة الثانية من الدستور التي تنص على "أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع".

وقال حافظ أبوسعدة أن عدم صياغة الحقوق بشكل دقيق ومنضبط، يمنح صلاحيات واسعة للمشروع والسلطة التنفيذية في تقييم وتقدير الجرائم أو التجاوزات، بما ينتقص من الحقوق ويقلل هامش الحريات العامة.

ويضيف "الصفة المعيارية على مواد الدستور بما يتنافى مع قاعدة التجريد ويسمح لبعض الفصائل السياسية باحتكار تفسير النصوص الدينية".

وحذر أبو سعدة من خطورة نص المادة في باب السلطة التشريعية بأن "لا يجوز إصدار تشريعات بالمخالفة للشريعة الإسلامية"؛ لأن هذا النص الدستوري من شأنه تديين جميع النصوص القانونية المدنية، وإلغاء القوانين التقدمية التي تتخذ من المواثيق والاتفاقيات الدولية مرجعية لها، مؤكداً أن مسودة الدستور التي تم الإعلان عنها تعلن في طياتها عن النموذج السوداني وتهدد بتقسيم المجتمع.

ورغم مشاركته في عضوية الجمعية التأسيسة انتقد د. رفعت لقوشة عضو لجنة نظام الحكم، وضع معظم مواد مسودة الدستور بالإنسشائية والعبارات المطاطة، مؤكداً أن معيار التوافقية لم يسرِ على معظم مواد المسودة التي خرجت صادمة للرأي العام.

وأعلن لقوشة عن عدم الانتهاء من مواد الدستور الجديد وعدم التوافق الكامل على النصوص من لجنة المائة، معترفاً بأن معظم فصائل الإسلام السياسي جرفت الدستور للتعبير عن هويته السياسية وأيديولوجيته الفكرية.

منعطف سياسي

وأوضح د.عماد جاد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية، بأن الأزمة التي يمر بها المنعطف السياسي المصري خطيرة جداً، وتنبئ بكوارث سياسية قادمة إذا استمرت حالة الفوضى السياسية بين الأحزاب والقوى السياسية والتيارات الإسلامية.

وأشار جاد، إلى أن الوضع الحالي يجعلنا نشعر دائماً بأن القادم أسوأ، كما أن إحياء دستور 71 أصبح مطلباً؛ لأن الجمعية التأسيسية تشهد رفضاً سياسياً وشعبياً لما تقوم بوضعه من نصوص دستورية، اختلفت عليها القوى السياسية كلها، كاشفاً بأن الإخوان الذين يرفضون إحياء هذا الدستور عليهم أن يتذكروا أن د.سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب المنحل استخدم المادة 133 من دستور 1971 لسحب الثقة من حكومة د.كمال الجنزوري، وكان هذا اعتراف إخواني بمواد دستور 71 المعطل.

ورفض د.محمد البلتاجي عضو المكتب التنفيذي بحزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، مجرد التفكير في محاولة إحياء دستور 71 لحين صياغة دستور جديد، لأن ذلك يمثل خطيئة كبرى لا تغتفر وجهل سياسي، نافياً أن يكون للإخوان دور فيما وصل إليه الوضع السياسي المتأزم.

ووصف القوى السياسية التي رفضت الموافقة على "مسودة الدستور" بأنها تسعى لإطالة الفراغ الدستوري، بسبب ما يسمى "المواد الفضفاضة"، التي لا وجود لها.

وأكد البلتاجي، بأن الدستور الذي تعكف الجمعية التأسيسة على إصداره من أرقى دساتير العالم، ويسعى لنهضة البلاد وترسيخ نظم الديمقراطية وتداول السلطة في البلاد.

ويرى علاء عبدالمنعم مساعد رئيس حزب الوفد السابق، بأن لغة المصالح السياسية أصبحت هي التي تتحكم في الشعب المصري الذي ثار على نظامه السابق وأسقطه وأسقط دستوره الذي جعل من مبارك "فرعوناً" مصرياً، ولذلك لا يجوز إحياء هذا الدستور إلا بتوافق وطني وإجماع شعبي على عودته.

وطالب عبدالمنعم بتنقيح وتعديل نصوص الدستور القديم "المشوهة" لتحقيق الاستقرار الوطني والسياسي بين القوى السياسية.

