الخطاب التكفيري يحقق شرعيّة الانتماء السلطوي

عمار بنحمودة يوضح أن هناك مراحل كبرى، تبدأ بتأسيس الخطاب التكفيري، وهي التي ارتبطت بمرحلة نزول الوحي، وتأثّر فيها الخطاب التكفيري بصراعات النبيّ وجماعته مع أعدائه وخصومه.


أهمية ظاهرة التّكفير تكمن في قابليّة هذا المفهوم للتأثير في المجالين الدّيني والسياسيّ


بنحمودة يشير إلى أنّ "التكفير يعبّر عن الثنائيّة الدينيّة المعروفة بالإيمان والكفر

انطلاقا من الفترة النبويّة باعتبارها الفترة المرجعيّة التي تأسّست فيها ثنائيّة الكفر والإيمان، يتتبع الباحث التونسي د.عمار بنحمودة مفهوم التكفير في مفاصله التّاريخية الكبرى بعد وفاة الرّسول (صلى الله عليه وسلم) ردّة وفتنة وصولاً إلى تدوين التّكفير في كتب الفرق والرّدود على الملحدين والكافرين، ونشأة علم الكلام وظهور الفرق. حيث كانت كتب الفرق مدوّنة خصبة لفهم ظاهرة التكفير وتحديد آلياتها. وتوقف في كتابه "التكفير في الخطاب الإسلامي القديم" عند التحولات الكبرى التي شهدها مفهوم التكفير. 
وأوضح بنحمودة في كتابه الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود أن هناك مراحل كبرى، تبدأ أولاها بتأسيس الخطاب التكفيري، وهي التي ارتبطت بمرحلة نزول الوحي، وتأثّر فيها الخطاب التكفيري بصراعات النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وجماعته مع أعدائه وخصومه؛ إذ كان الخطاب التكفيريّ يتوتّر كلّما توتّرت العلاقات السياسيّة والعقديّة مع الجماعات الدينيّة الأخرى في مكّة أو المدينة أو في سائر القبائل. وكان توتّر هذا الخطاب يتراجع كلّما شهدت تلك العلاقات أحلافاً دينيّة وسياسيّة. أمّا المرحلة الثانية فقد وسمت بالصراع السياسيّ على الشرعيّة، وهي المرحلة التي وظّف فيها الخصوم السياسيّون التكفير سلاحاً لاحتكار الشرعيّة، وحاولوا سلبها من خصومهم. وقد شهدت هذه الفترة عنفاً رمزيّاً قام على قانون المحاكاة، وتحوّل في كثير من فصوله إلى عنف مادّي وحروب استنزاف باسم التكفير بين المسلمين أنفسهم. وانتهت هذه الفترة باحتكار الخوارج التّكفير وتقنينه، وهو ما جعلهم يُتّهمُون بالغلوّ، ويدانون بسوء توظيف التّكفير. أمّا المرحلة الأخيرة فقد تميّزت بتقنين التّكفير في إطار علم الكلام، وشهدت نمطين من أنماط الخطاب التّكفيريّ: الأوّل تمثّل في ظهور كتب الفرق التي اعتمد أصحابها التّكفير وسيلة للفرز العقديّ وانتقاء عقائد الفرقة النّاجية من خلال تكفير عقائد الفرق الأخرى المنافسة على الشرعيّة الدينيّة. 
وقد اعتمد التّكفير على بناء هرميّ ذي طابع سلطويّ، ارتبط بنسق مترابط العناصر تكاملت فيه مساعي اللغويين إلى تقنين اللّغة، مع إجماع الفقهاء على قواعد مشتركة للطّقوس والشّعائر والاعتقادات، ونمط محدّد للفصاحة؛ فحركة التدوين أثّرت في ظاهرة التّكفير، ورسمت قوانين الإيمان الصّحيح، وأبعدت من دوائرها كلّ تأويل تراه فاسداً ومارقاً. 
 وقال "في الطور الثاني، اتّسمت ظاهرة التّكفير بإدانة فرديّة تقوم على محاسبة عقديّة للمارقين من الملّة، والواقعين في شرّ التّأويل الفاسد. وقد كانت التّهمة الرئيسة الموجّهة إلى هؤلاء الخصوم هي الإلحاد؛ وهو مفهوم مركزيّ يقوم على ظاهرة التّكفير باعتبارها تستعيد ذهنيّاً مفهوم الخلع والطرد والإبعاد في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام؛ فالمدان بالإلحاد خليع وطريد، عقائده فاسدة، ومصيره الموت والعذاب. 
