الخصومات العربية لعرفات.. إلى متى وبأي ثمن؟

بقلم: ماجد كيالي

ثمة التباسات عديدة في خصومة بعض العرب مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فهذه الخصومة ليست نابعة من انفراده بتوقيع اتفاق أوسلو، فقط، ولا من انتهاجه خط التسوية، فحسب، إذ هي، في الواقع، نابعة من أبعاد سياسية وشخصية وتاريخية أوسع.
وبصراحة فإنه يمكن تفهّم اختلاف البعض مع عرفات في عديد من السياسات، وبخاصة إدارته للوضع الفلسطيني ومداخلاته العربية والدولية، أما اختلاف البعض معه بسبب من سلوكه طريق المفاوضات والمساومات فهي قضية محيّرة فعلا في وقت ذهب فيه النظام العربي بمجمله إلى اعتبار السلام خيارا استراتيجيا مع إسرائيل!
ويحلو للبعض، في هذا المجال التركيز على عرفات من زاوية توقيعه اتفاق أوسلو، ولكن هذه النظرة مراوغة لأنها تغطي على حقيقة الموقف الرسمي العربي الذي لم يعد يجادل في وجود إسرائيل، كما أنها تحجب في الواقع المسؤولية العربية عن الانخراط في مؤتمر مدريد (أواخر العام 1991)، وفق شروط كان بعضها على غاية في الإجحاف بالنسبة للعرب وخصوصا بالنسبة للفلسطينيين، وفي كلا هذين الأمرين لا يملك عرفات ولا الفلسطينيون حق التقرير بهما، وما كان عرفات يذهب لخيار أوسلو، أصلا، لولا موافقة النظام العربي بالمبدأ.
ففي مدريد،مثلا، وافق النظام الرسمي العربي على المشاركة على أساس من الشروط التالية:
أولا: الدخول في مفاوضات مع إسرائيل على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام، وهذه هي المساومة الأساسية؛ إذ أن هذين القرارين يفتقدان لأي بعد فلسطيني، كما أنهما نقلا العرب من الصراع على وجود إسرائيل إلى الصراع على شكل هذا الوجود، أي من ملف حرب 1948 إلى ملف حرب 1967، ما يتضمن الاعتراف بإسرائيل، ويحصر الصراع معها بعودة الأراضي العربية المحتلة عام 1967.
ثانيا: موافقة كل طرف، من الأطراف العرب المعنيين، بإجراء مفاوضات ثنائية (انفرادية) مع إسرائيل؛ بدلا من الإصرار على التفاوض معها بوفد عربي مشترك، يطرح القضية برمّتها مرة واحدة.
ثالثا: الرضوخ لإرادة إسرائيل بشأن تغييب الفلسطينيين حيث لم يمثلوا في المؤتمر على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى، إذ اقتصر تمثيلهم على المشاركة بوفد من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في إطار الوفد الأردني، إمعانا من الإسرائيليين بشطب البعد الفلسطيني واختزال القضية الفلسطينية إلى قضية أراض محتلة، في سابقة خطيرة في نوعها؛ وبتقديري فإن حساسية القيادة الفلسطينية من هذا الموقف هي التي دفعتها نحو خيار أوسلو.
رابعا: تغييب العناصر الأساسية للقضية الفلسطينية ومنها قضية اللاجئين التي باتت في عهدة لجنة متعددة الأطراف من لجان التفاوض الإقليمي.
خامسا: الموافقة (وأن بشكل متفاوت) على الانخراط في مفاوضات متعددة الطرف، تشارك فيها إسرائيل، تناقش قضايا التعاون الإقليمي: العلاقات الاقتصادية، الحدّ من التسلح، البيئة، اللاجئون، المياه.
سادسا: القبول بمبدأي التفاوض والسلام من دون تحديد هدف التفاوض أو ماهية السلام.
الآن وبغض النظر عن الظروف التي أملت على النظام الرسمي العربي الخضوع لشروط انعقاد مؤتمر مدريد، الذي جاء في إطار التداعيات الناجمة عن حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفيتي (السابق) وهيمنة أمريكا على النظامين الدولي والإقليمي، فقد اثبت العرب أنهم قادرون على تغيير هذه الشروط أو تعديلها، بسبب من تغير الواقع والمعطيات المحيطة وبسبب من خلق العديد من المعطيات الجديدة. وعليه فقد استطاع العرب، مثلا، تجميد مفاوضات التعاون الإقليمي للتركيز على قضية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة، وإعادة طرح قضية اللاجئين على جدول الأعمال.
