الخيار الإستراتيجي: العلمانية أم الإسلام؟

بقلم: زياد العيساوي
هل هو خيار حقا؟

عزيزي القارئ، إذا أبقيت عنوان مقالي هذا، على الصورة الموضح بها هكذا، فكأنني بك، ستقف لبعض الوقت متسمراً أمام بابين موصدين في وجهك، مكتوبُ ُ على مصراعيهما كلمتين، والكلمتان في هذا السياق، تعنيان تيارين سياسيين مستقلين عن بعضهما البعض، ولكُلِّ تيارٍ منهما، فرقةٌ تُنادي به، فلا تعرف إلى أيهما تلج، ولكي يتسنى لك ذلك، فهذا يقتضي منك أنْ تطرقهما أولاً، حتى تتبيّن حقيقة كُلٍّ منهما، وإلامَ سيؤديان بك بعدئذٍ، فإذا ما تفرست في العنوان من جديد ملياً، ستلفي ذاتك مبهوتاً إزاء خيارين ˝إستراتيجيين˝ صارا قائمين لدى النُّخب العربية السياسية، ومنذ أمدٍ بعيدٍ، لأجلِ اللحاق بركبِ الحضارةِ والتقدُّمِ، وبُعيد قيام حركات التحرُّر المُطالِبة بالاستقلال، التي شهدتها المنطقة العربية في القرن العشرين، بعد أنْ رزحت لعقود طوال تحت وطأة ونير المستعمرين ؛ ففي سياقِ العنوانِ، سترى حرف العطف ˝أم˝ يتوسط الكلمتين المؤلفتين له، وهو ها هنا، لا يُفيد الاختيار المُجرَّد وكفى، لكأنَّ هاتين الكلمتين سيَّان، وليس محض مُفاضلةٍ بينهما، إنما عليك أنْ تعي جيداً، أنَّ اختيار إحداهما من قِبلك، سيكون على حساب الأُخرى، بل أنه سيلغيها تماماً، فليس ثمة سبيل للمزاوجة ولا المواءمة بينهما البتَّة، لذا فإنَّ الواجبَ يُحتّم عليّ، أنْ أُبسِطَ لك الأمرَ، ما أمكنني ذلك، كي تُقدِمَ على عمليةِ الاختيارِ، وأنت على قناعةٍ ودرايةٍ تامتين، وهذا ما سوف تتناوله أُسطري اللاحقة، بشأنِ هذه المهمة.
أنْ يُفصلَ بين الدينِ والدولةِ، فهذا أمرُ ُ يُسمى في العُرف السياسي الحديث بــ ˝العلمانية˝ وفي هذا المفهوم الرائج نظرُ ُ، لكون العلمانية كلفظةٍ مُتداوَلةٍ ورائجةٍ، آتيةً ومُشتَقةً من الجذرِ ˝علم˝ ومصدره ˝العلم˝ وكما تعلم من دونِ مراءٍ، بأنه إذا ما طُلِب إليك، أنْ تختارَ بين أمرين، فهذا يعني في الغالبِ الأعمِ، أنهما يأتيان على النقيضِ من بعضِهما بعضاً، كأنك مُخيّرُُُ في اختيارك بين لونين متعاكسين، مثل الأبيض الناصع والأسود الغربيب (شديد السَّواد) فهذا ما عِهدناه في لُغةِ الألوان والأطياف، أما فيما يتصلُ بالأطياف السياسية، وخصوصاً فيما يتعلق بهذين الطيفين السياسيين، اللذين يدور حولهما نقاشنا ˝العلمانية والإسلام˝ فإنَّ الأمرَ سيكون بالمثلِ، ذلك أنَّ المعطوف في نصِّ العنوان، هو ˝العلمانية˝ التي تُمثلُ الدعوة إلى العلم والأخذ به، بحسب ما توصلنا إليه واتضح لنا من اشتقاقها اللغوي، وهذا سيفضي بنا، إلى أنَّ المعطوف عليه ˝الإسلام˝ سيمثل في المقابل، النقيض لها من حيث المعنى، وهوَّ ˝الجهل˝ انطلاقاَ من مبدأ التعاكس والتَّضاد، وكما أُتفِق قبلاً، وفي هذا الصدد نظرُ ُ ثانٍ، لأنَّ الجَّهلَ في حقيقته، هو الجهل بالأمور.
بهذا التحليل والاستدعاء، الذين أراهما منطقيين حتى الآن، ولا جدال حولهما، نكون قد أسّسنا لقاعدةٍ صلبةٍ، نرتكزُ عليها، للخوض في هذا الغمار، مُحددين المحاور التي سوف سيتركز ويدور حولها النقاش، وهي كما تلي:

