الدروس الخصوصية: تجارة بالمليارات في مصر

القاهرة - من محمد ج. عرفه
هم لكل أفراد الأسرة

كشف طلاب مصريون فازوا بالمراكز الأولى في امتحان الشهادة الثانوية التي ظهرت نتائجها الأحد 17 تموز (يوليو) 2005 أن سرّ تفوقهم يرجع إلى الدروس الخصوصية التي تلقونها في العديد من مواد الدراسة بعدما أصبحت هذه الدروس لا غنى عنها للطالب وللمدرسين الذين يعتمدون عليها في تحسين مصادر الدخل، فيما أشارت إحصاءات رسمية إلى أن هذه الدروس الخصوصية التي تجرمها وتحاربها وزارة التعليم تكلف الأسر المصرية قرابة 15 مليار جنية سنويا (قرابة 4 مليارات دولار)
كشفت أسر العديد من الطلبة والطالبات الذين كرمهم وزير التعليم المصري لحصولهم على المراكز العشر الأوائل علي جمهورية مصر، أن الدروس الخصوصية سواء المنزلية أو في "مجموعات التقوية" داخل المدارس ومراكز التعليم المختلفة لعبت دورا حاسما في التفوق حيث أخذ غالبيتهم دروسا خصوصية في نصف المواد الدراسية تقريبا بسبب الشكوى من ضعف التحصيل الدراسي في المدارس أو لتحسين المستوى.
وتمثل الدروس الخصوصية أحد القنوات الحديثة لاستنزاف دخل الأسرة المصرية، حيث يتراوح إنفاق الأسرة الواحدة علي التلميذ الواحد في السنة الدراسية لأخذ حوالي خمسة دروس في خمسة مواد دراسية ما بين 700 إلي ألف جنيه، كما تشكو دراسات رسمية من أنها أثرت حتى علي الخطط التنموية الرسمية، هي والعديد من مظاهر الإنفاق الأسري المستحدثة مثل الإنفاق على الهواتف الجوالة والوجبات السريعة الجاهزة، وكان لها دور في إضعاف دخول العديد من الأسر.
كما ظهرت أشكال غريبة وعديدة لهذه الدروس الخصوصية وتوسعت المراكز الخاصة المخصصة لهذا الغرض رغم مطاردة أجهزة الدولة لها، حتى أن العديد من المدرسين الذين يشكلون مجموعات طلابية للدروس الخصوصية في منازل الطلاب أو المراكز التعليمية الخاصة يصبحوا "كامل العدد" قبل بدء العام الدراسي بثلاثة أشهر، إضافة إلى سعي البعض الأخر للإعلان عن نفسه كمدرس خصوصي في ملصقات يجري توزيعها في الشوارع ولصقها على محطات المواصلات العامة. 15 مليار جنية للدروس الخصوصية وكان الجدل الحاد حول استفحال هذه الظاهرة وأسبابها، وفشل وزارة التربية والتعليم في القضاء عليها، قد حدا بلجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب برئاسة د. حسام بدراوي لإعداد تقرير حول هذه الظاهرة أكدت فيه أن الدروس الخصوصية تكبد الأسر المصرية 12 مليار جنيه، وطالبت اللجنة في تقريرها بتقنين هذه الظاهرة وتنظيمها بقانون لأنها أصبحت أمرا واقعا ولا سبيل لمواجهته.
ولكن أعضاء مجلس الشعب رفضوا هذه الفكرة ورفضوا تقنينها عند مناقشة التقرير في المجلس وظل الوضع قائما علي ما هو عليه.
