الخليجيون وهجمات سبتمبر، ما الذي جرى؟

دبي - من حسن حيدر
تقطيع العلم الأميركي بات مشهدا اعتياديا في الخليج

هل تغيرت الصورة النمطية للمواطن العربي الخليجي على خلفية تطورات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر؟ إنه السؤال الذي يشغل طائفة من الباحثين الاجتماعيين، الذين يرقبون التحولات التي تجري في ظلال المشهد العالمي الراهن.
فقد طرحت تحولات سبتمبر 2001 وما أعقبها صورة جديدة للمواطن الخليجي، تجاوزت الصورة التقليدية التي كانت شائعة من قبل، والمحفوفة بكثير من الانطباعات السلبية والأحكام المسبقة.
فالعربي الخليجي، كان يمكن التعرّف عليه من خلال رسوم الكاريكاتير التي قدمتها الصحافة الأمريكية إثر أزمة الحظر النفطي في السبعينيات، أو من خلال التعليقات الغربية اللاذعة على سياسات منظمة "أوبك" الفاعلة آنذاك.
كانت الصحافة الغربية تقدم الخليجي في صورة "المترف منتفخ الكرش"، "اللاهث وراء اللذات"، والذي "ينفق ببذخ عبر جلوسه فوق بئر نفط داخل خيمة"، دون أن تخلو هذه المشاهد الكاريكاتورية من "الإبل والحريم".
وإذا كانت هذه الصورة المزعومة التي قدمتها الصحافة الغربية، وروّجت لها أفلام هوليوود التي ذهبت بعيداً في تشويه صورة العرب، حسب ما يؤكد العديد من المختصين كالخبير السينمائي جاك شاهين؛ فإنّ الأمر لم يعد كما كان بعد أن ظهر العربي الخليجي ذاته كصانع لحدث عالمي من الطراز الأول، وإن كان حدثاً مفزعاً.
فقد تبدلت صورة الخليجي باتجاه "الإرهاب"، وهو ما يعني أنها قد فارقت الانطباعات السائدة من قبل، والتي كانت تقع غالباً في مساحة اللامعنى واللاجدوى. ومن الواضح أنّ الصورة الجديدة جاءت مفاجئة؛ حتى بالنسبة لقطاعات من المواطنين في دول عربية غير خليجية، بل ربما لبعض الخليجييين أنفسهم، الذين رأوا أنهم باتوا الشغل الشاغل للدولة التي تتعامل بمنطق الأقوى في العالم.
أما الاتهامات الموجهة لمنطقة الخليج بأنها "منبت الإرهاب"، كما يتردد في الإعلام الأمريكي هذه الأيام على الأقل؛ فقد تجعل بعض قطاعات "اليسار الثوري" في العالم العربي يبلور نظرة جديدة إلى هذه المنطقة، يعلوها التقدير لـ"نضالاتها"، وهو ما لم يكن متوقعاً من جانب من كانوا ينظرون إلى مجتمعات الخليج بحنق وتحامل؛ بوصفها "رجعية" و"مباركة لأمريكا" و"راضية عن سياساتها".
على ضوء هذه التحولات يشير الباحث الاجتماعي الخليجي فؤاد العلي، إلى ما يقول أنه متغير خطير جداً بالنسبة للغرب، يتمثل في أنّ "الشاب الخليجي، الحالم بملابسه، المميّز، الجالس خلف مقود سيارة فارهة، والذي يدور رأسه في كل اتجاه بحثاً عن فتاة؛ يجلس الآن أمام شاشة التلفاز يعلن رفضه وتمرده على كل شيء، وأنه سيدمر قوى الشر تعبيراً عن غضبه، وأنه مستاء لما يحصل للفلسطينيين، ويجب أن يخرج الأمريكان من أراضيه"، على حد تعبيره.
وينطلق العلي من فرضية تقول أنّ الاستراتيجية الغربية في التعامل مع المجتمعات الخليجية؛ قامت على سياسة "الإغراق في الترف والرفاهية"، تماما كما كانت السياسة الغربية مع مجتمعات عربية أخرى، "الإغراق في الفقر والجوع".
