الخمينية والإخوانية... تجاوز الدولة الوطنية

الأصل واحد ... الحاكمية

يتركز خطاب الخميني، في مقابلاته وأحاديثه، على إبراز حجم وضخامة المصائب التي حلّت بالمسلمين من جرّاء تألب الأعداء عليهم لإخماد أصواتهم ونهب ثرواتهم وعرقلة يقظتهم فيقول: "إن جميع مصائب شعب إيران، وبقية الشعوب الإسلامية، إنما مصدرها الأجانب المستعمرون وخاصة الأمريكان. وإن شقاء الدول الإسلامية هو بسبب تدخل الأجانب في مقدراتها وشؤونها، وأن الأجانب هم الذين ينهبون ثرواتها الطبيعية الهائلة".

ذلك من خلال "عملاء لهم في بلادنا". وكان يعتبر أن الدعوة الصادرة عن الغرب لفصل الدين عن الدولة هدفها عزل الإسلام عن الحياة العملية عن الناس، معتبراً هذه الدعوة بمثابة "الفاجعة العظمى". اتخذ الخميني من بلده إيران، أنموذجاً لبيان بشاعة الهيمنة والاستكبار العالمي، وبيان تغلغه في الاقتصاد الإيراني وتحالف الأمريكان واليهود للإمساك باقتصاده زمن الشاه. وكان هذا دافعاً ليشبه ثورته بأنها "ثورة المستضعفين".

معلناً رفضه لحق الفيتو الذي تملكه الدول الكبرى الذي يبقى سيفاً مسلولاً توظفه أمريكا لمواجهة الشعوب المستضعفة، لذلك يعلن عدم إيمانه بالمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ومشكلاتها لأنها ما "خطت خطوة واحدة لصالح الشعوب. ولا تظنوا أنه لإدانة هذه المنظمات أي تأثير في وقف الجرائم والخيانات الإسرائيلية أو الحد منها". ويذهب في خطابه إلى حد "شيطنة" أمريكا معلناً أنها بمثابة "الشيطان الأكبر".

لمواجهة هذه التحديات، يطرح الخميني فكرة الثورة الشاملة للشعوب المضطهدة ضد الاستبداد وسلب الحريات مقدماً نموذج الثورة الإيرانية، مؤكداً: "أننا لا يمكننا فصل أنفسنا عن سائر المسلمين، ونحن لا نعتقد أن مصير الشعب العربي ومصائر الشعوب الأخرى منفصلة عن مصيرنا وقدراتنا". ما يدفعه إلى دعوة تلك الشعوب للثورة على أنظمتها الرسمية في العالمين العربي والإسلامي، مؤكداً أن أساس المشكلة في هذه الحكومات: "مشكلة المسلمين ناتجة في حكوماتهم المتسلطة عليهم، وفي الاختلافات الحادة بين رؤسائها وأنظمتها". لذلك، أصبحت الثورة الشعبية واجبة للنجاة من "مخلب هؤلاء الحكام".

ولإحداث تعبئة حول هدفه هذا اتخذ الخميني من يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان مناسبة سنوية لإعلانه يوماً عالمياً للقدس؛ بما تحظى فيه هذه المدينة من مكانة رفيعة لدى المسلمين كافة، تعتبر رمزاً لوحدة المسلمين، لذلك كان تركيزه على أن حل القضية الفلسطينية لا يأتي إلا من خلال وحدة المسلمين، واعتباره أن الكيان الصهيوني "دويلة فاسدة وغاصبة وغدّة سرطانية".

كان هذا الخطاب السياسي والأخلاقي مدخلاً لتصدير الثورة وأفكارها إلى المحيط العربي والإسلامي، لكنه في الممارسة العملية وخاصة بعد الحرب العراقية الإيرانية الكارثية، وبعد وفاة الإمام الخميني تحوّل وبشكل تدريجي إلى خطاب يعبر عن مصالح دولة ذات طموحات إقليمية واسعة في محيطها.

