الدراما السورية: الاقتراب من الناس يحقق الانتشار

الإنسان والحياة بعيدا عن التوثيق

دمشق - يكاد يكون المسلسل الاجتماعي في الدراما السورية هو النموذج الوحيد الذي يحقق استمرارية في الجودة وثباتا في الكم والنوع فلا يمر عام إلا ونرى فيه عشرات الأعمال الاجتماعية التي لابد أن يتميز منها عدد من الأعمال ويتكرر عرضها على الفضائيات وتنال الجوائز في مختلف المهرجانات مقابل الأعمال التاريخية أو الكوميدية أو البيئة أو الفانتازيا التي تتباين في إنجازها بين عام وآخر ويحسب هذا المنجز للعمل الاجتماعي منذ مطلع الألفين وحتى أيامنا هذه.

والعمل الاجتماعي الدرامي هو العمل الأقرب إلى قلب الجمهور وحتى إلى قلوب القائمين عليه لأنه التجسيد الأهم لحقيقة الواقع والانعكاس الأكثر وضوحاً للحياة العامة كونه يقدم لنا الأسرة والشارع والعمل والمدرسة والجامعة وفق معايشتنا لهذه المؤسسات وهو الأكثر مساساً بتفاصيل عيشنا سواء المفرحة منها أو المحزنة.

ويرتبط اسم الكثير من المخرجين بالعمل الاجتماعي حتى أن أغلبهم عندما يتجه في موسم ما لتقديم عمل تاريخي أو بيئي لابد أنه سيقدم في العام نفسه عملاً اجتماعياً مرافقاً أو سيكون مشروعه القادم اجتماعياً وهذا ما شاهدناه عند الكثيرين.

وربما كان نجوم الدراما السورية هم نجوم دراما اجتماعية في المقام الأول حتى أن صورهم ترتسم في أذهان الجمهور من خلال شخصيات اجتماعية قاموا بأدائها في المسلسلات، فما إن نذكر تيم حسن حتى نتذكر عبود في مسلسل "الانتظار" وما إن نذكر باسل الخياط حتى تراودنا شخصية عمر في "أحلام كبيرة" وجمال سليمان بشخصية مطر في "ذكريات الزمن القادم" وسلافة معمار بدور بثينة في "زمن العار" وغيرهم.

وفي هذا العام تتكاثر الأعمال الاجتماعية وتقترب من الواقع أكثر فأكثر وتأخذ زوايا وتفاصيل أكثر دقة في حياة الإنسان السوري لنرى قصص العشق الفريدة في مسلسل "الغفران" وازدحام العلاقات الطبقية في "السراب" والفساد الجامعي والأسري في "سوق الورق" ونماذج النساء الشرقيات في "جلسات نسائية" وصخب الحياة والخطأ والجريمة في "ولادة من الخاصرة" وازدحام العلاقات وتشابكات المجتمع في "العشق الحرام" وغيرها من الأعمال التي تزداد اقتراباً من مجتمعنا وشخصياتنا عاما بعد عام.

ويقول المخرج المثنى صبح إن الأعمال الاجتماعية باتت تتخصص ضمن المجتمع أكثر فأكثر فعمله "جلسات نسائية" من حيث صيغته وفكرته لا يحمل أحداثاً كبيرة وإنما يقدم مجموعة من الأزمات الإنسانية التي يمكن لأي شخص في المجتمع ان يعيشها وهي العلاقة ما بين الرجل والمرأة وإشكالياتها.

ورأى صبح أن محبة الجمهور للعمل الاجتماعي تكون وفق قدرة هذا العمل على الاقتراب من حياة الناس والتشابه معهم وإيصال الأفكار لهم بطريقة شفافة وإنسانية ومن هنا نبع حب الجمهور لمسلسل جلسات نسائية.

وقال صبح إنه يحاول من خلال أعماله الاجتماعية إخراج الجمال الموجود داخل سورية لذلك فهو يسعى إلى تصوير الشوارع والبيوت في المسلسل كما يحب أن يراها ليعكس مضموناً عالي المستوى.

وأشار صبح إلى جانب الصورة كجزء أساسي من العمل الاجتماعي فالاكسسوار والديكور والصورة هي أمور هامة جدا في العمل الفني بشكل عام وتعطي مصداقية للموضوع المطروح.

ورأى الفنان دريد لحام أن الأعمال الدرامية السورية بمختلف أنواعها هي خدمة لهذا الفن وتطوره وهي أعمال تحمل هوية سورية وبالتالي تنتمي بموضوعاتها وتفاصيلها إلى بلدنا.

