الخلوة الدمشقية!

اتفق القطبان، أو الرأسان، في الحياة السياسية الفلسطينية، رئيس السلطة محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، في خلوتهما في دمشق، على "الميزان الفلسطيني للحلال والحرام"، فاقتتال الفلسطينيين (من "فتح" و"حماس") وسفح بعضهم دم بعض هما الحرام؛ أمَّا الحلال فهو أن يختلفوا سياسيا، وأن يتَّخِذوا الحوار وسيلة للاتفاق على ما هم فيه مختلفون.
إنَّه إنجاز فلسطيني عظيم أن يتفق عباس ومشعل على تحريم الاقتتال الفلسطيني تحريما يعدل في قوته التحريم الديني، على أن ينجحا في أن يختلفا، وفي أن يتفقا، من الآن وصاعدا، بمنأى عن الحوار بالحديد والنار، وفي مواجهة كل من له مصلحة في الزج بالفلسطينيين في أتون حرب أهلية، فهذه الحرب (أو ما يشبهها، أو ما يمكن أن يفضي إليها) يجب نبذها مع الساعين إليها؛ لأنها أخطر من إسرائيل على الفلسطينيين وقضيتهم القومية.
لقد قالا بتحريمها؛ لكنَّ الواقع سيظل يتحداهما على جعل قولهما حقيقة تنبض بالحياة، فقوى الحرب الأهلية، في الداخل، وفي الخارج، أقوى من تتغلَّب عليها وتقهرها النيَّات الطيبة فحسب.
الحوار لم يبلغ خاتمته السعيدة في دمشق وإن كان يُنْظَر إلى جولته الدمشقية على أنها تذليل لعقبات كثيرة من طريق نجاحه في غزة. وأحسب أنَّ ما انتهى إليه من نتائج إيجابية، بعضها أُعْلِن، وبعضها لم يُعْلَن لأهمية أن يظل إلى حين طيِّ الكتمان، سيَشحَن كل المتضررين من تغليب الميل إلى الحوار على الميل إلى الاقتتال بمزيد من طاقة الهدم والتخريب.
القطبان اتفقا على أمرٍ ينطوي على تناقض، فهما أعلنا اتفاقهما على رفض خيار أو حل "الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة"، والتي هي من المكوِّنات الأساسية والجوهرية لـ "خريطة الطريق"، التي ما زال الرئيس عباس يُظْهِر استمساكا بها.
على أنَّ اتفاقهما هذا، وعلى أهميته، ينطوي على خلاف كبير، فالرئيس عباس يرفض تلك الدولة؛ لأنَّه يريد الحل النهائي والدائم الآن، ومن غير مزيد من الحلول الانتقالية والمؤقتة التي ثَبُت وتأكَّد أنها تطيل، ولا تقصِّر، الطريق إلى الحل النهائي، وتزرع فيها من الألغام ما يكفي انفجارها، أو تفجيرها، لتدمير ما بني عبر الحلول الانتقالية والمؤقتة، ولجعل الحل النهائي والدائم هدفا يشبه أمل إبليس في الجنة.
وعباس يخشى، أو كان يخشى حتى اتفاقه مع مشعل، أن تحاول "حماس" لعب ورقة "الدولة ذات الحدود المؤقتة" بما يفيدها، ويضر "فتح"، في سياق تنازعهما السلطة والشرعية والتأييد الدولي والعربي.
أمَّا مشعل فلم يرفض "الدولة ذات الحدود المؤقتة" ليؤكِّد، ضمنا، تأييده خيار عباس، أي خيار الحل النهائي والدائم الآن، وإنَّما ليُظْهِر استمساكه بخيار "الدولة ـ الهدنة"، الذي فيه تجتنب "حماس"، على ما تعتقد أو تتوقع، شر الاعتراف بإسرائيل، فيُنْجَز حلٌّ تَمْنَحُ فيه "حماس" الدولة اليهودية "هدنة طويلة (لا تزيد عن عشر سنوات)" في مقابل قيام دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في حرب 1967.