وأكد بنحمودة أنّ التّكفير ظاهرة تاريخيّة اعتمدها أصحابها لفرض سلطتهم الرمزيّة على الآخرين، موظّفين قوّة المقدّس الذي مكّنهم من أن يجعلوا لآرائهم رافداً سماويّاً وحكماً إلهيّاً لا اعتراض عليه. ولذلك، كان التّكفير سلطة رمزيّة من أجل فرض الشرعيّة؛ وهو خطاب يعتمد آليّات إيديولوجيّة للفرز والتّصنيف، قد يقوّي السّلطتين الديّنيّة والسياسيّة، ولكنّه يمكن أن يتحوّل إلى آليّة تفكيك وتفريق؛ إذ إنّ الأطراف المتنازعة على الشرعيّة يمكن أن توظّف التّكفير لتستأثر بالمقدّس وتحتكر خيراته العقديّة، لتقصي المختلفين عنها، وإن كان ذلك على أساس تبريرات دينيّة لخلافات سياسيّة. والفرقة التي تَعدّ نفسها ناجية تقوم باحتكار الشرعيّة الدينيّة والتّأويل الرّسميّ للنّصوص الدّينيّة، وتتّهم سائر الفرق الأخرى بالكفر والإلحاد. 
ورأى إنّ أهمية ظاهرة التّكفير تكمن في قابليّة هذا المفهوم للتأثير في المجالين الدّيني والسياسيّ، وقابليّة المزج بين العالم الدنيويّ والعالم المقدّس؛ فمتخيّل الذّات الإلهيّة يجعل كلّ التصوّرات الأخرى إلحاداً وكفراً. وتغيير قواعد العلاقة بين العالمين الدنيويّ والمقدّس من بناء سلطويّ يتّخذ شكل الهرم إلى علاقات مباشرة خرق لميثاق القداسة، ووقوع في دوائر الكفر والإلحاد. وهذا المنطق لا يحرم الفرق الأخرى من حقّها في التّأويل المختلف فحسب، وإنّما يحرمها أيضاً من حقّ المشاركة السياسيّة. ومثلما هيمن موقف رسميّ جعل الخلافة في قريش، فرضت لغة قريش في المصحف الرسميّ الذي تبنّاه الخليفة عثمان بن عفان ليقصي اللهجات الأخرى من القراءات الرسميّة للقرآن، ويقضيَ على حقّ القبائل الأخرى في الانتماء اللّساني وقداسة اللّغة القرآنيّة. فضلاً عن ذلك، صار فريق من المتشبّثين بالمنظومة الرسميّة للعقيدة الإسلاميّة يفرضون لوناً واحداً من الإيمان يختزل تصوّر فرقة للذات الإلهيّة والخطاب القرآنيّ، ويضع الباقين في خانات الكفر. والتّكفير يقيم حساباً دنيويّاً قبل حساب الآخرة كما يتصوّره المؤمنون بالعقيدة الإسلاميّة؛ وهو لا يكتفي بالأحكام التي تدين الجماعات والأفراد بالكفر والإلحاد، وإنّما يشرّع لاستعمال العنف معها بقتلها وصلبها. ولذلك، ينتظم التّكفير في حلقة ثلاثيّة محورها السّلطة وأضلاعها الكفر والشرعيّة والعنف.
ولفت بنحمودة إنّ "التكفير يعبّر عن الثنائيّة الدينيّة المعروفة بالإيمان والكفر. وإذا كان قد وظّف في مرحلة أولى في الصّراع السياسيّ على منصب الخلافة، فإنّه قد تحوّل إلى مقولة في علم الكلام مكّنت الفرق المتنازعة من وسيلة للدّفاع عن شرعيّتها فضلاً عن أنّها منحت المفكّرين سلطة علميّة للردّ على خصومهم. 
وقال "حاول علماء الكلام، على مدى العصور، في مختلف المذاهب والفرق الإسلاميّة، أن يؤسّسوا إلزاميّة أحكامهم التكفيريّة وتحويلها إلى قانون يضمن آليّات فرز عقديّ تفصل بين المؤمنين والكافرين، أو ما عبّروا عنه بثنائيّة النّجاة والهلاك، ونجحوا في ذلك لأنّهم أوهموا مخاطبيهم بأنّ أحكامهم التكفيريّة إلهيّة المصدر، فقدّموا تصوّراً للذّات الإلهيّة وللقرآن والنبوّة، وضبطوا شروطاً محدّدة لضمان الانتماء إلى الفرقة النّاجية. وقد كان حديث الفرقة النّاجية الإطار النّظريّ العامّ الذي أسّسوا عليه كتبهم وفصلهم الدّيني بين الكافرين والمؤمنين. وقد أدّى تسييج ضوابط الفرقة النّاجية وربط مخالفتها بالتّكفير إلى إقصاء تلك الأحكام من الواقع وإضفاء قداسة عليها حجبت خلفيّاتها السياسيّة وحوّلت الخلاف على الإمامة إلى خلاف أشمل تبحث فيه كلّ فرقة عن اكتساب شرعيّتها على حساب الفرق الأخرى. ولذلك شهدت أحكام التّكفير اختلافاً بين الفرق. 