1- منشأ العلمانية

في العصور الوسطى، كان للكنيسة التي مثّلت أعلى هيأة دينية في أوربا، دورُ ُ كبيرُ ُ في المفاصل المُهِمة للدولة، فقد كانت تتدخل في شؤون المجتمع، حتى أنها مارست أعتى ˝الدكتاتوريات˝ لدرجة أنها كانت هي من تنتخب وتنصب الحُكّام، من دونِ الرجوع إلى الشعوب، وامتد نفوذها فيما بعد، وفضلاً عمَّا ذُكر، إلى مُباركة الحروب التي خيضت ضد شعوب العالم، واختلقت الذرائع والحُجج الواهية، التي ما أنزل الله بها من سُلطانٍ، في سبيل مسعاها هذا، وباسم الصليب والدفاع عن المقدسات في المشرق العربي ومغربه، أطلقت العنان لجيوشها الجرارة في حملات صليبية مُتعاقِبة على المنطقة لمصلحة رجالاتها ؛ وبعد أنْ حدثت الثورات الشعبية على من كانوا يحكمون باسم الرب من أباطرة وملوك، ظهر فريق ممن عانوا من ويلات وتسلط الكنيسة على مقدراتهم، ينادي بضرورة فصل الدين عن الدولة، ولما كانت الكنيسة، وكما أسلفنا الذكر، تُمثِّلّ أعلى سلطة سياسية ودينية هناك، نادى هذا الفريق بذلك، كي يُحجِّمَ ويُقلِّصَ من دورها ونفوذها، اللذين كانا دوماَ، يُصبان في غير صالح الشعوب، إذ أنها أقحمت وزجَّت بالناس في مُشكلاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ لا حصر لها، نتيجة دفع المواطن الكادح الضرائب اللازمة لتغذية ودعم تلكم الحملات، التي أخذ نطاقها يتسع يوماً بعد يوم، ما أنهك الناس وجعلهم يثورون على هذه السلطة الدينية، التي جرَّت عليهم الدمار على الأصعدة الحياتية كافة، جراء نزوات الطُّغمة الحاكمة.
لهذا ظنّ بعضُ ُ من ساسة العرب، بأنَّ ما جعل أوربا بتنوع أعراق شعوبها وإثنياتها، تتقدم في العصر الحديث على سائر شعوب العالم، كان عائداً إلى انتهاجها العلمانية، التي حدثت فيها، ولتحرُّرِها من هيمنة الكنيسة القائمة أنذاك، فأراد هذا البعض أنْ يجلبَ لنا هذا الفكر، استيراداً، ومن دون دفع أيةِ تعريفةٍ جمركيةٍ، حينما أراد نقله إلينا على علاته، ذلك أنه لم يأتِ عن دراسة مستفيضة لخصوصية المنطقة العربية ولطبيعة المجتمع العربي المسلم، من قِبله، فقد اعتقد بمحاكاته للغرب، ومساواته بين الدين الإسلامي، وما كانت تمارسه الكنيسة هناك، بأنَّ الإسلام عاملُ ُ سلبيّ لا إيجابيّ، ويقف عائقاً في طريق مسيرة التطور، ولكن متى كان الإسلام حائلاً دون التطور والرُّقي بمستوى المسلمين؟ سنرجئ الإجابة عن هذا السؤال في المحور القادم.

