الخيول التونسية: تراث عربي في ثوب حديث

تونس
رغم ايقاع الحياة الحديث، هناك مجال للعودة للقديم

تهتم العديد من العائلات التونسية بتربية الخيول، وتعرف عدّة مناطق بالبلاد التونسية بشغفها الكبير بالجواد الأصيل.
وقد اشتهرت جهة المكناسي (340 كلم جنوب العاصمة) بالمهرجان السنوي للجواد العربي الأصيل, واشتهرت منطقة سيدي ثابت (ضواحي العاصمة تونس) باحتضانها للسوق العالمية لبيع الخيول الأصيلة بالمزاد العلني, كما تشتهر أيضا ضاحية قصر السعيد (قرب العاصمة) المسابقات الدورية في سباق الخيل والتي توزع فيها جوائز عالمية هامة.
ولمربي الخيول والمهتمين بها ولع كبير وعشق أكبر يبلغ أحيانا درجة خيالية, فهي هوايتهم, التي تأخذ كل وقتهم, وهي مصدر ربحهم المادي في أغلب الأحيان. فعندما تأخذك الصدفة لمجالسة جمع من أصحاب هذه الهواية, يبهرونك بدقة معلوماتهم, وبإلمامهم الكبير بكل التفاصيل والمعلومات عن الخيول في المنطقة العربية وفي العالم أيضا.
ورغم أن الاهتمام بالخيول تقلص في وقت من الأوقات بسبب طغيان نمط الحياة الحديثة إلا أن ما تشهده البلاد من حركة, شملت المهرجانات والسباقات وحركة البيع والشراء, يدل على عودة فئة كبيرة من التونسيين للاهتمام بهذا الجزء المهم من تاريخ البلاد وحاضرها على السواء.
ويقول السيد الفارسي وهو مربي خيول, يبلغ من العمر 58 عاما, حول تزايد الولع بالجواد العربي الأصيل لدى التونسيين "هناك عشق متزايد للخيول, بمختلف أنواعها في تونس, فبالإضافة إلى أنها أداة العمل والنقل لأغلب الفلاحين في الأرياف الممتدة على كامل البلاد, فقد أصبحت الرياضة المفضلة للكثيرين, الذين ملّوا رتابة الحياة المعاصرة وضجيجها, فاختاروا المناطق الخضراء وركوب الخيل زد على ذلك أنها تمثل أهمية ثقافية كبيرة في حضارتنا لا يمكن أن تنمحي فهي جزء من التراث العربي الإسلامي" حسب قوله.
وفي السوق العالمية لبيع الخيول الأصيلة بسيدي ثابت الذي نظمته المؤسسة الوطنية لتحسين وتجويد الخيول تجمّع عدد غفير من التونسيين والسياح, وعدد كبير من المربين, الذين تقاسموا أدوار الباعة والمشترين.
هرج كبير وصياح وأسعار وتنافس من أجل الفوز بأحسن الأسماء (أسماء الخيول طبعا). وفي فضاء فسيح مغطى بالعشب الاصطناعي, لا ترى إلا الخيول المعروضة عربية الأصل, وإنجليزية, ومن بلاد شتى, وترى الوفود الأوروبية المتعددة, وتسمع لغات شتى, وبكثافة غير معهودة, وكأن دول الأرض ألقت هنا بممثلين عنها.
وفي المهرجان أربعة أطراف أساسية, هي المربي, وهو الطرف الأهم, لأنه المنتج والبائع, وهو المتحكم في الجودة والأسعار. وهناك "الدلاّل", وهو الوسيط في عملية البيع, وهناك المشترون, بالإضافة إلى عدد كبير من هواة الفرجة, الذين يجهلون كثيرا سرّ هذا التنافس المحموم بين الزائرين.