العنف الرّمزي يمكن أن يتحوّل بفعل الإرادة السّلطويّة للحاكم إلى عنف ماديّ وشرعيّ. وهو ما يفسّر انقلاب موازين القوى التكفيريّة بانقلاب الموازين السياسيّة

وأوضح أن التكفير بدأ قيمة دينيّة أسّسها الخطاب القرآنيّ. وما اتّهام الخوارج بأنّهم مبتدعو التكفير إلا نتيجة أحكام ولّدها الصّراع الذي خاضته الفرق فيما بينها من أجل نيل شرعيّتها. ولكنّ الطّابع الدّيني للمفهوم لم يمنع من تفاعله مع الواقع. فقد كان غير ثابت وتأثّر بالوضعيّات التي مرّت بها الدّعوة النبويّة. فالتّكفير يجد مبرّراته في قوّة المسلمين وقدرتهم على غلبة الجماعات التي لا تنضبط إلى قوانينهم الدّينيّة. ولكنّه يصير ضعيفاً كلّما افتقدت الدّعوة القوّة الحربيّة القادرة على تحويل التكفير إلى آليّة لتبرير الحرب والسّلب والتهجير. ويفضي القول بتحوّل مفهوم التكفير إلى كونه مفهوماً منفتحاً، بمعنى أنّ أحكامه ليست نهائيّة؛ فالكافر يمكن أن يتحوّل إلى مؤمن والعكس صحيح. وعلى الرغم من وثوقيّة الأحكام التي يقوم عليها، فإنّه متغيّر بحسب الحقب التاريخيّة والجماعات التي وظّفته في حربها من أجل اكتساب الشرعيّة.
ورأى بنحمودة أن التّكفير كان منذ الفترة النبويّة وسيلةَ صراع على السلطة، وآليّةً لاكتساب شرعيّة الحرب، ومبرّراً قانونيّاً للقصاص من الفئات الأخرى. فليس ثمّة في التّاريخ الإسلاميّ مسوّغ للحرب عند المسلمين أكبر قيمة من الكفر؛ ولذلك ارتبط بالجهاد. وقد أسّس هذا المفهوم ثنائيّات أساسها النظريّ قائم على التّكفير؛ فهو يقسّم البشر إلى مؤمنين يقاتلون في حرب شرعيّة مآل أصحابها الجنّة، وكافرين حربهم فاقدة للشرعيّة ومآلهم الجحيم. ويقسّم الأرض إلى دار إسلام ودار كفر. ولذلك قتلُ الكافر حلال، وقتل المؤمن حرام، وفق هذا المسار؛ وهو منطق دينيّ له انعكاسات سياسيّة؛ لأنّه يهب الشرعيّة لفريق من النّاس ويسلبها من الفريق الذي يواجهه. 
وأضاف "هيّأ النبيّ أرضيّة تشريعيّة وخطاباً مشرعناً للتّكفير، انطلاقاً من البنية الثنائيّة التي واجه بها أعداءه من كفّار قريش واليهود والمرتدّين. ولهذا، اندلعت حروب الردّة بعد موت النبيّ بشكل أكبر ممّا كانت عليه في حياته، وعُدَّ المرتدّون كفّاراً على الرغم من تباين أسباب ردّتهم. وكانت الحرب مبرّرة بذلك التّصنيف الثنائيّ الذي انقسم فيه الناس إلى كفّار ومؤمنين. والحال أنّ وراء تلك الثّنائيّة ثنائيّات أخرى قد تخفي الوجه الديني للتكفير لعلّ من أهمّها الثنائيّة السّلطويّة التي تجعل من المؤمن منضبطاً لسلطة الخليفة الأوّل أبي بكر الصدّيق، وتصنّف المارقين من سلطته والرّافضين للقوانين التي تقوم عليها دولته، كافرين يباح قتالهم وتُستباح دماؤهم. 