2- الإسلام والعلم

لما فتح الرسول الأعظم، عليه أشرفُ صلاةٍ وأزكى تسليمٍ، مدينةَ مكة المكرمة ودخل إلى الكعبة المشرفة كان يُردِّد وهوَّ يُحطِم الأوثان، ويدكُّ الأصنام دكّاً، قائلاً: "وقُل جاء الحقّ وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقاً" سورة الإسراء –الآية 80. فالإسلامُ كان وما يزال في واقعِ الأمرِ، ثورةً على الباطلِ، الذي هو من الجاهليةِ الأولى، وفي قولِه صلى الله عليه وسلم: "جاء الحق" ظهورُ الحقيقةِ، والحقيقةُ بمعناها الأشمل، تعني المعرفةَ، والأخيرةُ آتيةٌ من العلمِ، الذي يُجافي الجهل، كما أنَّ في النصِّ القرآني الكريم عديد الآيات البينات، التي تحثُّ المسلمين على الأخذ بأسباب العلم، لما له من شأنٍ عظيمٍ في الحياة الدنيا، فتقدَّس الله تعالى، إذ يقول: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" سورة الإسراء – الآية 84.
ولما ارتفعت رايةُ الإسلام، وانتشرت على رقعة كبيرة من المعمورة، وتمسك المسلمون بتعاليمه السمحاء، تساموا وارتفع كعبهم عالياً على شعوب الأرض كافة، ودانت لهم الأرض بكل ما رحبت، حتى غدوا سادة الناس، لكنهم لم يجعلوا فاصلاً بين دينهم وشؤون الدولة، بل كان الدين، هو من يسير دفة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في هذه الدولة المترامية الأطراف، فكان هذا الدين عامل قوة وركيزة صلبة لتقدمهم، ولم يحارب أية نظرية علمية، كان من شأنها أنْ تنهض بمستوى المعيشة للمسلمين، فبُنيت الجامعات والمنارات ومراكز الترجمة، وجُلِبت العلوم من كل عصرٍ ومصرٍ، ونُقِل أغلبها من اللغات الأخرى إلى العربية، ودُرِست العلوم وكذلك الفنون، ثم زيد عليها بالتصحيح والإثبات والتفنيد، ما يدلّل على أنَّ الدولة الإسلامية، كانت مُنفتِحةً على الآخر، ولم تلغِه، بل أنها لم تمارس أيَّ نوعٍ من الجور على الشعوب، ولم تمتهن كرامة أهل الذمة الذين انضووا تحت لوائها ونفوذها.
وتكملة لهذا المحور، أريد أنْ أتساءلَ في عُجالة: ماذا لو أنَّ العالم الإيطالي جاليليو كان مسلماً أو من أهل الذمة، الذين عاشوا في ديار المسلمين، هل كان سيلاقي تلك النهاية المصيرية التي تعرض لها والمتمثلة في إعدامه؟ لا لشيءٍ إلا لأنه دحض نظرية دوران الشمس حول الأرض، وأتى بنظرية أخرى تقول بعكس ما ذهبت إليه الكنيسة، فتعرض لتنفيذ ذلك الحكم العنجهي والهمجي.

3- العلمانية في تاريخ العرب والمسلمين

سنبدأ تناول هذا المحور من أخر نقطة توقفنا عندها في المحور الفائت، لنجيب عن التساؤل الافتراضي الذي طرحناه؛ قطعاً سوف لن يحدث ما احتملناه، لأنَّ التاريخ لم يسبق له أنْ سجَّل في مرةٍ واحدةٍ على الدين الإسلامي، حدوث أيَّ سابقةٍ من مثل هذا النوع، ولا أية واقعة أخرى، أقل بشاعةِ منها، فليس من المعقول، أنْ يلاقي ذلك العالم الفلكي مثل هذا المصير المشؤوم، لو أنه كان مسلماً أو ممن يحتسبون على دولة الإسلام، فليس من أخلاق هذا الدين السماوي، أنْ يتعرض أحدُ ُ لمثل ما تعرض له هذا العالم، بل أنه سيكون محتفىً به على الدوام، ومن المقربين من الخلفاء، ومن جُلاسِهم أيضاً، وسيحظى بقدرٍ كبير من الاحترام والتبجيل.
لكن التاريخ دوَّن في صفحاته، حدوث ما تطالب به تواً ثُلة من السّاسة والمثقفين العرب، إذ أنَّ المسلمين، لم يستمروا على حالة الازدهار التي عرفوها بفضل تشبثهم بتعاليم دينهم، فقد تبدَّلت أحوالهم، يوم عرفوا العلمانية بشكلٍ آخر، ومن دون أنْ يتجرأ أحدٌ منهم ويطالب بإحداثها، لأنهم قد وجدوا فيها المُخلَّصة لهم من الجاهلية، التي عاشوها قبل مجيئه، وبكل قبحها، فكيف لهم، أنْ ينادوا بعزل دينهم عن دنياهم وأمور دولتهم، هكذا جهاراً نهاراً، لكنَّ هذا الفصل حدث بصورة مغايرة ومختلفة كل الاختلاف عن تلك الصورة التي حدثت بها في أوربا، عندما أضحى الحُكّام المسلمون لا هم في هذه الحياة الدنيا لهم، سوى الحفاظ على مناصبهم وسلطانهم وسدة الحكم، من دون رشد ولا سؤدد، حتى لو دفع بهم هذا الأمر، إلى أنْ يظّاهر الواحد منهم في سبيل ذلك بعدوه الأجنبي ويتقاوى به ضد أخيه، فأشرأبوا في قلوبهم زخارف الدنيا وملذاتها، الأمر الذي فتّت بنيان تلك الدولة المترامية الأركان، إلى إمارات ودويلات شتّى، وضاعت الرعية بينهم، فتحزبت إلى عدة فرق وشيع، كل واحدة منها انضوت تحت راية أمير منهم، فباؤوا بالخُسران المُبين، وسقطت دولتهم من علٍ، وبذا تكون العلمانية قد أوجدت نفسها ضمنياً من خلال هذا الوضع المزري، الذي عاشه العرب والمسلمون في تلك الحقبة من تاريخهم، عندما لم ينتهوا عمَّا نهى عنه الله ورسوله الكريم، لأنَّ تعاليم الإسلام، تنهى عن كل ما ذهبوا إليه، رُعاةً ورعيّةً، سواء بسواء، فكانت هذه العلمانية بوجهها الخفي، وبالاً عليهم، لما ألحقته بهم من خزي وعار وهوان، بعد أنْ ذهبت ريحهم.
كما أنَّ التاريخ المعاصر، سجَّل في صفحة ثالثة نشوء العلمانية بمفهومها المتفق عليه، بعد أنْ قامت الثورة البلشفية في روسيا وما جاورها من جمهوريات سوفياتية بقوة النار والحديد، وذلك في العقد الثاني من القرن المنصرم، وأصبحت بعد تبنيها للفكر الماركسي تمثل ثاني إمبراطورية في العالم، بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق، ودول أوربا الشرقية المتحالفة معه في منظومة حلف وارسو وغدت هذه الإمبراطورية تُلّوح بالفكر الشيوعي وتراهن وتقامر على تلون الكرة الأرضية بلونها الأحمر، وألهبت مشاعر فئة كبيرة من العرب والمسلمين، حيث اعتنقت نُخبُ ُ سياسية عربية كثيرة هذه ˝الإيديولوجية˝ إلى حدِّ الإيمان بها، والمراهنة على أنها سوف تنتشلها من أعماق التدهور والهوان، لما رفعته من شعارات الاشتراكية، التي تبيّن بالدليل القاطع، أنها ليست سوى تكريساً لرأسمالية الدولة.