أما الأسعار فهي مختلفة ومتفاوتة. ومن لا يدرك خفايا الخيول, وميزات بعضها عن بعض, لا يقدر على فهم هذا التفاوت الكبير في الأسعار. فالجواد "باسودابل" لم يتجاوز ثمنه 500 دينار (الدولار يساوي 1.4 دينار تونسي), فيما وصل سعر المهرة "مغامرات" إلى أكثر من 8 ملايين دينار والمهرة "مناسبات" إلى تسعة ملايين. أما المهرة "مرايا" فقد حطمت الرقم القياسي لتبلغ 13 مليون دينار.
ويستطيع المتفرج أن يعرف الجواد العربي من خلال الأسماء، فهي ذات تسمية, تحيل على التاريخ العربي, رغم غرابتها المضحكة أحيانا، فتجد الجواد "مجاهد", أو المهرة "مزدلفة", والجواد "مألوف", كما تجد الأسماء الطريفة والمضحكة كالجواد "مستشار", والجواد "مسرار" أو "مزيان", والمهرة "مزيانة", والمهرة "ما أحلاها", والمهرة "مولاتي".
ويقول السيد الفارسي, الملقب بملك الخيول, متحدثا عن الفروق بين الخيول, وبين أسعارها المتفاوتة "الفرق لا يتعلق بالجنس, أو اللون, بل هناك مقاييس أخرى تتعلق أساسا بأناقة الجواد وجماله وحجمه وسلالته ومدى نقاوته, بالإضافة إلى حسبه ونسبه, ولذلك تجد الأسعار مختلفة تماما, وتبلغ أحيانا أرقاما خيالية".
وما لا يعلمه الكثير من الناس, أن لكل جواد أو مهرة, بطاقة هوية كاملة, تتضمن اسمه, وتاريخ ولادته ومكانها, وأسماء والديه, أمه وأبيه, وجدوده الأربعة, وجدود والديه أيضا. وقد يبدو الأمر غريبا, ولكن مربي الخيول يؤكدون أن الحفاظ على السلالة هو أهم مقياس يستعمل الآن في السوق العالمية, ولذلك تسمع كثيرا أن هذا الجواد ابن الحصان "عكري", وهذا الجواد حفيد الجواد "ديناميت", وهذا الجواد ابن الفرس "مهراجا", وهذه المهرة بنت الحصان "سور".
ويستمتع الناس كثيرا بهذه المناظر التي تعيدك إلى الطبيعة, ولا تتكرر كثيرا في عالم طغت عليه السيارات, والطائرات, والأقمار الصناعية, وضجيج المعامل, لذلك تتسابق العائلات هنا لأخذ الصور التذكارية إلى جانب هذا الجواد أو ذاك ويحرصون على تدوين اسمه, واسم مالكه, كما يحرص الصغار على الفوز بلحظات فوق ظهر هذا الجواد أو هذه المهرة.
وليس بعيدا عن سيدي ثابت, وفي نفس الفترة الزمنية تقريبا, عاشت منطقة "قصر السعيد" على وقع سباقات الجائزة الكبرى للخيول العربية, حيث تحول ميدان السباق القريب من معهد الرياضة الوطني, إلى لوحة عربية فريدة, تذكرك بالحروب القديمة, وبالغزوات في الحضارة العربية, وسط صياح المشجعين من عدّة بلدان عربية. وقد فاز بالجائزة الأولى في هذا السباق الجواد العربي "لثلاث", متبوعا بالجواد "لطفي", ثم المهرة "لملومة".
وفي حين لم تنته بعد مهرجانات الخيول, وهذه اللوحات العربية النادرة, بدأ الاستعداد من الآن لمهرجان المكناسي للجواد العربي الأصيل, بالجنوب التونسي, حيث ستعيش المدينة لوحاتها الراقصة على وقع المزامير الشعبية ودق الطبول, ورقصات الخيول المبهرة, وهو المهرجان الذي تؤمه العديد من الوفود, بغية الترفيه والتسلية, وربما لاقتناء جواد عربي أصيل, ربما يكون الطريق إلى المجد والثروة.(قدس برس)