الخنثى والقميص الجديد

قصة: تهاني عمرو مرسى
العراوي على اليمين .. لماذا؟

الهواء من حولي مخنوق، استدارت زوجتي تتثاءب بعد أن شدت الغطاء فوقها.
أنزوي في ركن الفراش، ضوء الأباجورة يسكب أشعته الباهتة في جوف الليل المظلم، يخنق من حولي الأشياء، أجدها ترتعد .. تتنفس .. تشاركني هواء الغرفة ..أرتمي إلى النافذة .. أملأ صدري بالهواء .. أنصتُ لصوت تنفس زوجتي المنتظم .. من أين جاءت بكل هذا النوم؟
أغبط كل نساء الأرض لا أحد يحملهن أسباب هزيمة اللقاء.
أرمق في وجل العقرب النشيط يأكل في سرعة كل الثواني مستحثاًً الفجر الوليد ليشق ذالك الليل العاجز، وبعدها يأتي الصباح .. أين أختبئ من رشقات نظراتها، في كل مرة أتعمد أن أهرب إلى عملي قبل أن يفيق الفجر من إغماءته، وحين أعود في المساء أختبئ خلف صفحات الجريدة أو خلف ماكينة الخياطة (هوايتي الأثيرة) تغار زوجتي من ماكينتي خاصةً حينما أربت عليها في حنان، أخيط قميصاً جديداً لي أو لأحد الأولاد.
تلدغني زوجتي بلسانها الثعباني وهي تقول: الخياطة هواية تختص بها النساء وحدهن. أتشاغل وكأنني لا أسمع شيئاً.
في كل مرة أؤكد لها أن أبي أنجب أصغر أبنائه وهو في الثمانين، وأنا مازلت في الأربعين، ترمقني بنظرة طويلة قبل أن تشيح بوجهها بعيداً.
تلمع (طارة الإدارة) ببريقٍ دامع، و(منظم اتساع الغرزة) فاغراً فاه كبئرٍ عميق أودعته كل أسراري وحكاياتي.
في المساء حاولت أن أدير الماكينة بالموتور، تباطأت في الدوران، سخرت زوجتي وهي تؤكد أن ماكينتي قد كبرت هي الأخرى.
ضغطت في حنق زر الموتور، ليبتلع ضحكاتها في صخبه الهادر، كنت أنتشي والإبرة تثقب في قوة القماش الجديد، صنعت قميصاً جديدا، تناولته زوجتي متفحصة، ثم ألقت بالقميص في تبرم على المنضدة، وقالت: ينقصه العراوي.
الألم كسكين يمزق أسفل البطن، في المرآة أبدو كشبح مترهل البطن والألم يشتد .. ذات مساء كان لابد أن أفجر الصمت فأطلقت صرخة انتفضت لها زوجتي والأولاد حملوني إلى الطبيب، أخبرني أن حالتي تلك نادرة .. حالة يطلقون عليها "هرمافروديت" أي أنني خنثى.
لم أفهم ما يعينه الطبيب فقال متودداً: لديك أعضاء أنثوية مكتملة تعبر عن نفسها الآن كلما تداعت سنوات العمر.
فهمت أن البنت الوليدة داخلي تؤكد وجودها، ألجمت المفاجأة لسان زوجتي، أصبحت في كل لقاء محبطة، تكتفي بنظرة تائهة غامضة، انكمشت أمام الطبيب أرقب شفتيه، أتعلق بكلمة قد تخرج من فمه، قال: الحل هو جراحة لوأد تلك البنت قبل أن .....
الأولاد يتكاتمون الضحكات، أقسم إنني سمعتهم مرة يتشاتمون، أجزم أن أحدهم قال للآخر: يا ابن الهرمة.
في المقهى تقيأت لصديقي بكل ما أحمله من ضيق، لم يفهم ما يعنيه وجود أنثى نامية بداخلي، ضاقت عيناه وهو يفكر ثم دس في يدي بحبة زرقاء مؤكداً أنني سأدعو له.
أتحسس الجيب الأيمن للجاكت، أجد الحبة مازلت قابعة هناك، أتناولها في يدي، تضحك البنت بداخلي وهي تؤكد أنها لن توأد أبداً من داخلي مهما فعلت، يوماً ما سأنتصر لها أمام الرجل العاجز.
الألم بسكين غامض أسفل البطن .. لم أعد أحتمل .. النوم يفرض سلطانه على الكون .. ألقي بالحبة خارج النافذة .. أسمع تجشأ الليل .. أنصت إلى أنفاسه المحمومة وهو يضاجع الكون .. تتلوى الأرض .. الألم يشتد .. نعم يجب أن أعترف .. الأولاد لم يعودوا يحترمونني، يخبئون ضحكاتهم كلما تلاقت نظراتنا .. لابد من قرار .. ألتقطت القميص الجديد، أدير، الماكينة، تتثاقل (طارة الإدارة), هي تدور، يئن الموتور .. يدور بما يستطيع من قوة، تتقافز الإبرة الصدأة كساق عرجاء.. أسرفل مكان العراوي، أثبت الأزرار، تنتبه زوجتي على ضوضاء الماكينة وحشرجة الموتور المتكاسل، لم أعد أحتمل نظراتها .. استدير نحو الحائط، أواري قطرات الملح الساقطة، تنهض باتجاهي .. تتناول القميص الجديد.
تردد في همس: لماذا؟ .. العراوي على اليمين .. لماذا؟.
وحين يجيبها الصمت، تتطرق بنظرها نحو الأرض. تهاني عمرو مرسي ـ الإسكندرية