على أية حال، فنحن لسنا في وارد تعديد مساوئ هذه المنظومة، التي شهدت الإنسانية في ظلها أعتى ˝الدكتاتوريات˝ بقدر ما نحن معنيون بدراسة موضوع العلمانية التي عاشتها المنطقة العربية، وقت ظهور الفكر الشيوعي الماركسي إلى حيز الوجود، فقد تجسدت آنذاك في أبرز تجلياتها، فلم تكُن الشيوعية تنادي بعزل الدين عن الدولة بمفهومها الاعتيادي فحسب، بل أنَّ الأمر تعدى إلى ما هو أبعد وأخطر من هذا المنحى، فقد جرَّمت الدين وأعدته ˝أفيون الشعوب˝، والمحرك لاندلاع النزاعات بين الشعوب، على ألسنة مدعيها وكبار قادتها ومنظريها، لذا مارست صنوف القمع والقهر جميعها ضد الشعوب المسلمة في جمهوريات أسيا الوسطى، من تهجير وإقصاء وتدمير لدور العبادة، لطمس أيِّ مظهر للتدين، لكن هذه العلمانية الماركسية تمثلت في الأقاليم المسلمة الأخرى (العربية) بمحض إرادة حكوماتها، التي رأت في هذه الاشتراكية الوضعية، سبيلاً لتقدمها ونموها، في حين، أنَّ الاشتراكية الحقّة، هي التي جاء بها الإسلام، فاستوردوا هذه البضاعة الكاسدة والفاسدة، التي تبين بعد نيف وسبعين عاماً، أي بعد تداعي المنظومة الشرقية، زيف حقيقتها وبطلانها.
ومن مظاهر هذه العلمانية في تاريخ العرب والمسلمين، ما حصل في تركيا بزعامة كمال أتاتورك باني تركيا الحديثة، كما يحب أنْ يلقبه أنصاره ومريدوه من العلمانيين هناك، الذي جاء على أنقاض الدولة العثمانية المسلمة، التي لقبها الأوربيون في أواخر أيامها بــ ˝الرجل المريض˝ بعدما دبَّ في أوصالها الضعف، ونخر السوس دعائم أركانها، نتيجةً لفساد سلاطينها الأخيرين، الذين انغمسوا في ملذات الدنيا، وانصرفوا عن صالح الرعية، هذه الدولة التي سادت الدنيا، لما كانت في أوج عزتها، لما يربو عن ستة قرون متواصلة، ومدَّت سيطرتها ونفوذها على رقعة شاسعة من البسيطة، وكان العالم يهتزُّ ويذعن لأيِّ مرسوم (فرمان) يصدر من بلاط خلافتها وعاصمتها، فكانت حامية حمى المسلمين والذائدة عنهم، أينما كانوا وحيثما وجدوا، هذا عندما كان سلاطينها في بداية عهدها، يسنون قوانينهم من شريعة الإسلام.
لكن البعض من المثقفين العرب يظنُّ بأن اختيار كمال أتاتورك للعلمانية كخيارٍ ˝إستراتيجي˝ إنما هو بدافع مستقل، وبمحض إرادة الأتراك، ومن دون أية ضغوطات قد مورست عليه، في الوقت الذي كان فيه، ناجماً عن عدة إملاءات، فرضتها عليه الدول الاستعمارية الكبرى، وعلى بلاده من ثم، بعد انهيار الدولة العثمانية، ولتجنيب بلاده أي اعتداء قد يقع عليها، إنْ هو استمرَّ على انتهاج سياسة أسلافه من القادة العثمانيين الأولين، لذا رأى في هذا الخيار (العلمانية) خير عاصمٍ لبلاده، وناءٍ بها عن أية محاسبة تاريخية وانتقامية، قد تخضع لها، نظراً لماضيها التَّليد والمشرِّف الذي كانت عليه بفعل وفضل الإسلام، بعد أن تبدلت موازين القوى العالمية لصالح هؤلاء المستعمرين الجدد، لذا عليه أنْ يتنكرَّ لفضل هذا الدين، بفصل المفاصل الحيوية للدولة التركية المعاصرة عن أجوائه، وكذلك خشية إملاقٍ قد تتعرض له دولته، إذا ضُرِب عليها حصارُ هذه الدول المستعمرة، وهذا ما حدث في تركيا وما أنفك قائماً فيها، بالتالي لم يكُن اختيار العلمانية فيها خياراً ˝إستراتيجياً˝ لكن خياراً صعباً.
عودُ ُ على بدء، سنلفي أننا قد عرضنا في هذا المحور، لثلاث حالات من العلمانية، التي عرفها العرب والمسلمون، على مرِّ التاريخ، وفي فترات متباعدة، وكان لكل واحدة منها خاصية تخصُّها، وأسباب وظروف لنشأتها، فمنها ما كانت تلقائية النشأة، أي أنها حدثت من دون الدعوة إليها، لكن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هي من أدَّت إلى نشوئها، نتيجة لعدم اعتصام المسلمين بدين الله الحنيف، والثانية، حدثت بمحض اختيارهم أنفسهم، أما الحالة الثالثة، فقد نجمت عن ممارسة سياسة الإملاءات عليهم، من قبل المستعمرين، حتى تخلو الساحة لهم، ليتفردوا بمقدرات الشعوب، وليضمنوا لذواتهم بذلك، تحييد منافس عنيد لهم، هو الإسلام، وعلى الرغم من اختلاف هذه الحالات الثلاث، في معرفة المسلمين بالعلمانية، إلا أنَّ واقع الحال، يفيد بأنه ليس للعلمانية إلا وجهُ ُ واحدُ ُ، فما ذلك الوجه يا ترى؟.. هذا ما سوف نصل إلى معرفته في خاتمة هذا المقال.

