الخطاب الإبداعي والتجربة المغايرة

بقلم: مهند يحيى حسن
قيمة إيقاعية

إلى متى تبقى كتابة النص الأدبي خاضعة عندنا لمقاييس البحث والتجريب المرتبطة بمستحثات القديم المتكلس؟ وإلى متى نبقى متهمين بالضياع في دائرة الاستعارة من أجناس تعبيرية ووضعها في قوالب القديم المتجدد من حيث تعبئتها بمواضيع محلية لتواكب القالب المصبوبة فيه والمبنية لأجله قناعات كاتبنا المجدد في رسم الشكل والهوية المتسترة خلف النص المطروح؟
من هنا وجب أن يكون جوابنا هو في البحث المتجرد والمنعزل عن رفضنا لاستنهاض المألوف والسائد والانسلاخ عن قاعدة التقليد المحاكي للأساليب القديمة، وأن نتجاوز كل مطبات الاستنساخ للقوالب والأفكار أو الوقوع تحت فخاخ التعقيدات اللغوية أثناء رسمنا لمسارات العمل الأدبي ولتجاوز البعد التكويني المتعمق لفنائات الكلمات الصارمة والجمل ذات المفردات المتكلفة ـ بالرغم من اعتبارها الرماد الذي يمكن أن تنبعث منه شرارة المفردة التي تعتبر المنطلق لقراءة وتقييم أي نص سواء أكان شعريا أم نثريا .
إن قرأة أي نص، وكما هو معلوم، يجب أن تخضع إلى متطلبات خاصة من الدلالات والأحكام ليس بهدف محاكمتها والانتقاص من قيمتها الأدبية بقدر ما تعني محاولة لافتضاضها والبحث عن عالمها البكر، ذلك العالم الذى بدونه لا يمكن لأي نص مطروح أن يعيش خارج أجوائه أو أن يتفاعل معه، فهو الأوكسجين الواجب توفره لإضرام أواره وصهره في بوتقة الإبداع الفني حتى نحصل على نص خالص قائم كوحدة متجانسة بذاتها تحاكي واقع المتلقي وتدمجه فيه أو ترفثه وبحسب متطلبات الطرح المتجسد في واقع اتسم بازدواجية الفكر ورفض موروثات الماضي مهما كانت تجاربه وخبراته التي وضع عليها أسس بنائه الشامخ واعتبارها أحد المراحل التشخيصية التي استنفدت أغراضها لهذا وجب التخلي عن التمسك بثوابتها النسبية ورفض أي محاولة لتغليب ماكان يعرف سابقا بالسائد (المألوف) واستبداله بكل ما قد يمكن أن يمثل متطلبات مرحلة لاحقة بحيث تظهر أثر الإبداع في تشكيل بنيان لا مستقر وعده إثراء مفتعلاً من خلال إعطائه لعناصر وصفة جديدة تستنطق مفرداته حتى يذوب في الركام المتداخل ومفهوم ثقافتنا المصهورة.
وعليه وجب على مبدعينا ـ في هذه الحالة ـ مسؤولية تركيب عناصر جديدة تتوافق ومتطلبات كل عصر وفق إيقاعات متحررة تهمش آثار القديم المستوحى وتدعم الجديد المستدرك إيذاناً باستكمال أهم المفردات الواجب توحيدها ووفق الدلالات والمعطيات التي تحددها آنية الكاتب وذاتية المتلقي.
ومما يؤكد هذا الرأي هو ذهاب العديد من الكتاب إلى رسم صور تعبيرية خالصة تميز الإنسان بقدرته التفاعلية والإدراكية بالشكل الذي يمكنه من فرض حضور يتسم باكتساب قيمة إيقاعية متولدة من تجانس حركة الإبداع وسلاسة المفردات ومن قدرة عمله على الاغتصاب والتنكر لسكونية القوالب المألوفة والصارمة. أي أنها تكون حينئذ عملية تحليل لبسائطها من أجل إعادة ربطها لتحقيق الرؤية التي يهدف لها الكاتب حالة صياغة نصه الأدبي وهي رؤية يهدف فيها إلى مشاركة القارئ بها وإلى الاستمتاع بالتوغل إلى داخل مجاهلها واستفزاز مخيلته للغوص والبحث عن تراكمات وإسقاطات تؤطر في داخل الفرد المتلقي قوقعة فكرة تحمل في طياتها نواة الانتفاض على الذات المضطربة الباحثة في الصمت عن فم يستوعب صرخاتها وتراكمات لمراهقة فكرية أحرقتها أفران وعجلة التطور الوائدة.