ويستنتج الباحث أنه طوال السنوات التي تلت دخول دول الخليج العربية عصر الطفرة النفطية، لم يهتم الغرب كثيراً بالعبث في أساسيات المجتمع العربي في الخليج وقيّمه، وظل الاعتقاد السائد أنّ الفساد الذي يمكن لتدفق المال أن يحدثه يكفي، في ما توجهت مجهودات "العبث بالقيم" لدى مجتمعات عربية أخرى لم يكن من الممكن إغراقها بالمال، وفق تقديره. موضحاً أنّ الغربيين كانوا يلاحظون عملية التحول السريع في المجتمعات الخليجية، من البداوة إلى التحضر والتمدن؛ "إلا أنهم على ما يبدو لم يلاحظوا أنّ هذا التحول كان أسرع من التحول في أصول المجتمع وقيمه"، وفق تقديره.
ويضيف العلي موضحاً، أنّ السنة الماضية التي أعقبت هجمات سبتمبر؛ أثبتت أنّ نظرية الإغراق المالي لتهميش الشعوب "يبدو أنها وحدها لا تكفي"، مشيراً إلى أنّ "صحوة" كانت ترافق المجتمعات في الخليج العربي، في الوقت الذي كانت فيه محاولات طمس هوية هذه المجتمعات العربية تتزايد.
ولاحظ الباحث الاجتماعي المراقب للتحولات في المجتمعات الخليجية؛ أنّ انفتاح مواطني الخليج والمملكة العربية السعودية على المجتمعات العالمية، بسبب توفر الموارد اللازمة لذلك، أتى بأضرار سلبية، إلا أنه منح هذه الشعوب مقدرة على اكتساب ثقافة ساعدت على التمييز الصحيح والخاطئ من الأمور، وفق تقديره.
أما اليوم؛ فبعد سنة من هجمات سبتمبر؛ تتجدد المفاجآت. إذ تتواصل النتائج حول هوية منفذي العمليات، إضافة إلى ما يعلنه الأمريكيون من تقارير رسمية يقولون أنها نتاج تحقيقاتهم. وتشير المحصلة إلى ضلوع 15 سعودياً في هذه الأحداث، إضافة إلى أشخاص آخرين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هم غالباً من دول خليجية أخرى.
ويلاحظ فؤاد العلي أنّ هؤلاء "لم يخرجوا من رحم الفقر والحاجة والضغوط الاجتماعية؛ (بل) خرجوا من بيوتهم الفارهة وتركوا وراءهم كل ما يحلم به غيرهم من شعوب الأرض، وهرولوا مسرعين نحو ما يعتقدون أنه الأبقى"، في إشارة إلى أنّ أحداً لم يكن يتوقع أن يخرج من هذه المنطقة من يحدث توتراً عالمياً كما هو حالياً.
وكانت وسائل الإعلام الغربية، والأمريكية بالأخص، بدأت بشن حملة واسعة النطاق ضد السعودية ودول الخليج العربي، متهمة مؤسسات المجتمع المدني في هذه الدول بتهيئة الظروف التي أدت إلى بروز أعضاء تنظيم القاعدة وقيادته. ورافقت هذه الحملة الإعلامية، معاملة قاسية لمواطني هذه الدول في المطارات والمعابر الغربية، تحوّلوا بموجبها من رعايا دول لهم الأفضلية؛ إلى مشبوهين، بكل بساطة.
ومن جانبها؛ تعرب زهرة المهري، وهي ناشطة اجتماعية في مجال رعاية الجانحات في السعودية، عن اعتقادها أنّ أحد أهم الأسباب الكامنة وراء الهجمة الأمريكية على السعودية، هي اقتناع الأجهزة الأمريكية المعنية "أنّ هناك تأييداً شعبياً كبيراً (في صفوف السعوديين) لـ (أسامة) بن لادن"، زعيم تنظيم القاعدة، الذي ينتمي إليه منفذو عمليات تفجير الطائرات في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.
وتطرقت المهري، في مقال لها نشر على أحد المواقع الإلكترونية في شبكة الإنترنت؛ إلى محاولات "إخفاء الشمس بغربال"، في إشارة منها إلى محاولات تجاهل تأييد قطاع كبير من السعوديين للهجمات على أمريكا، وفق تقديرها.
وتمضي المهري إلى الاستنتاج بأنّ المسؤولين الأمريكيين والغربيين يعرفون تماماً، أنّ محاولة الإعلام السعودي والخليجي، التحدث عن امتعاض الجماهير من أسامة بن لادن وتنظيمه "ما هو إلا للاستهلاك الإعلامي"، مشيرة إلى أنّ ما يريده الأمريكيون من السلطات السعودية هو تحرك فعلي "لقمع هذا التأييد"، حسب ما ذهبت إليه.
