الدستور الاوروبي بين النعم واللا الفرنسية

بقلم: د.خليل حسين

يشكل 29 ايار/مايو 2005 حدا فاصلا للاحلام الفرنسية وتحديدا لرئيسها جاك شيراك في تحديد النعم او اللا الفرنسية لدستور الاتحاد الاوروبي، فاما ان يتحقق الحلم الاوروبي الذي راود احلام الآباء المؤسسين على مدى نصف قرن ونيف واما ينهار المعبد على رؤوس الجميع ويتفرق عشاق الوحدة. باعتبار أن استطلاعات الرأي التي أجريت في فرنسا مؤخرا قد ضاعفت هذا الخوف وأن‏'‏ لا‏'‏ الفرنسية ستكون كارثة ليس فقط علي الحكومة الفرنسية‏،‏ ولكن أيضا علي باقي الحكومات الأوروبية‏.ويمكن تسجيل العديد من الملاحظات في هذا المجال ابرزها.
- هناك تحذيرات كثيرة تطلقها حكومة بيار رافاران في فرنسا، منها أن البديل المطروح للاتحاد الأوروبي هو‏ الفوضي‏‏ والانزواء على الذات،‏ ودخول دولها في نزاعات داخلية يكون من شأنها الإطاحة بالصورة المشرقة التي سعى مناصرو الوحدة الأوروبية إلي ترويجها وتكريسها لتكون أوروبا الموحدة‏-‏ في هذه الحالة‏-‏ القوة الكبرى المناوئة لأمريكا‏ المسيطرة على النظام العالمي،‏ وحجة هؤلاء أن العالم في حاجة إلي أوروبا قوية لكي يحدث‏ الاتزان‏ و‏التوازن‏ في العلاقات الدولية‏،‏ إذ لا يعقل أن تظل أمريكا وحدها هي‏ السيد المطاع ‏ بينما تخنع أوروبا وباقي دول العالم لها.
- أن ‏'‏لا‏'‏ الفرنسية ستضع أوروبا في مأزق حقيقي في ضوء غياب أي خطة بديلة‏..‏ وفي هذه الحالة ستكون الفرصة قد ضاعت لأن العالم لن ينتظر أوروبا حتي تعود إلي رشدها.‏ صحيح أن إجراءات التصديق ستتواصل في بعض الدول الأخرى لكن ما يزيد الأمر تعقيدا‏، هو أن المواطنين الأوربيين سوف يتجهون بتردد إلي صناديق الاقتراع بسبب الإحباط الذي سيلفهم في حال سقوط الدستور الأوروبي في فرنسا‏.
- ثمة مشاعر خذلان تسود رجال الحكم والسياسة الأوروبية إذا قالت فرنسا‏ '‏لا‏'‏ إذ كيف تحمل فرنسا ‏(‏في حماس منقطع النظير‏)‏ شعلة الوحدة الأوروبية ويتولي رئيسها السابق فاليري جيسكار ديستان مسئولية وضع نصوص الدستور‏-‏ ثم يأتي الشعب الفرنسي ليعلن احتجاجه رافضا مجمل الطروح الوحدوية‏.
- ‏ ‏أن دولا أوروبية كبرى ‏(في حجم بريطانيا‏)‏ تربط استفتاءها ‏(المقرر إجراؤه في أوائل عام‏2006)‏ بنتائج الاستفتاء الفرنسي وهو ما يعزز القول بأن باريس هي التي تقبض في يدها على الوحدة الأوروبية‏ ولذلك إذا انفرط عقدها فسوف يستتبع ذلك انفراط باقي اضلع المشروع. وصحيح أن طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حاول أن يخفف من وطأة هذا‏ الواقع‏ ‏ فتحدث عن أن بلاده سوف تنظم استفتاءها حول الدستور بغض النظر عما تفعله الدول الأخرى‏،‏ لكنه عاد ليقلل من جدوى ذلك مؤكدا‏ أنه إذا لم يكن هناك دستور فلا يمكن التصويت علي لا شيء‏! في إشارة إلي أنه لا دستور أوروبي إذا قالت فرنسا‏'‏ لا‏'. ‏وأعطى رئيس وزراء لوكسمبورج الذي تتولي بلاده رئاسة الاتحاد الأوروبي نفس الانطباع عندما كشف أن أي حديث عن فتح باب المفاوضات والمناقشات مرة أخرى حول معاهدة ماستريخيت (المؤسسة للاتحاد‏)‏ سيكون نوعا من السذاجة غير المقبولة‏.‏
- أن أعداء ماستريخت ينتشرون في ارجاء الساحات السياسية في أوروبا‏،‏ ويرون أن فرنسا تريد استغلال فكرة الوحدة الأوروبية‏ ‏في محاولة للتدخل ا في كل القرارات الأوروبية ولتكريس هيمنتها علي أنحاء أوروبا‏..‏ والدليل علي ذلك أن الصيغة الفرنسية هي السائدة سواء في القواعد المنظمة لعمل المؤسسات الأوروبية وكذلك في نصوص الدستور التي أمضى جيسكار ديستان قرابة ‏15‏ شهرا في وضع صياغته النهائية‏.