واعتبر لحام أن الدراما السورية تخوض بموضوعات حساسة جداً كان الاقتراب منها سابقاً نوعاً من خط أحمر سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك وهذا بالتأكيد انتصار للدراما كفن قادر على تجسيد الواقع وتقديم الحياة.

ويرى الفنان فادي صبيح أن العمل الاجتماعي السوري يحاول دائماً تسليط الضوء على مشكلات المواطن من مشاكل الشباب إلى أزمة السكن إلى الطبقية والتفاوت الاجتماعي وسواها من القضايا.

وأشار صبيح إلى أن هذه الأعمال تحمل رسائل للمسؤولين او للمجتمع بشكل عام وخاصة أن سقف الرقابة ارتفع منذ عدة سنوات وربما حقق ارتفاعا كبيرا هذا العام وبالتالي بات من الممكن اختراق الكثير من التابوهات.

وقارن صبيح بين العمل الكوميدي والاجتماعي من خلال تناول القضية الاجتماعية حيث رأى أن الكوميدية تقوم بطرح الفكرة مهما كانت قاسية بطريقة خفيفة ظل أو مقربة للقلب أما المسلسل الاجتماعي فهو أقسى وأكثر مباشرة ويؤدي وظيفته بشكل مباشر.

بينما رأى المخرج مروان بركات أن الأعمال الاجتماعية يجب ألا تقع في مطب التكرار والملل بل يجب الذهاب نحو القصص الحياتية والابتعاد عن القصص غير الموجودة إلا نادراً.

وأشار مخرج مسلسل "السراب" إلى أن الأساس في المسلسل الاجتماعي هو الكاتب ومقدرة تجسيده للحقيقة الاجتماعية في العمل فمهما بلغت إمكانيات المخرج لن يستطيع التغيير في مضمون العمل على اعتبار أن الفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه العمل.

ورأت الكاتبة آراء الجرماني مؤلفة مسلسل "سوق الورق" الذي أثار جدلاً بمضمونه إلى أنه من واجب الدراما أن تضع يدها على مواضع الخلل وتسهم في معالجتها قدر المستطاع لكي تكون هذه المعالجة وليدة أفكارنا ومشاريعنا نحن دون الحاجة إلى الآخرين وهي مهمة كل مواطن وليس فقط القائمين على الأعمال الفنية الناقدة.

من جانبه بين المخرج تامر إسحق أن الميزة الأساسية للدراما السورية هي اقترابها من المجتمع ودرجة التشابه بينها وبين الشارع بمكوناته الاجتماعية وتشابه منطقها مع منطق الحياة العامة وهو ما خلق لهذا النوع الدرامي جماهيرية كبيرة وإقبالاً من قبل المشاهد المحلي والعربي.

ورأى مخرج "العشق الحرام" أن تجاوز الدراما الاجتماعية للحدود الرقابية أسهم في تطور نوعية ومضامين هذه الأعمال خاصة في العام الماضي والحالي فصار من العادي طرح موضوعات حساسة على الصعيد الديني والسياسي والاجتماعي.

ولفت إسحق إلى أن هناك خطوطا حمراء يجب التوقف عندها وهي تتبع لعرض الأعمال خلال شهر رمضان المبارك وطبيعة المتابعة الأسرية للعمل التي تضم كافة الأعمار وجماهيرية العمل السوري في عدة مجتمعات وبالتالي لابد من وجود بعض التفاصيل التي يتم الحذر عند الخوض فيها وتناولها بدرجة من الوعي والمعرفة.

وقال إسحق "إن الدراما بشكل عام تجسد وتقدم مشكلات اجتماعية بعيدة عن الطابع الخبري أو التوثيقي ولكنها قريبة من الواقع بمعنى أن صيغة الحكاية تقدم الإنسان والحياة ولكن دون الخوض في مسألة التوثيق تاركة للمشاهد حق وضع الحلول فهي تعرض الحكاية ولكنها غير مطالبة بالحل".

ومن "العشق الحرام" "والسراب" و"الغفران" و"تعب المشوار" و"ولادة من الخاصرة" و"سوق الورق" و"جلسات نسائية" تنبئ الدراما السورية بانطلاقات جديدة نحو الغوص في المجتمع واكتشاف القصص وتسليط الضوء على مسيرة حياة المواطن السوري التي تبدأ من الأسرة ولا تنتهي في الشارع.(سانا)