وأشار بنحمودة إلى أنّ "التّكفير كان آليّة سلطويّة ناجعة لتبرير الحرب وإضفاء طابع القداسة عليها. وهو الذي ساهم في الحفاظ على الكيان السياسيّ الناشئ وحمايته من الارتداد إلى وضعيّة التفرّق القبليّ. إلّا أنّ اتّخاذ التّكفير مبرّراً للحرب قد كان سبباً مباشراً في نشأة المركزيّة القرشيّة التي جعلت من القرار السياسيّ في يد القبيلة الأقوى. وهو ما سيجعل من إخماد حركة الردّة مجرّد فصل من فصول الصّراع على السلطة، تتجدّد جولاته في الفتنة التي كشفت أنّ أزمة المركزيّة القرشيّة ستظلّ سبباً رئيساً في اندلاع حرب يسعى فيها كلّ طرف إلى إثبات شرعيّته السياسيّة والدّينيّة. 
وأوضح أن السّقيفة كانت نواة الخلاف بين رموز السّلطة الإسلاميّة؛ وهي التي ستحوّل التكفير من آليّة قوّة وتجميع لشتات القبائل المتفرّقة حول محور دينيّ أساسه الإيمان والانضباط السياسيّ للقوانين الإسلاميّة، إلى آليّة تفرّق شمل المسلمين، وتهب كلّ فريق منهم سلاحاً دينيّاً يحتكر به مفهوم الإيمان ويسلبه من الفرق الأخرى. وتُعدّ الفتنة ذروة التّوظيف السياسيّ للتّكفير؛ فأثناءها تحوّل الدّفاع الجماعيّ عن الدّولة الإسلاميّة إلى حرب يخوضها المسلمون فيما بينهم ليثبت كلّ فريق شرعيّته الدّينيّة والسياسيّة. وقد أكّدت فصول الخلاف منذ بداية حركة الاحتجاج على عثمان أنّ المبرّر الأساسيّ للحرب كان التّكفير. 
وتابع أنّ "التكفير كان مجرّد غطاء شرعي قد يحجب كثيراً من الأسباب الموضوعيّة التي قد تتّخذ سياسيّاً أو اقتصاديّاً واجتماعيّاً؛ فأسباب مقتل عثمان مثلما عرضناها تعود إلى سياسته التي لم ترضِ كثيراً من المحكومين. وتكفير معاوية كان نتيجة نزاعه السياسيّ ضدّ شرعيّة الخلافة في عهد عليّ. أمّا تكفير عليّ بن أبي طالب فقد كان نتيجة قبوله بالتحكيم وعدم توافقه مع الخوارج. إنّ ما نعنيه بالتّنسيب هو ضرورة مراجعة مفهوم التكفير؛ فهل هو مفهوم ثابت يقوم دوماً على ثنائيّة المؤمن والكافر؟ وهل ما كان يُعدُّ كفراً في عهد النبيّ هو ذاته الكفر في عهد الصّحابة وكتب الفرق؟ 
ورأى بنحمودة أنّ الطّابع النخبويّ للتّكفير لم يمنع وجود صلات بين البنية التي قام عليها الخطاب التّكفيريّ في إطار علم الكلام وسائر أنواع الخطاب مثل خطاب السّائس أو المؤرّخ أو الفقيه. فمثلما سعت المنظومة الفقهيّة إلى إيجاد فصل عقديّ بين الحرام والحلال والمندوب والمكروه، موظّفة مفهوم الإجماع، من أجل الدّفاع عن عقائد الفرقة النّاجية وتحديد ملامح المؤمن عقيدة وسلوكاً، فإنّ التكفير قد حقّق الوظيفة نفسها، ولكن عبر مسالك مختلفة، وهي سبل النّظر العقليّ والتجريد النظريّ من أجل الدّفاع عن عقائد الفرقة الناجية وإقصاء سائر التّأويلات المارقة من التّأويل الرسميّ. 
وأكد أن الخطاب التكفيريّ يحقّق شرعيّة الانتماء السلطويّ ويفتح أبواب العلاقة بين المنظومة العقديّة المؤمنة والسّلطة الحاكمة؛ فعلماء الكلام هم جنود الخلافة وحماة عقائدها، وإنْ لم تكن مقاصدهم متوافقة دوماً مع صاحب السّلطة. وجلّ المدافعين عن الفرقة النّاجية وعقائدها هم ممّن تربطهم علاقات حسنة مع أصحاب السّلطة، وكثير منهم مقرّبون من البلاط. وفي المقابل المتّهمون بالكفر هم أعداء الدّولة، وكثيراً ما تتحوّل أحكام التّكفير إلى عنف شرعيّ ينفّذ باسم الشّرعيّة الدينيّة؛ فخصوم علماء الكلام هم خصوم الدّولة. والعنف الرّمزي يمكن أن يتحوّل بفعل الإرادة السّلطويّة للحاكم إلى عنف ماديّ وشرعيّ. وهو ما يفسّر انقلاب موازين القوى التكفيريّة بانقلاب الموازين السياسيّة.