- ومما يزيد من مساحة الخوف في فرنسا‏ والدول الأخرى المعتمدة عليها‏،‏ أن الإقبال علي الانتخابات لاختيار أعضاء البرلمان الأوروبي كان ضعيفا إلي حد اعتبره البعض شكلا من أشكال التصويت العقابي‏ للتعبير عن رفض الشعوب الأوروبية للطروح الوحدوية‏ أو علي الأقل التحفظ علي بعضها‏.كما ‏زاد الاستفتاء الأسباني حدة المشهد الشعبي للوحدة بتسجيل ‏57.8%‏ فقط كنسبة للحضور رغم تحمس أسبانيا وإصرار رئيس وزرائها ثاباتيرو علي العودة إلي بيت الطاعة الأمريكي بعد سنوات من الطلاق البائن‏..‏ في زمن سلطة خوسيه ماريا أزنار.
- ان الفتور الشعبي تجاه الاستفتاءات الأوروبية مرده أسباب كثيرة منها أن المشهد الأوروبي‏ الوحدوي‏ ليس ناصع البياض‏-‏ فمازالت آثار الثقوب السوداء التي أحدثتها قضية الفساد المالي في زمن الفرنسية (أديت كريسون‏)‏ تطغى على المشهد‏-‏ فضلا عن حالة الجمود التي يخشى أن تعاني منها مؤسسات الاتحاد الأوروبي بعد انضمام الدول العشرة الأخيرة‏..‏ وإذا وضعنا في الاعتبار أن باب الانضمام لا يزال مفتوحا أمام عشر دول أخري في السنوات المقبلة‏،‏ فإن هذا معناه أن مؤسسات الاتحاد مقبلة علي حالة من‏ الترهل‏‏ لا مفر منها.
أن فكرة ‏'الأغلبية المؤهلة‏'‏ في حال التصويت قد تحل ا المشكلة جزئيا لكن تبقي العقبات الأخري التي تضعها الدول الأوروبية الصغرى (متهمة الدول الكبري بأنها تريد احتوائها وتضييع ملامحها تحت ستار الاتحاد‏..)‏ أما العقبة الكبرى التي يعترف بها الجميع فهي غياب المشروع السياسي الأوروبي الذي تدعمه إرادة سياسية قوية‏..‏ خصوصا في مواجهة الطغيان الأمريكي البارز في السياسة الدولية‏!.‏ إلي حد أن واشنطن لم تجد حرجا في أن تتحدث عن ضرورة أن تقبل أوروبا انضمام تركيا‏،‏ ما جعل الرئيس شيراك يرد في عنف مطالبا أمريكا بألا تقحم ذاتها فيما لا يعنيها‏!.‏
‏ أن رحلة‏ الوحدة الأوروبية لن تكون سهلة خصوصا اذا فازت فوز الـ‏'‏لا‏'‏ الفرنسية لكن يبقي أن درجة‏ 'ما‏ من التفاؤل تغمر القلوب خصوصا بين بناة المشروع الأوروبي الوحدوي‏،‏ فلقد طافت في الأسابيع القليلة الماضية‏ 'قوافل وزارية‏'‏ تشرح للشباب مزايا الدستور‏،‏ والمكتسبات التي يمكن أن تعود علي مستقبلهم من ترجيح كلمة‏'‏ نعم‏'..‏ ولقد اعترف بعضهم مثل جيسكار ديستان بأن نصوص الدستور ليست مشروحة بالقدر الكافي فضلا عن أنها بعيدة عن الكمال‏،‏ لكن يبقي أنها أفضل النصوص‏ المتاحة‏ وتسمح لأوروبا أن تكون قوية وغير إمبريالية‏.. ولا ينكر رئيس الوزراء الفرنسي بيار رافاران صعوبة تحقيق اجتماع حول نصوص الدستور‏،‏اذ يحتاج الأمر إلي عشر سنوات لكي تحظي هذه النصوص بموافقة‏25‏ حكومة‏،‏ لكن يبقي ما يبعث علي الفخر أن هذا الدستـور هو مرآة تعكس‏ التوافق الأوروبي‏ الذي وضع حدا لحالات التنازع والحروب بين دول القارة العجوز‏،‏ فضلا عن أنه البرهان الأكيد علي أن أوروبا أرادت أن تتوحد وتتكامل‏-‏ لأول مرة في تاريخها‏-‏ بطريقة سليمة‏.‏
ربما يكون مشروع الوحدة الاوروبية من ادق واعقد المشاريع الاقليمية باعتباره سيكون تحديا جديا وقويا للنظام الدولي القائم بقيادة الولايات المتحدة، فثمة اجماع قوي بين متتبعي السياسات الدولية وقضاياه بان لا تغيير في اسس ومفاصل النظام العالمي من دون احداث تغييرات جذرية في موازين القوى الدولية وهذا الامر غير قابل للتحقق من دون وجود قوى اقليمية ذات وزن دولي فعلي ومنها الاتحاد الاوروبي ألذي عانى الامرين منذ نشوء فكرته نظرا لكثرة المتضررين الاوروبيين وغير الاوروبيين منه، فهل ترجح النعم الفرنسية احلام مؤيدي ماسترخت؟ ام ستكون اللا الفرنسية الثقب الاول في دف الوحدة الذي سيفرق عشاقها؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني drkhalilhussein@hotmail.com‏