الدروز نبراس العروبة فلا تُحرجوهم ولا تُخرجوهم

سكان جرمانا الواقعة في ريف دمشق من الدروز الذين أعلن قادتهم ومشايخهم الحياد في الصراع بين السنة والعلويين رغم إغراءات نظام بشار الأسد لزجهم في الصراع، وهم محاربون أشداء قادوا ثورة سوريا الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان الأطرش ضد المحتل الفرنسي.

الدروز عروبيون مخلصون منهم شبلي العيسمي الذي اختطفه النظام السوري ربيع عام 2011 بعد اندلاع الثورة السورية حين كان ابن الثامنة والثمانين في زيارة عائلية لابنته بجبل لبنان على خلفية علاقته السابقة بالبعث العراقي.

الذي لا أفهمه لماذا يهدد بعض المسلحين جرمانا وينذرونهم بمغادرة المدينة خلال 24 ساعة؟ كما حدث بكل أسف بداية الشهر الماضي هل هؤلاء مجانين؟ هل يريدون تقديم الدروز الذين هم أشرس المحاربين في سوريا على طبق من ذهب إلى التحالف الصفوي.

الناس على الحياد ومن المفروض احترام موقفهم وعدم إخراجهم بإحراجهم.

الدروز لا يحبون الفرس بطبيعتهم ورغم محاولات النظام العلوي في سوريا استمالتهم بكل الوسائل إلا أنهم ظلوا على مسافة ثابتة من هذا النظام إلى درجة أنه اضطر إلى تسريح ضباطهم الكبار من الجيش السوري لعدم ثقته بهم. والدروز لا ينامون على ضيم.

أصر حزب الله على تحرير الأسير الدرزي اللبناني سمير القنطار في صفقة تبادل الأسرى عام 2008 مع إسرائيل مقابل رفات الجنديين الإسرائيليين ليكتسب بذلك دعاية إعلامية تغطي جريمته بحق لبنان عام 2006. وقد أرسل الإرهابي حسن نصرالله الدرزي سمير القنطار عدة مرات إلى مشايخ الدروز في الجبل لغرض السماح لمقاتلي حزب الله التمركز في السويداء لكن شيوخ الدروز رفضوا ذلك الطلب بحزم وقوة.

هذا الرفض المشرف يذكرنا برفض سلطان باشا الأطرش عرض الفرنسيين الإستقلال بالجبل وتشكيل دولة مستقلة يكون هو زعيما لها مقابل وقف الثورة وبقي مصرا على الوحدة العربية السورية.

يكفي أن نعلم بأن شهداء الثورة السورية ضد الإحتلال الفرنسي في حلب وإدلب 315 وفي دمشق والغوطتين 731 بينما جبل الدروز وحده 2046 شهيدا وطنيا. وفي عام 1948 دعا سلطان الأطرش إلى إرسال قوة إلى فلسطين استشهد منها قرب نابلس 80 درزيا حتى دشن الرئيس الراحل ياسر عرفات نصبا تذكاريا في مدينة رام الله تحية ووفاء إلى شهداء الحامية الدرزية.

كان يمكن أن يكون شهداء الدروز أكبر من هذا الرقم بكثير خصوصا حين حاصر الإنگليز والفرنسيون قوات الأطرش في الأزرق جنوب الأردن حيث تم قطع الماء عنهم غير أن القائد سلطان الأطرش رفض التسليم وطلب الإذن من الملك عبدالعزيز بن سعود اللجوء إلى وادي السرحان في الجوف بالسعودية فسمح له الملك بذلك.

إلى صحيفة ألمانية قال سلطان الأطرش "لا يوجد على هذه الأرض حجر إلا وقلبته حوافر خيلنا، ولا توجد حفنة تراب لم ترو بدمائنا". وفي كتاب صدر لمايكل بروفنس سنة 2005 بعنوان "الثورة السورية الكبرى وصعود القومية العربية" يثبت فيه أن استقلال جبل حوران السياسي وتحالفه مع طبقة جديدة من التجار في حي الميدان بدمشق شكل بذرة لكيان غامض اسمه الوطنية السورية، وهذا يفسر فيما بعد وحتى بعد القضاء على ثورة 1925 - التي غنت لها فيروز بصوت عال - ظهور جيل جديد من الشباب البعثي والقومي من أبناء تجار الحبوب في حيّ الميدان أمثال ميشيل عفلق وصلاح البيطار وقد تبعهما أبناء الدروز أمثال منصور سلطان الأطرش وشبلي العيسمي. هذا قبل أن يقفز العلويون على القومية العربية بمؤامرة أجنبية ويتم اغتيال البيطار سنة 1980 والحكم بالإعدام على عفلق.

عندما رأى مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا الأتراك يتنكرون للخلافة الإسلامية دعا إلى تجديد الخلافة الإسلامية في مصر وأسس حركة إرهابية لهذا الغرض، بينما معاصره المجاهد والمفكر الدرزي شكيب أرسلان رأى بعمق ثقافته ومعرفته باللغات والتاريخ أن الطريق الجديدة هي السعي إلى تأسيس جامعة عربية وتوحيد كلمة العرب. وقد قال الملك فيصل الأول للدرزي الغيور شكيب أرسلان "أشهد أنك أول عربي تكلم معي عن الوحدة العربية". وفي عام 1946 حين أزفت لحظة الوفاة في لبنان كانت آخر كلمة نطق بها شكيب أرسلان "أوصيكم بفلسطين."

في كتابه الشهير "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم" الذي كتبه شكيب أرسلان في ثلاثة أيام جوابا على سؤال تقدم به أحد مشايخ الهند إلى محمد رشيد رضا يقول فيه أرسلان "أضاع الإسلام جامد وحاقد" وها نحن نرى الإسلام السياسي والإرهاب السني يمثل "العقل الجامد" بينما نرى المشروع الإيراني الصفوي يمثل بلا شك "العقل الحاقد" وكلاهما وباء على الأمة والعرب والحضارة.

ربما نحن نعيش العصر الذي استشرفه شكيب أرسلان بعاطفته العربية وقلبه السليم فهو أول من تنبأ بتقسيم الأمة العربية بيد الإستعمار، وهو أول مَن حذر من الفتن الداخلية وخطرها، حتى أنه يقول في صفحة 64 من كتابه عن تأخر المسلمين "ولله در الملك ابن سعود حيث يقول 'ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين. ما أخشى من الأجانب كما أخشى من المسلمين'. هو كلام أصاب كبد الحقيقة."

الدروز أبناء جبل حوران وبنو معروف العرب الأبطال قادة الثورة السورية الكبرى وحلفاء العروبة لا يستحقون منا إلا كل احترام ومحبة. وإذا اختاروا الحياد في هذه الثورة السورية العظيمة على الطغيان الصفوي فذلك يرجع إلى أن الثورة دخل فيها التطرف الديني من جميع الأطراف والدروز وقفوا مع الثورة في بدايتها حين انطلقت سلمية وحين اشتعلت بأبطال درعا.

الدروز اليوم على الحياد فلا تحرجوهم ولا تُخرجوهم وإنهم أشد أعداء الشعوبية والصفويين في التاريخ الحديث بل هم نبراس العروبة والفكر القومي.