الدروز واللعب مع الأنظمة

مع بشائر النصر للشعب السوري على طاغيته، بدأت السويداء وشهبا وصلخد (ذات الاغلبية الدرزية) وباقي مناطق جبل العرب بالتحرك متعجلة للحاق بركب الثورة التي بقيت (الطائفة الدرزية) على مسافة متغيرة منها حسب ميزان القوى على الساحة السورية. وهنا لا بد ان نعطي الامور لونها الطائفي لفهم تذبذب التحرك الشعبي الذي تم تبريره حديثا منهم بان الطائفة فهمت ان تخويف النظام السوري للأقليات كان لا اساس له وعلى ذلك بدأت هذه الطائفة بالتحرك مع باقي الشعب السوري في هذه الثورة.

لا يستطيع احد وصف الطائفة الدرزية بالعدائية أو بالإرهاب او الطائفية فهي طائفة متوافقة ومتساهلة مع باقي الطوائف بشكل عام وليس لها ايدولوجية مضادة او نافية او ناسفة لأي ايدولوجية. ولا يوجد بأدبيات هذه الطائفة ما يشير الى استهداف اية طوائف، ولكن يوجد هناك في مواقف الطائفة السياسية والوطنية اينما حلت ما يثير التساؤلات والاستغراب مما يدفعنا للبحث في المسوغات المختلفة التي غلفت التاريخ القريب لهذه الطائفة الكريمة.

لقد ظلت العقيدة الدرزية مقفلة التفاصيل على خارج شيوخ العقل في هذه الطائفة التي توزعت في بلاد الشام على اربع دول عربية (سوريا وفلسطين ولبنان والأردن)، حيث حافظت هذه الطائفة على اسرارها وتفاصيل عقيدتها منذ نشأتها ايام الحاكم الفاطمي الحاكم بأمر الله واتخذت من مناطق الجبال في بلاد الشام نقاط تمركز وتمترس اجتماعي لهم واتخذوا خطوات لحماية العقيدة الدرزية (الموحدة) وذلك عبر وسيلتين اولهما سرية العقيدة حتى على ابنائها دون سن الاربعين وتحت شروط معينة والثانية عدم فتح الباب لاعتناق هذه العقيدة لاي من الطوائف الاخرى.

فهي عقيدة مغلقة لا ترغب بإضافة أي "مؤمنين" جدد وتبتعد عن الجدال العقائدي والبحث اللاهوتي خارج حلقات شيوخ عقلها (أئمة الطائفة الدرزية) وتقوم ادبياتها على تواصل الرسالة بشخوصها تسلسليا لغاية اليوم عبر تناسخ ارواح الانبياء فهم (الدروز او الموحدون) بمعتقداتهم المركزية، حيث يؤمن افراد هذه الطائفة بان الديانات السماوية متسلسلة عبر نبي واحد مرت روحه على انبياء الله المرسلين بأشكالهم وأسماؤهم المختلفة وما زالت تمارس التناسخ بعد موت الرسل كشخوص. بما يعني ان الديانة الدرزية شاملة لكل الديانات السماوية وما زالت روح الرسول الأول تتناسخ ليومنا هذا. ولذلك تم تسميتها داخليا بالموحدين.

لن نخوض هنا في التفاصيل العقائدية لهذه الطائفة من باب المناوشة ومحاولة استفزازها، بل تم شرح الوصف العام لهذه الطائفة ومبررات تمترسهم على مر السنين مع القادة الجغرافيين للمناطق المأهولة بهم لفهم الالية العقلية ومحركات المنطق الحاكم لهم.

فهم بالتالي يجدون انفسهم حالة متطورة من اليهودية ثم المسيحية ثم الاسلام حيث كان الاسلام اخر الديانات السماوية التي افترقوا عنها في عام 423 هجري "لتتطور" رسالتهم حسب ادبياتهم في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي (الرسول الجديد لديهم بعد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام).

تلك المقدمة تساعدنا في فهم التناقضات التي تمت قراءتها في مواقف تجمعات الدروز في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن على مر التاريخ المعاصر مثلا. ففي فلسطين تطوع معظم الدروز من ابناء المناطق الشمالية في فلسطين والجولان المحتلين في صفوف الجيش الصهيوني وكانوا اشد عداء وقساوة احيانا من باقي افراد القوات الصهيونية على ابناء الشعب الفلسطيني.

وفي لبنان رغم وجود مواقف وطنية للطائفة الدرزية من خلال القائد كمال جنبلاط الذي اغتاله النظام السوري، فقد تمترس الدروز دوما مع الكفة الراجحة في منطقته تقلب الحزب الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط بين المعسكرين (8 و14 اذار) مع تقلب الكفة لصالح ايهما.

وفي سوريا لا بد ان نذكر النضال المميز للدروز بقيادة سلطان الاطرش ضد الاستعمار الفرنسي لنيل الاستقلال واختيارهم الصف الوطني المنتصر حتما. ثم ليصار الى توجيه الطاقة الكاملة لهذه الطائفة لصالح انظمة الحكم المتواترة على سوريا بما فيها عهد حكم حزب البعث العمل مع النظام السوري بكل تفاصيله القذرة حتى بداية ثورة الشعب السوري. حينها بدأ شيوخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء وجرمانا وباقي القرى في جبل العرب بالعمل على الرقابة اللصيقة للمجريات على الساحة السورية واتخاذ الخطوات الوقائية لتأمين سلاسة لانتقال الولاء من عهد الاسد لعهد الثورة مع مسك العصا من النصف دوما.

قد نجد في مبدأ صراع البقاء والحفاظ على الذات ودوام "قدسية" العقيدة الدرزية اسبابا قد تدفع هذه الطائفة بالانتقال التدريجي والسلس بين المعسكرات وفي المقابل نجد ان هذه الطائفة مرحب بها دوما في كل المعسكرات رغم برغماتيتها غير المبررة احيانا.

جرير خلف