وأكد بأن التيارات الليبرالية والإسلامية تصارع من إعلاء مصالحها الذاتية على المصلحة الوطنية، ولذلك سوف ينصدم الشعب في الدستور الجديد الذي سيكون صورة مشوهة من دستور 71.

مطبات دستورية

وحذر د.جمال زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، من موافقة القوى السياسية على مسودة الدستور، التي وصفها بأنها مازالت مليئة بالمطبات الدستورية، كما أن هناك مواداً لا ينبغي أن تكون موجودةً أبداً في الدستور الجديد للبلاد، حتى لا يفاجئ الشعب بخلق فرعون جديد على غرار دستور 71.

وأكد زهران بأن وضع المحكمة الدستورية والقضاء في الدستور الجديد أسوأ من وضعها أيام الرئيس السابق ، وأن ما يحدث من الجمعية التأسيسية ردة للخلف، بسبب المواد الفضفاضة، والكلمات التي تحتمل تأويلات وتفسيرات كثيرة، مثل "مبادئ أو أحكام" وغيرها.

وفي السياق ذاته قالت "منظمة هيومن رايتس ووتش": إن مشروع الدستور المصري الجديد يتضمن مواداً قد تشكل تهديداً خطيراً لحقوق الإنسان في مصر بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، بسبب سيطرة الإسلاميين عليه، كما أن المسودة الحالية تخفق في الارتقاء إلى هذا المعيار القانوني بسبب الصياغات والقيود الفضفاضة والغامضة في المسودة التي تدمر جوهر الكثير من الحريات.

وأضافت المنظمة، بأن المسودة تُبقي على بعض الحقوق المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، لكن إجراءات أخرى تتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتشكل تهديداً جدياً لمستقبل حقوق الإنسان في مصر.

وقالت "هيومن رايتس ووتش" : إن المادة 36 التي كانت وراء العديد من التظاهرات النسائية "تهدد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

وجاء النص الدستوري يقول "بأن الدولة تضمن المساواة بين الجنسين بما لا يخل بأحكام الشريعة الإسلامية، وأن الدولة تضمن للمرأة التوفيق بين واجباتها نحو الأسرة وعملها في المجتمع بحسب مسودة الدستور".

ورأت المنظمة أن هذه المادة تتناقض مع مادة أخرى في الباب نفسه تحظر التمييز على أساس الجنس.

وقالت المنظمة إن المادة 29 من المسودة تنص على أنه "يحظر الرق والعمل القسري وانتهاك حقوق النساء والأطفال وتجارة الجنس، ويجرم القانون ذلك".

وتنص المادة 8 من المسودة على "أن حرية المعتقد مطلقة، وتمارس الشعائر بما لا يخالف النظام العام، وتكفل الدولة حرية إقامة دور العبادة للأديان السماوية على النحو الذي ينظمه القانون".

واعتبرت هيومن رايتس ووتش "أن هذه المادة تمييزية ولا تتفق مع القانون الدولي؛ لأن من شأنها استبعاد حقوق أتباع الديانات غير السماوية مثل البهائيين في مصر من حق إقامة دور العبادة".

أما المادة 9 التي ما زالت موضع نقاش فتقول "أن الذات الإلهية مصونة، يحظر المساس أو التعريض بها، وكذا ذوات أنبياء الله ورسله أجمعين، وكذلك أمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين".

ورأت المنظمة أن "هذه المادة من شأنها أن تميز بوضوح ضد الجماعات التي تعتنق آراءً أو تفسيرات مختلفة فيما يتعلق ببعض الشخصيات المحورية في الإسلام، بمن فيها شيعة مصر الذين يعدون مسلمين متدينين يعتمدون تفسيرات مختلفة 'عن السنة' فيما يخص الخلفاء الراشدين".

وتشدد المنظمة على "دعوة أعضاء الجمعية التأسيسية إلى عدم إدراج هذه المادة في المسودة النهائية"، كما ألقت المنظمة الضوء حول تخوفات السياسيين من استخدام الإسلاميين الذين يهيمنون على الجمعية التأسيسية نفوذهم وأحزابهم وتواجدهم القوي بالشارع المصري، لدفع الناخبين إلى التصويت بـ"نعم".