وقد قامت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى برئاسة د. أحمد رشاد موسى بإعداد تقرير أخر حول توزيعات الدخل والإنفاق للأسر المصرية نشرته مجلة الأهرام الاقتصادي عدد 22 أيلول (سبتمبر) 2003، كشف أن الإنفاق العائلي علي الدروس الخصوصية يقدر بنحو 15 مليار جنيه، وأن الدروس الخصوصية ساهمت في تخفيض معدل النمو المتوقع وانكماش الدخل المتاح للتصرف لدي المواطنين واضطرارهم إلي تخفيض الكميات المطلوبة من السلع والخدمات وهي عناصر ساهمت في تخفيض معدل النمو المتوقع خلال العام المالي 2002/2003 إلى 2.5 في المائة بالمقارنة بمعدل النمو الذي قدرته الخطة الخمسية الثانية بنحو 6.2 في المائة كمتوسط سنوي. إنفاق الأسر المصرية 127.3 مليار جنيه سنويا وبلغ إجمالي إنفاق الأسر المصرية وفق تقرير للجهاز المركزي للإحصاء 127.3 مليار جنيه سنويا، وفق أرقام عام 2003، ينفق المصريون منها 56.1 مليار جنيه على الطعام والشراب، و18.7 مليار على السكن، و12.8 مليارا على الملابس و7.2 مليارا على الانتقالات والاتصالات الهاتفية، و6 مليارات على التعليم و5.6 مليار على الرياضة والثقافة والترفيه، 5.3 مليار على الخدمات والرعاية الصحية و3.1 مليار جنيه على الأثاث والأدوات المنزلية وتستحوذ الدروس الخصوصية على 2.1 مليار جنيه من دخل الأسر المصرية، بيد أن توقعات باحثين تشير لارتفاع كبير في هذه النسبة.
وقد كشف البحث عن نتائج أخري خطيرة منتشرة في العالم الثالث منها الإنفاق علي أمور غير ضرورية، حيث تبين أن إنفاق المصريين على السجائر والتدخين يبلغ 4 مليارات جنيه سنويًا يضاف لها مبلغ 2.6 مليار جنيه يجري إنفاقها على المقاهي والفنادق خصوصا في ظل حالة البطالة العالية التي تدفع الشباب للجلوس علي المقاهي لتضييع الوقت.
أيضا كشف البحث عن وجود 4.3 ألف أسرة يقل دخلها عن 3 آلاف جنيه سنويا (250 جنية شهريا بما يعادل حوالي 60 دولار) كما تبين وجود 2 مليون و768 ألف أسرة يقل دخلها عن 6 آلف جنيه سنويا، وتبين وجود 6 ملايين و833 ألف أسرة يتراوح دخلها بين 6 آلاف جنيه و12 ألف جنيه سنويا، كما كشف البحث عن وجود 4 ملايين و95 ألف أسرة يزيد دخلها السنوي على 12 ألف جنيه سنويا. دروس أون لاين وقد دفع الإقبال الشديد من جانب الأسر علي الدروس الخصوصية لضمان تفوق أبنائهم، بعض المدرسين والشركات لطرح خدمة الدروس الخصوصية على شبكة الإنترنت عن طريق اتصالهم المباشر مع المدرسين، وتوفر بعض المواقع للطلبة المشتركين برنامجا خاصا مصمم لتلقي الدروس الخصوصية على الشبكة، حيث تتوافر بهذا البرنامج عدة عناصر أهمها إمكانية المحادثة الصوتية ما بين المعلم والتلميذ، بالإضافة إلى استخدام هذا البرنامج كلوحة يقوم المدرس بشرح المعلومات المختلفة عليها ليشاهدها التلميذ على جهازه الخاص مباشرة.
كما يقوم التلميذ أيضا بحل الأسئلة التي يطرحها عليه المدرس، والبرنامج مصمم بصورة تؤمن انسياب المعلومات بصورة سهلة وكأن المعلم والتلميذ يجلسان مع بعضهما البعض، ويستفيد من خدمات هذه المواقع الطلاب من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، كما يمكن للطالب المفاضلة بين عدة أساتذة يختارهم بنفسه، وأشهر هذه المواقع هو موقع "أستاذ أون لاين" الذي يوفر الدروس بثلاث لغات عربية وإنجليزية وفرنسية.
