الخليج العربي... ضرورة الحذر المستمر

الاتحاد على أكثر من مستوى

ما يزال أمام الخليج العربيّ فرص للتكتّل والوحدة التي تفضي إلى كيان موحد في مواجهة أيّة تهديدات خارجية، ولا يوجد أمامه سبيل سوى تقوية مجلس التعاون الخليجي لبلوغ هذا الهدف. تتسم الأوضاع الدولية في منطقة الشرق الأوسط بالتعقيد والتحوّل المستمرّ، وهي تخفي زخما متداخلا ومتراكما ومتناميا من التحديات والمخاطر والتهديدات المرتبطة بالأدوار والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربيّ.

ومن الطبيعيّ أن تتأثّر دول الخليج العربيّ، بجميع الأزمات المحيطة بالمنطقة الخليجية ذات الأهمية الاستراتيجية، بدءاً بالصراع العربيّ – الإسرائيليّ، إلى الخلاف الغربيّ – الإيرانيّ حول البرنامج النوويّ لإيران، ونتائج التحوّلات التي فرضتها الثورات العربية في مصر وسوريا، والحرب على الإرهاب، والحملة الدولية للقضاء على تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية "داعش".

إضافة إلى تنامي الصراع الطائفيّ الشيعيّ – السنيّ، وتمثّلاته في البحرين والعراق وسوريا ولبنان، والأزمات المحتملة والمتكرّرة لتصدير النفط، وتقلبات أسعاره، نتيجة الحرب في ليبيا، وغيرها من الدول النفطية التي تعرف صراعات وأزمات سياسية، تفرض على الدول الخليجية مراقبة مستمرّة للأوضاع الدولية، وتحوّلات السياسات العالمية.

حيث تتحمّل دول الخليج كلفة فشل التجارب الدولية في العراق وسوريا واليمن وانقسام هذه الدول على نفسها، نتيجة تنافس المصالح الدولية واستراتيجيات القوى الدولية الكبرى، وأثر تلك الاختلافات على السياسات الخليجية تجاه دوائر الأزمات الشرق أوسطية.

قد يبدو أنّ عنوان هذا المقال ينطلق من مسلّمة "تناقض الإرادات السياسية للدول الخليجية، واختلافها"، حيث إنّ المقصود به، هو عجز الناتج النهائيّ لسياسات دول الخليج العربيّ، عن تنفيذ خطة تنتهي بهم إلى ظهور "كيان جديد"، موحّد على الصعيد الاقتصاديّ، لا تؤثّر فيه التحولات السياسية الإقليمية، ويقف في مواجهتها ككتلة موحدة، وليس كستّ دول متفرّقة.

تعقد كلّ واحدة منها صفقات أو اتفاقات خارجية منفردة، مع القوى الدولية، فكلّما فرضت القضايا الإقليمية الشائكة تعطيل الحلم الخليجيّ بالوحدة الاقتصادية، تأكّد التهديد الخارجيّ للتجربة الوحدوية الخليجية، التي تتحرّك ببطء شديد في مقابل خطط خارجية خطيرة لتفتيت الشرق الأوسط، تتطلّب وعيا كبيرا وتنسيقا مستمرا من قبلها.

تطمح دول الخليج العربي إلى بلوغ مستويات متقدّمة من الوحدة الاقتصادية والتوافق السياسيّ، لتؤكّد إرادة "المجموعة الخليجية الموحّدة"، ومواقفها، تجاه التحولات الإقليمية والدولية كافة، والتهديدات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، وهي تدرك أنّ العالم يعرف التوجّه نفسه نحو بناء تكتلات اقتصادية تواجه تحديات عصر العولمة، وتسهم في توحيد السياسات الأمنية كنتيجة لسياسات دعم مصالحها الاقتصادية الموحدة.

يقوم الاقتصاد الخليجي على النفط. ومن الطبيعيّ أنّ يتوحد الخليج في سياساته النفطية، سواء من داخل مجلس التعاون أو من داخل منظمة "أوبك"، إذ تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر مصدّر للنفط في العالم، وهي تصدّر وحدها ثلث نسبة الإنتاج العالميّ للطاقة الأحفورية، وتمتلك دول الخليج ورقة النفط التي تعكس فوائض ومخزونات مهمة وصراعا جيوبوليتيكيا دوليا عليه، وخصوصا أنّ توحيد السياسات النفطية يقتضي توحيد السياسات الأمنية الخليجية، التي لا يمكن لها أن تتعارض مع السياسات الأمريكية والأوروبية حول النفط، حيث إنّ الحرب على الإرهاب هي في النهاية حماية لموارد النفط.

لا تغفل الدراسات العسكريّة عامل التهديد السيكولوجيّ للدول والشعوب الخليجية المحاطة بعدد من القوى الإقليمية العدوانية كإسرائيل، والعراق في عهد صدام حسين، وإيران، وأزمات اليمن المتكرّرة، ناهيك عن المعضلة الفلسطينية وأبعادها المتفاقمة في سوريا ولبنان، ولا يمانع الخليجيون في القول بأنّهم لا يملكون بديلا عن عقد علاقة دفاعية مشتركة مع الجانب الأمريكيّ في مقابل ضمان النفط الخليجيّ لصالحه.

حيث لا يتعارض دفاع الخليجيين عن استقرارهم السياسيّ مع فكرة بناء "صداقة كولونيالية أمريكية خليجية دائمة"، وهو ما يبرّر قيام الاستراتيجية الاقتصادية لتنظيم القاعدة على استهداف أنابيب النفط الخليجيّ في عملياته الإرهابية، ومنع هذه العلاقة من التطوّر، وتحوّل النفط الخليجيّ إلى هدف لجميع أطراف الصراع في المنطقة.