'الخميس الإبداعي' يحتفي بالمخرج والناقد ياسر البراك

كتب ـ عمار سيف
تجريد الواقعة الدرامية

احتفى ملتقى الخميس الإبداعي في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق بالمخرج والناقد المسرحي ياسر البراك مؤسس ومدير جماعة الناصرية للتمثيل التي تأسست عام 1992، وبدأت الأصبوحة التي أقيمت يوم 2/6/2010 في مبنى الاتحاد بكلمة تقديمية لعضو الملتقى الشاعر عدنان الفضلي الذي أدار الجلسة مؤكداً على إستراتيجية الملتقى في تقديم كل ما هو مغاير ومختلف عن بقية الأنشطة الثقافية، "إذ سبق للملتقى وأن احتفى بالقاص محمود عبدالوهاب من البصرة والباحث ناجح المعموري ثم الشاعر موفق محمد من الحلة واليوم يحتفي بالمخرج البراك من الناصرية".
وأكد الفضلي "أن البراك واحد من المسرحيين العراقيين الذين حملوا الهم المسرحي بشكل متواصل رغم كل الظروف الصعبة التي عاشها المجتمع العراقي، وخاصة ظروف الإقصاء والتهميش التي كانت سائدة زمن النظام السابق، وأن البراك عمل على تأسيس فرقة مسرحية، وبدأ يُقدِّم عروضها منذ ذلك التأسيس في الناصرية والبصرة وبغداد ومدن عراقية أخرى، علاوة على تنظيراته المستمرة فيما يسميه بـ "المسرح الإسقاطي".
ثم ترك الفضلي باب الحديث للبراك الذي بدأ حديثه بتحديد أهم المؤثرات البيئية والسوسيولوجية التي شكّلت ثقافته ورؤيته المسرحية وتنظيراته العديدة في ميدان المسرح.
وقال البراك "مشهدان كان لهما الأثر الكبير في نفسي الأول يمكن أن أسميه تراجيدياً متمثلاً بذكرى عاشوراء الذي يُقام فيه الفعل التشبيهي سنوياً إحياءً لذكرى البطل الشهيد، الذي أجد فيه ليس مجرّد استعادة سنوية لذكرى الحسين فقط، بل هو تمثيل وتشبيه لمأساتنا المتكررة، فنحن نُنحر مثل الحسين كل يوم. ومنذ طفولتي التي كنت أرى فيها مواكب العزاء تجوب شوارع المدينة، كنت أرى في الحسين ليس مجرد إمام يعبّر عن مظلومية طائفة معينة، بل هو رمز لكل إنسان حر في العالم بغض النظر عن طائفته وديانته ومذهبه، وكبُر هذا المعنى بداخلي حتى أصبحت عاشوراء بالنسبة لي أطروحة مسرحية تملك من أفق الحداثة والتجريب ما تملك".
وأضاف البراك "أما المشهد الثاني فهو مشهد كوميدي فضاؤه الفرجة التي يخلقها رجل زنجي طويل القامة يدعى (شنيشل) ذلك المُشخّص الذي ينصب خيمة كبيرة وسط ساحة الألعاب في مدينة الناصرية خلال عيدي الفطر والأضحى، ويُرقّص قرده الذي يؤدي حركات مضحكة يتشبه فيها بالإنسان، علاوة على حركات ماجنة تثير فضولنا نحن الأطفال وتجعلنا نتخلى عن عيدياتنا لهذا الرجل الأسود عن طيب خاطر كثمن لدخول الخيمة ورؤية القرد المشخصاتي".
ثم تحدّث البراك أيضاً عن تأثيرات دراسته في معهد الفنون الجميلة في البصرة، وكلية الفنون الجميلة في بغداد، وحصوله على درجة الماجستير من كلية الفنون الجميلة في جامعة بابل، وكيف كان يُقدّم مسرحياته التي تُعرّض بالنظام الدكتاتوري السابق الذي منع بعض مسرحياته مثل مسرحية "الوباء الأبيض" عام 1994، ومسرحية "الدرس" عام 2002، ثم منع مجلته المسرحية "المشهد" التي كان يُصدرها على نفقته الخاصة منذ عام 2000 وحتى عام 2002 وبجهوده الذاتية بعد أن أنجز منها تسعة أعداد واستقطبت العديد من الكُّتاب العراقيين، وختم البراك بالحديث عن تأسيسه لجماعته المسرحية والآلية التي يتم بها إنجاز عروضها المسرحية عبر اتباعه لنظام الورش التي تسعى لتعليم أعضاء الجماعة أبجديات المسرح لأن أغلبهم من الهواة، علاوة على إنتاج العروض من جيوبهم الخاصة.
ثم عرّج على تنظيراته في ميدان المسرح الإسقاطي والفرق بين "الإسقاط السياسي" و"الإسقاط التاريخي"، كما مُتعارف عليهما في المسرح، و"الإسقاط المعاصر" بوصفه الآلية الفكرية والجمالية التي يعتمدها في عروضه المسرحية، مؤكداً على "أن الإسقاط المعاصر يعني تجريد الواقعة الدرامية من زمانيتها ومكانيتها النصيّة وصبّها في قالب جمالي جديد يقترح زمانيته ومكانيته الخاصة به".
وبعدها ألقى الناقد عدنان منشد شهادة بحق المخرج البراك تحدّث فيها في محاور عدّة أبرزها ثنائية المركز والهامش التي يعمل عليها البراك، وجمعه بين الفعل التنظيري والتطبيقي، وإصراره على تقديم عروضه في العديد من المدن العراقية وبضمنها بغداد.
ثم تحدّث الناقد والممثل حيدر جبر الأسدي (بوصفه أحد المنتمين للجماعة) عن تجربة المخرج البراك وجماعته مُبيّناً وجه الإختلاف بينهم وبين الفرق المسرحية الأخرى، كون الجماعة تسعى لأن تكون "مؤسسة مسرحية"، وليس مجرّد "فرقة مسرحية" لإنتاج العروض المسرحية.
أما المخرج والسيناريست السينمائي حسين السلمان فتحدّث قائلاً: "إن البراك أستطاع من خلال مجلته (المشهد) أن يوثق لتاريخ مدينته المسرحي، علاوة على أن المجلة كانت مساحة لتنظيراته المسرحية المختلفة، وأنه برؤاه الجديدة والمتجددة أكد على أنه واحد من المخرجين المسرحيين العراقيين الذين يعرفون ما يقدمون".
وتحدّث المؤلف المسرحي والممثل عمار نعمة جابر عن نضال البراك لخلق مسرح متميز في مدينته الناصرية، وأبويته في المسرح التي كانت على الدوام مفتاحاً لعلاقاته الناجحة مع أعضاء الجماعة، وكيف أستطاع أن يوصل رؤاه المسرحية إلى العاصمة بغداد عادّاً إياه مخرجاً عراقيا متميزاً متجاوزاً للمحددات الجغرافية.
وفي ختام الأصبوحة قدّم الناقد عدنان منشد "درع الإبداع" من ملتقى الخميس الإبداعي للمخرج البراك، علاوة على باقة ورد قدمها الناقد محمد درويش علي التي كانت مسك ختام الأصبوحة.