الخاتمة

فإذا ما أسفرنا عن القناع الذي يغطي ذلك الوجه، وأمطنا اللثام عنه، سنلفيه وجهاً قبيحاً، مهما حاول البعض من المنادين بالعلمانية تلميعه وتجميله بالمساحيق، فمن المعروف بداهةً، أنَّ الأمور تقاس وتُقيَّم بنتائجها، وإذا ما بحثنا عن النتائج المفيدة التي أفدتنا بها العلمانية، لن نجد لها أية واحدة منها قط، فبماذا أفادت الأتراك مثلاً؟ أ لم تخطف منهم أمجاد تلك الخلافة؟ وهل يستطيع العلمانيون في تركيا، إقناع الشعب التركي المتأصل فيه الدين الإسلامي حتى النخاع، بأنَّ الإسلام عامل ضعف، وهو الذي لم يعرف العزة والإباء إلا به، بدليل أنَّ الاتحاد الأوربي ما يزال يتحفظ على انضمام تركيا إليه، لقناعته المسبقة، بأنَّ الأتراك كشعبٍ مسلمٍ، لن يقتنعوا أبداً، بما يطبل ويزمر له العلمانيون فيها، لأنه لا يتعدى كونه ضحكاً على الذقون واستخفاف بالناس. زياد العيساوي – بنغازي (ليبيا) Ziad_z_73@yahoo.com