وبدوره يضيف فؤاد العلي، إلى ما أوردته المهري من ملاحظات، أنّ موجة التأييد الشعبي لأسامة بن لادن وتنظيمه امتدت من السعودية إلى بقية دول الخليج، مشيراً إلى أنّ الشريط الأخير الذي بثته فضائية الجزيرة عشية إحياء الذكرى الأولى للأحداث، نقل هذه الشعبية إلى بقية الدول العربية والإسلامية.
ويثير العلي تساؤلات من قبيل "هل تستطيع السلطات في دول الخليج منع هذا التأييد؟"، معرباً عن اعتقاده أن أي محاولة "جادة" لذلك ستؤدي إلى دخول حكومات دول الخليج في برامج القمع والاعتقالات وتكميم الأفواه "مثل العديد من الأنظمة العربية الأخرى"، حسب ما قال.
وأوضح العلي، أنّ عينة من شبان الخليج التقاها طوال الأشهر الماضية، بينت له عدم اعتبار أسامة بن لادن وتنظيمه شيئاً مرفوضاً، فيما أعرب شبان خليجيون عن اعتقادهم أنّ الصورة "الأصيلة" لسكان الجزيرة العربية "هي ما شاهدناه من أفلام تصوِّر مقاتلي القاعدة في خنادقهم"، كما ينقل عنهم.
وأشار العلي في تصريحاته، إلى أنه التقى عدداً من الغربيين المشتغلين في رصد الرأي العام ومتابعته بحكم طبيعة عمله، وأجمع هؤلاء على أنهم "لم يستطيعوا أن يلمسوا غير التأييد لأسامة بن لادن داخل المجتمعات الخليجية"، خلال عدد من الاستطلاعات والمعلومات التي حصلوا عليها من دول الخليج.
ونقل العلي عن باحث أمريكي متخصص قوله؛ إنه التقى بشاب سعودي في الأردن في الصيف، وتحدث معه عن أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ومساهمة الشباب السعودي فيها، ففوجئ عندما قال له الشاب السعودي "إننا ننظر باعتزاز لمواطنينا وهم يصنعون التاريخ"، وأضاف الشاب السعودي "لقد بدأنا نحظى باحترام من جيراننا لأول مرة، ليس بسبب أننا نملك المال؛ وإنما لأننا أصحاب موقف"، وفق ما نقل ذلك الباحث للعلي.
وسلّط استطلاع حديث للرأي أجري في الكويت الضوء على هذه الظاهرة. إذ أظهر استطلاع أجرته صحيفة "الرأي العام" الكويتية عشية الذكرى الأولى لهجمات أيلول (سبتمبر) أنّ 74 في المائة من المواطنين الكويتيين يعتبرون أسامة بن لادن "بطلاً"، فيما اعتبره نحو 9 في المائة بأنه "مجرم". ولا تتمثل أهمية الاستطلاع في ما يمكن أن يعكسه من صورة لاتجاه الرأي العام الخليجي حيال التطورات العالمية الجارية وحسب؛ وإنما من خلال الحصول على إفادات كهذه في الكويت التي يفترض أن تكون الأقرب خليجياً من الولايات المتحدة، من خلال تجربة حرب الخليج الثانية.
أما الباحث فؤاد العلي فيرى أنّ أحد أسباب ردة الفعل الشعبية الخليجية المؤيدة لتنظيم القاعدة، هي "الهجمة التي تعرض لها المواطنون السعوديون والخليجيون بعد الأحداث"، خاصة عندما جرى توقيف الكثير من السعوديين المقيمين في الولايات المتحدة لأسابيع بعد حدوث الهجمات، وأفاد عدد منهم في ما بعد أنهم تلقوا معاملة مهينة.
وأياً كان عليه الأمر؛ فإنّ تحولات ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001؛ لا تشير إلى أنّ الصورة النمطية للمواطنين الخليجيين وحدها هي التي تبدلت؛ وإنما الكثير مما يدور تحت السطح في مجتمعات الرفاه التي باتت تدرك أنها في بؤرة أكثر المناطق التهاباً في العالم.(قدس برس)