الخطاب السياسي العربي: عربة التسوق اللغوي

عام 1991 وتمهيدا للحرب التي ستشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها على العراق من أجل تحرير الكويت الذي كان الجيش العراقي قد غزاه ومن ثم اعلنت الحكومة العراقية ضم الكويت باعتباره محافظة عراقية، تم الاتفاق بين طرفي النزاع (العراق والولايات المتحدة) على أن يوجه رئيس كل دولة من الدولتين خطابا إلى شعب الدولة الأخرى. واقعة كانت بمثابة الخيار الاستعراضي الأخير قبل الذهاب الى الحرب. يومها وجه جورج بوش (الاب) خطابا الى الشعب العراقي. بدقائق معدودات لخص بوش كل المطلوب اميركيا من أجل أن لا تقع تلك الحرب. اما الرئيس العراقي صدام حسين فقد كان خطابه الموجه الى الشعب الاميركي طويلا (استمر لأكثر من ساعة). كان ذلك الخطاب أشبه بالإنشاء المدرسي الذي يكتبه المرء وهو في حالة استرخاء وتجل. خطاب خلا من المعلومات وبالاخص ما يتعلق منها بالكلفة الواقعية للحرب وبما يمكن أن ينتج عنها من كوارث ومآس ولم يجب الرئيس العراقي يومها على سؤال جوهري هو: ما الذي يمكن أن يفعله العراق لتفادي الدخول في حرب مهلكة، ميزانها ليس في صالحه وليس من مصلحته وقوعها.

وبسبب طول الخطاب وتعقيدات بنيته اللغوية يشك الكثيرون في أن أحدا من الشعب الأميركي قد أنصت إليه أو تابعه أو فهم ما الذي يريد الرئيس العراقي قوله. كانت هناك كما أتوقع مشكلة عويصة واجهها مترجمو الخطاب. فالرجل كان مولعا بالجمل الطويلة التي غالبا ما كان يتركها سائبة. على سبيل المثال فانه كان يقول الجزء الذي يتضمن فعل الشرط وينسى الجزء الذي يتضمن جواب الشرط. وبسبب كل هذه الملابسات فقد كان ذلك الخطاب تلخيصا دقيقا لفشل المحاولة في اقتناص الفرصة الأخيرة.

من خلال ذلك الفشل يمكننا أن نكتشف خللا جوهريا في الخطاب السياسي العربي: هناك الكثير من اللغو المغلف بحماسة بدائية من غير أن يكون هنالك شيء يمكنه أن يطلعنا على حقيقة ما يجري.

غالبا ما يبدأ السياسي العربي أما بالصلاة الطويلة على النبي وآل بيته والمديح الذي يوجهه الى السلف الصالح واما باستذكار لحظات القوة في التاريخ العربي، حيث المآثر التي طوقت عنق العالم بعقود من التضحيات، بدءا من معركة ذي قار وليس انتهاء بمعركة ميسلون.

يهم السياسي العربي أن يكون مؤثرا في مستمعيه، لا من خلال سياق معرفي يقدمه باعتباره خبيرا وعارفا بالأسرار بل من خلال براعة لغوية، تسحر بلاغتها السامع وتدفع به إلى الوقوع في أفخاخ نغمية باذخة تقع خارج الموضوع. حينها يقال عن ذلك السياسي انه بليغ حقا. وهو وصف يدل على جهل عميق بوظيفة السياسي. رجل الخبرة المعني أساسا بتصريف شؤون الناس والمؤتمن على مصائرهم. كان السياسيون العرب يحرصون على الظهور من خلال خطاباتهم كما لو أنهم أنبياء، شعراء، مهرجون، حملة نار لن تنطفيْ، كهنة، قديسون، عارفون، سحرة غير أن أحدا منهم لم يظهر باعتباره سياسيا يضع النقاط على الحروف، في مسائل خلافية تتعلق بسبل العيش أوتقاطع الحريات أو الحقوق والواجبات العامة أو القضايا الوجودية التي تتعلق بالمصائر اليومية، حيث كانت صلتنا بالآخر (الغربي أو من يقاسمنا شقاء الهوية على حد سواء) تزداد سوءا والتباسا وتعقيدا يوما بعد آخر.

لم يفهم الإنسان العربي (هنا اتحاشى استعمال مفردة مواطن، فهي غير مدرجة واقعيا في قاموس الحياة العربية) من خطب الزعماء والسياسيين سوى شيء واحد: نحن على حق دائما. وعلينا أن نؤدي دورنا في الدفاع عن هذا الحق، مقاتلين وشهداء ومحرومين وفقراء ومكبوتين وسجناء ومشردين وغرباء ومقهورين. البلاغة التي انتقلت من أفواه السياسيين إلى الأناشيد تستدعي أن نقف في المكان الذي يراد لنا أن نقف فيه دائما. القطيع الذي يُستعمل في المسيرات النضالية.

ولو أخذنا خطب لزعماء العرب المتعلقة بقضية فلسطين التي كانوا يسمونها دائما قضية العرب المركزية مثلا لراعنا الكم الهائل من الزخرف البلاغي الذي احتوت عليه تلك الخطب. ذلك الحق المقدس الذي تسلل إلى شرايينا نقضه فجأة وبرمية نرد السياسيون العرب أنفسهم خفية وعلانية، بالرغم من أنهم لم يكفوا عن بث سمومهم اللغوية في دمنا. نحن أمة لا تقهر. نحن الجبارون الذين ورد ذكرهم في القرآن. كان الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي قد مزق ميثاق الأمم المتحدة على المنصة في نيويورك، لا لشيء إلا لأن ذلك الميثاق يقول أشياء محددة، لم يرتق إليها المجتمع الدولي. لو كان ذلك الميثاق مجرد انشاء لغوي كما هو حال خطب الزعماء العرب لأظهر القذافي له احترامه ولما مزقه.

ما من زعيم ولا سياسي عربي يخاطب شعبه أو مواليه بالكلام الواضح الذي يجعله مسؤولا عما يقول. وبالرغم من المديح المجاني الذي يكيله الحاكم العربي للشعب الذي يتحكم برقابه (تبدأ خطابات الزعماء العرب عادة بجملة: أيها الشعب العظيم) فان ازمة مصيرية يتعرض لها ذلك الحاكم في إمكانها أن تكشف عن جوهر موقفه القائم على احتقار ذلك الشعب العظيم. لنتذكر خطابات القذافي المرتجلة وحتى خطابات حسني مبارك ومن قبله بن علي في لحظات الازمة. لقد نفض الجميع أيديهم من البلاغة الناعمة وصاروا أولاد شوارع كما هم في الحقيقة. ولكن هل انتهت مشكلتنا مع البلاغة السياسية الكاذبة بسقوط انظمة الاستبداد؟ لا أظن. فتلك المشكلة تتعلق بنظرتنا إلى وجودنا، كائنات لا تزال تنظر إلى المعلومة بهلع وجودي "إذا بليتم فاستتروا".

فاروق يوسف