ويعادل حجم الإنفاق على التعليم الأساسي في مصر وفق ما أعلن وزير التعليم المصري الأسبق حسين كامل بهاء الدين 196 دولارا للطالب سنويا مقابل 3500 دولار في إسرائيل وما بين 4000 و5000 دولار في أوروبا و7000 في اليابان. محاكمة مدرسي الدروس الخصوصية وكانت محاولات الحكومة المصرية لمحاربة من أسمتهم "مافيا الدروس الخصوصية" قد وصلت حد محاكمة بعض المدرسين وغلق العديد من المراكز الخاصة للدروس ولكن دون جدوى، أشهرها حكم سابق للمحكمة التأديبية العليا بمجلس الدولة في آذار (مارس) 2004 بمجازاة 24 مدرساً، وخصم شهر من مرتب كل مدرس وتوجيه اللوم لمديرين بإدارة "أبو كبير" التعليمية بمحافظة الشرقية (شرق القاهرة) بعدما تبين قيامهم بمزاولة الدروس الخصوصية بالمخالفة لقرار وزير التربية والتعليم.
وقد أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن الدروس الخصوصية للطلاب مقابل أجر خارج المؤسسة التعليمية وبعيد عن إشراف الدولة أصبحت أخطر الظواهر علي المجتمع وتعوق خطط الدولة ومتطلبات المجتمع في التحديث والتطوير المستمر للتعليم، وأن الدروس الخصوصية تعمق معاناة الأسرة المصرية وتحملها أعباء إضافية لا طاقة لها بها في سبيل توفير فرص متكافئة لأبنائهم في التعليم للحصول علي أرفع الشهادات العلمية. سوق سوداء في التعليم وقد أعد المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية (شمال القاهرة) دراسة حول هذه الظاهرة أكد فيها أنه تم إغلاق 37 مركزا للدروس الخصوصية عام 2004، ولكن يجب أن تكون هناك وقفة مع هذه الظاهرة فلا يجب محاربتها بإغلاق هذه المراكز فقط بل يجب معرفة أسبابها والعمل علي القضاء عليها خاصة أن هذه الظاهرة بدأت من الكتاب الخارجي الذي يكلف الأسر المصرية أكثر من 1.5 مليار جنيه.
وقال إن الدروس الخصوصية تعد أهم المشكلات التي تواجه العملية التعليمية في مصر والتي يطلق عليها البعض التعليم في السوق الموازية أو "التعليم في السوق السوداء"، وقال في الدراسة التي أعدها عن هذه الظاهرة وطرحها للمناقشة في اجتماع مجلس المحافظين أن ظاهرة الدروس الخصوصية استشرت بين ملايين الطلاب من الروضة وحتى الجامعة.
وأوضح المستشار عدلي حسين أن هناك عوامل عديدة أدت إلي انتشار الدروس الخصوصية منها النظام التعليمي القائم علي أساس المفاضلة بالدرجات بين الطلاب ورغبة جماهير الشعب المطحون في وصول أبنائها إلي كليات القمة وضعف المستوي العلمي لمدرس المدرسة وانعدام دخل المدرس المادي القائم علي راتب لا يكفيه هو وأولاده وانتشار الغش في مراحل التعليم الأساسي، حيث أصبحت هناك عدة أنواع من الغش منها الغش الإجباري والغش الجغرافي والغش الطلابي والغش التطوعي والغش الوزاري والغش المأجور موضحا أن من بين العوامل عدم إظهار النتائج الحقيقية للمدارس، كما أن نظم الامتحانات الحالية تشجع علي اللجوء إلي الدروس الخصوصية كما أن كتاب الوزارة ساعد علي انتشار الكتب الخارجية.
وشدد في الدراسة علي أن الدروس الخصوصية لها أثار سلبية علي التلميذ والمدرس، كما أن لها أثرا سلبيا علي المجتمع والأسرة حيث تؤدي إلي استنزاف الموارد وعدم الاستقرار داخل الأسرة والمجتمع.