وما ينطبق على الوضع العربي ينطبق أيضا على الجانب الفلسطيني، إذ استطاع الفلسطينيون، بدورهم، تغيير المعادلات التي فرضتها اتفاقات أوسلو المجحفة، التي كانت القيادة الفلسطينية قدمت فيها تنازلات عديدة، للتعويض عن الحيف الذي لحق بها في مؤتمر مدريد، وذلك بحكم الطابع الصراعي للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية وبالتالي اندلاع الانتفاضة؛ ولا شك بأنه كان ثمة تأثيرا متبادلا بين التطورات الفلسطينية والعربية.
المهم أن ما تقدم يؤكد بأن معطيات الواقع السياسي هي في حركة دائمة وأن محاولة التأثير فيها للبناء عليها أو تطويرها أو تغييرها هي ما يجب التركيز عليه لتوليد معطيات جديدة. المعنى أنه لا يمكن وقف التعاطي مع عرفات عند لحظة اتفاق أوسلو، بل ينبغي النظر لهذه الشخصية الملتبسة والمتحركة نظرة مركبة تتناسب مع الواقع المركب والمعقد للقضية الفلسطينية، لفهم مرونته وصلابته، ومراوغته وبساطته، وبراغماتيته المفرطة ومبدئيته الرمزية.
وفي الواقع فإن هذه الشخصية المركبة لعرفات هي التي تفسر:
أولا: مقاومته الاملاءات الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بقضايا الحل النهائي: اللاجئين، القدس، المستوطنات، الحدود، الترتيبات الأمنية، في المفاوضات التي جرت في كامب ديفيد وطابا (من منتصف العام 2000 إلى أوائل العام 2001)، وفي مواجهة رئيس أكبر دولة في العالم (بيل كلينتون).
ثانيا: احتضانه للانتفاضة، التي يتغنى بها الكثيرون، فهذه الانتفاضة، التي يستمرئ البعض إغفال أي عنوان لها، بما هي عليه من حالة شعبية ومقاومة، تضطلع فيها حركة فتح بدور رئيسي، وهي الحركة التي يتزعمها عرفات نفسه، في محاولة من القيادة الفلسطينية تغيير قواعد العملية التفاوضية من كونها عملية املاءات إسرائيلية إلى عملية صراعية تتأسس على معادلة المفاوضة والمفاوضة لرفع كلفة الاستيطان والاحتلال خصوصا بعد انتهاء فترة الحل الانتقالي؛ وذلك على رغم كل الالتباسات والتعقيدات المحيطة بهذه المسألة.
ثالثا: رفضه الابتزازات الإسرائيلية، والأميركية بشأن فرض شروط جديدة لتطبيق تفاهمات تينيت وتوصيات لجنة ميتشيل، في مقابل رفع الحصار المفروض عليه، مرورا بفتح أبواب الإدارة الأميركية إذ آثر عرفات رفض هذه الابتزازات ومقاومتها وهو ما أدى إلى شن إسرائيل لعملية "السور الواقي".
النتيجة أن هذه الوقائع والمعطيات كانت تستوجب ترشيد الموقف من الرئيس عرفات، من دون التخلي عن وجهة النظر النقدية تجاهه، انسجاما مع ضرورة تدعيم الموقف الفلسطيني وتعزيزا لوحدة الشعب الفلسطيني، في مواجهة السياسات الإسرائيلية. والمفارقة أن الذين يختلفون مع عرفات يقولون أنهم يتخذون هذا الموقف بسبب مساومته على حقوق الشعب الفلسطيني وانتهاجه طريق المفاوضات والتسوية (بدلا من طريق المقاومة)، في حين أن إسرائيل تستهدف عرفات لذات السببين بعد عكسهما، أي بسبب تمسكه بحقوق الشعب الفلسطيني وبطريق الانتفاضة والمقاومة!
لا يمكن فهم خصومة عرفات إلا باعتبارها تحصيل حاصل للاضطراب السياسي في النظام الرسمي العربي الذي يتّسم، على الأغلب، بالازدواجية والمراوغة وشخصنة العلاقات والسياسات وتغليب المصالح القطرية على العربية والنصوص على الأفعال والشعارات على الإمكانيات، ولكن إلى متى؟ وبأي ثمن؟!