الخوف والعزلة يتكلمان بصمت في 'بنات النار'

بقلم: رضاب فيصل
وجوههن كلها متجهمة وشاحبة

لحظة دخولك إلى المعرض تشعر برائحة النساء تنبعث من المكان. هي المرأة بكامل تناقضاتها وصفاتها، بكامل حالاتها وأشكالها. رسمها الفنان الإماراتي محمد المزروعي بتجريدٍ مطلق فاستباحت الألوان على لوحاته.

وكعادته يذهب نحو الرمز المعبر عن الذات الإنسانية، في بحثه وراء التفرد والتميّز. لتختصر كل لوحة في معرضه "بنات النار" قسماً كبيراً من نساء الأرض، تحكي باسمهن وتشرح آلامهن.

ومع أن المرأة قد تبدو في لوحاته متشابهة إلا أنها تختلف بين لوحةٍ وأخرى. كل واحدة على حدة لها ملامحها وسحرها الخاص. فتلك امرأةٌ يتكلم خوفها نيابةً عنها، وثانية اختلطت ملامحها مع بعضها حتى لا تكاد تميز بينها. وأخرى اختفت شفتاها فصمتت إلى الأبد.

الألوان بشكل عام قوية تجذبك نحوها، فالأحمر والأصفر والأسود سيطرت على كامل اللوحات تقريباً. واستخدام اللون الأسود كمعبر وحيد عن لون شعر المرأة في كل اللوحات. يصوّر لنا أن فنانا يدرس برسوماته واقع المرأة العربية في ظلِّ مجتمعٍ شرقي ظالم. فالابتسامة مختفية تماماً إلى صالح الخوف والقلق المتصدرين كل لوحة.

يظهر الحزن والرعب عند نساء المعرض، عبر تعابير الوجه. وجوههن كلها متجهمة وشاحبة، العيون قلقة وخائفة ومتسعة كعينين تشاهدان فيلماً مرعباً. واما الشفاه فلم تعكس حمرتها الضاربة شغفاً أو إغراءً، بل عكست رعباً فظيعاً حتى من الناظرين إليها.

ريشة المزروعي ليس لها حدود تحدها وتنمق الخطوط الناتجة عنها. مما جعل لوحاته تشبه رسومات الأطفال بصدقها وعفويتها. فقد استبدلت الحدود بالعبثية المعبرة عن الحياة التي تعيشها نساؤنا. العبثية التي تفرض تناقضات كثيرة مفروضة على المرأة العربية دون أن يكون لها خيار في قبولها أو رفضها.

تقول الفنانة التشكيلية ابتسام عبدالعزيز: "نرى خلال أعمال محمد المزروعي ذلك الزخم الهائل من غير المحسوس، والذي يجيء كما يبدو من بيئة متخمة بالغوامض. ومن هنا فإن الكثير من التفاصيل والرموز الخاصة تجعله يتنقل ضمن مدارس فنية عديدة، فهو حيناً يرسم بطريقة التعبيريين، وحيناً يلجأ إلى التجريد الرمزي، والوحوشية".

وباعتبار الفنان محمد المزروعي يكتب الشعر والقصة القصيرة إلى جانب كونه تشكيليا، تدخل كتاباته في مواضيع لوحاته ليختلط الأدب عنده مع الفن التشكيلي.

وكما ترى ابتسام عبدالعزيز في وصفها للوحات المزروعي، "بالحديث عن حرية التعبير، فلحالة الاغتراب التي دائماً ما يعيشها فنان، أثرٌ محرّك لمنتجه الفني. فكون الفن تحرراً من أجل التعبير إنسانياً، وتحققاً للذات، يكون وحده القوة الكفيلة بالقضاء على الاغتراب هذا".

لم يخلق المزروعي موضوع معرضه من العدم، فالعزلة والغربة تحيطان بالفرد العربي في كل مكان. تجعلانه يرسم دائرةً حول نفسه ومحيطه الضيق رافضاً تخطيها ومقتنعاً بأن البوح عن أوجاعه أو طموحه لن يجدي نفعاً.

يودّع الزائر "بنات النار" محترقاً على مصيرهن. فالنار تأكل كل واحدة بطريقة مختلفة عن الأخرى. إنها نار الآخر الذي يسهم في المصير البائس للمرأة.

يستمر المعرض الذي افتتح الاثنين برعاية هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، حتى 20 مارس/آذار الحالي في مسرح أبوظبي الوطني.