الأمر الذي أدخلها في صراعات ومنازعات لا حصر لها مع دول المنطقة. إلا أن الجديد في هذا الخطاب أنه كشف عن بُعد مذهبي متأصل في بنيته ومنظومته وضع الشيعة العرب أمام تحديات الهوية والانتماء والمواطنة والتبعية والولاء والطاعة للولي الفقيه. ومن جهة ثانية، كشف هذا الخطاب في مواقفه ذات المعايير المزدوجة بعد الربيع العربي، وخاصة من الثورة السورية، عن عمق التناقض بينه وبين الإسلام السياسي السني بكل أطيافه، وسقط شعار "القدس" كهدف مركزي جمعه مع القطاع الأكبر منه، حيث كان لابتعاد حماس وانفراط التحالف معها عنواناً لهذه المرحلة الجديدة.

ما هي الأمة؟ ما حدودها في الخيال الإسلامي الإخواني والخميني؟ الخطاب يتحدث عن "الأمة الإسلامية" وفق النص القرآني، أما المشروع فيقيم حدودها، ويرسم قوامها وفق التاريخ والمدونة الفقهية. لذلك، يذهب الحديث عن "الأمة" في طريقين، وينصرف إلى دلالتين، أقلها بين أمة آل البيت وأمة أهل السنة والجماعة، وأعلاها "أمة محمد" عليه الصلاة والسلام. والغلبة بين الدلالتين كانت دائماً لصالح الأولى، وشواهد التاريخ أكثر من أن تحصى.

لهذه الأسباب، لم يتم التركيز على بناء نظرية في الدولة والمواطنة والمؤسسات، وفصل السلطات، وتداول السلطة والحريات، بقدر ما تم الاهتمام بالتنظير لكل ما له علاقة بالهوية والانتماء والأمة والوحدة والشريعة والأصالة والتراث والحاكمية. ولم يتم التعامل مع الدولة القائمة إلا باعتبارها وليداً غير شرعي، "لقيط" ومؤقت، أو كيان "غصبي" حسب فقهاء الشيعة. اعتبرت على الدوام مجرد وسيلة للوصول إلى الغاية الأبعد وهي "وحدة الأمة".

فالدولة التي يعيش فيها حاملو هذا الفكر لا تمثل الغاية النهائية لحلمهم الإسلامي "الشرعي". لذلك كانت خطابات كل منهم، وعلى مراحل تاريخية متفاوتة "ضد الدولة" كمفهوم سياسي وككيان موضوعي قائم عملياً، ما عطل إمكانية بناء ولاءات وهويات وطنية حقيقية، نرى اليوم نذر تفكك ما بقي منها يقود إلى تبلور هويات طائفية ومذهبية وإثنية متصارعة أكثر مما يقود إلى هوية إسلامية توحيدية جامعة.

عملياً، مثلت الثورة الإيرانية الخمينية في بدايات انطلاقها على مستوى الايديولوجيا والتعبئة الثورية والمواقف الراديكالية نموذجاً جاذباً لدى العديد من الإسلاميين في الثمانينيات من القرن العشرين. وكانت تجربتها في بناء "الدولة الإسلامية" رائدة وملهمة. إلا أن تلك الجاذبية سرعان ما تآكلت وتفككت تدريجياً على وقع تعثر التجربة ديمقراطياً واقتصادياً في الداخل، وسياسياً على وقع المواقف المزدوجة المعايير من قضايا الثورات العربية، مع ذلك بقيت محافظة على بنيان جامد لمنطلقاتها دون أي تطوير أو تجديد.

كذلك مثلت التجربة الإخوانية على مستوى المفاهيم التي قدمتها مساحة فيها الكثير من المرونة والتنوع والبراغماتية، استطاعت من خلالها أن تجدد خطابها وتحشد حوله قطاعات شعبية واسعة، وهي اليوم مع الربيع العربي تقف في مصر وتونس، أمام تحدي بناء نموذجها في الدولة، بعد أن تخطت على مستوى المفاهيم الكثير من مسلمات المدونة الفقهية الكلاسيكية، وعمدت إلى تكييفها مع العصر والوقائع الجديدة. ويبقى الانجاز هو الفيصل في هذا المجال.