عباس، وإنْ اتفق مع مشعل على رفض "الدولة ذات الحدود المؤقتة"، ما زال يخشى كل حل يمكن أن ينبثق من خيار "نعم للهدنة ولا للاعتراف"، فرئيس الوزراء الإسرائيلي قد تشتد الحاجة لديه إلى إنهاء تجميده لخطته السياسية الكبرى (الانطواء) فيميل، بالتالي، إلى شراء "خمس سنوات من الهدنة"؛ ذلك لأن لا أهمية إسرائيلية تُذْكَر لتنفيذ تلك الخطة إذا لم تَعُدْ على إسرائيل والإسرائيليين بأمن كالذي يمكن أن تأتي به هدنة كتلك.
الظاهر الآن من المشهد السياسي الفلسطيني هو "الحوار".. المضي قدما في الحوار مع الاتفاق على تحريم الاقتتال. وهدف الحوار إنَّما هو الاتفاق على "الجُمْلَة الجوهرية والأساسية" من "كتاب التكليف"، فإذا اتُّفِق عليها بما يسمح للجنة الرباعية الدولية بادِّعاء انتفاء مبرِّر استمرار الحصار المالي والاقتصادي الدولي المضروب على الفلسطينيين تألَّفت الحكومة الفلسطينية الجديدة، ونجحت في إنجاز مهمتها وهي فك الحصار.
أمَّا إذا استعصى الاتفاق عليها على النحو ذاك فالحوار، عندئذٍ، يمكن أن يشمل حلولا ومخارج أخرى كالانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، والاستفتاء الشعبي لحسم خلافٍ يمكن أن تتفق "فتح" و"حماس" على أهمية وضرورة حسمه من خلال استطلاع رأي الشعب.
"التزام" أم "احترام".. هنا يكمن جوهر الخلاف في شأن تلك الجُملة، فالرئاسة مع "فتح" تريد الجُمْلة "تلتزم الحكومة (الفلسطينية الجديدة) كل الاتفاقات الموقَّعة مع إسرائيل"؛ أمَّا حكومة هنية مع "حماس" فتريد الجُملة "احترام الاتفاقات الموقَّعة" من غير تعيين للهيئة (الرسمية) الفلسطينية المدعوة إلى "احترام" تلك الاتفاقات.
إنَّ "حماس" تفهم "الاحترام" على أنه الكلمة التي لا تنطوي على معنى مؤداه أنَّها، أي "حماس"، قد اعترفت بإسرائيل، وكأنَّ "الهدنة" و"الاحترام" هما القوام اللغوي ـ السياسي لكل خيار يمكن أن تأخذ به "حماس" في الوقت الحاضر.
"الحوار"، في مناخ التحريم للاقتتال الفلسطيني والتخفيف من ثقل الحصار على الفلسطينيين، قد يستمر زمنا أطول من المتوقَّع، وقد ينتهي إلى تغيير كبير في منظمة التحرير الفلسطينية قبل نجاحه في تذليل العقبات، أو تلك العقبة الأخيرة، من طريق تأليف حكومة فلسطينية جديدة.
ولكن السؤال الذي لم تُجِب عنه "الخلوة الدمشقية" هو "هل أنَّ هذا الحوار مُقْتَرِنٌ بحوار آخر هو الحوار الذي تحدَّثت عنه رايس إذ قالت إنَّ عباس واولمرت قد باشرا محادثات غير رسمية وسرية في شأن الدولة الفلسطينية المقبلة، وتشبه محادثات كامب ديفيد التي أجراها عرفات وباراك وكلينتون سنة 2000؟".
إذا صحَّ قول رايس فهل يمكننا الانتقال إلى السؤال الثاني وهو "هل أنَّ هذا التفاوض غير المعلَن (السري ومن خلال قناة خلفية) قد رُفِدَ، عبر الخلوة الدمشقية، بتفويض غير معلَن؟".
كل ما نعرفه الآن هو أنَّ ثمة أربعة رجال هم بوش واولمرت وعباس ومشعل يحتاج كلٌّ منهم إلى إنجاز سياسي كبير؛ ولكنه لا يستطيعه من غير التعاون مع غيره، فهل يحاولون جعله مشتَرَكاً؟ الإجابة ما زالت في دائرة التكهن والتخمين؛ ولكن لا بأس في المحاولة. جواد البشيتي