الخصخصة خيار استراتيجي لاصلاح الاقتصاد السعودي‏

الرياض - من اسامة الوديع‏
التخصيص والاستثمارات تغيران من طبيعة الاقتصاد السعودي

تشهد المملكة العربية السعودية منذ عام 1995 تطورات ‏ ‏اقتصادية وتنظيمية متسارعة وهامة تستهدف اعادة هيكلة الاقتصاد السعودي وتهيئته ‏ ‏للتعامل بكفاءة مع المتغيرات الاقتصادية العالمية وجذب الاستثمارات الاجنبية ‏ ‏المباشرة.‏
وشملت هذه التطورات انشاء المجلس الاقتصادي الاعلى والمجلس الاعلى لشؤون ‏ ‏البترول والمعادن والهيئة العليا للسياحة والهيئة العامة للاستثمار وصدور نظام ‏ ‏تملك غير السعوديين للعقار واستثماره ونظام الاستثمار الاجنبي في السعودية.‏
وفي هذا الاطار جاء قرار تخصيص مرفق البريد السعودي الذي صدر في العاشر من شهر ‏ ‏حزيران/يونيو الجاري وتحويله الى مؤسسة عامة للبريد تدار على اسس تجارية بمشاركة ‏ ‏القطاعين العام والخاص كاخر القطاعات الاقتصادية السعودية المستهدفة بالخصخصة.
واعتبر مدير دار الدراسات الاقتصادية السعودية الدكتور عبد العزيز داغستاني أن الحكومة السعودية تمضي بخطوات ‏ ‏متسارعة في تنفيذ برامج التخصيص التي باتت خيارا استراتيجيا لاصلاح الاقتصاد ‏ ‏السعودي وتفعيل دور القطاع الخاص للمشاركة بفاعلية في رفع الكفاءة الإنتاجية.
وقال إن استراتيجية التخصيص السعودية تشمل أنشطة حكومية ذات صبغة اقتصادية ‏ ‏تتمتع بمقومات البقاء والاستمرار والنماء وتحقيق عوائد للاستثمارات الخاصة وهي ‏ ‏ليست مشروعات متعثرة تحاول الحكومة التخلص منها.‏
وتعد استراتيجية الخصخصة التي يتولى تنفيذها المجلس الاقتصادي السعودي ‏ ‏الاعلى ابرز هذه التطورات الهادفة الى تعزيز نمو الاقتصاد السعودي وزيادة ‏ ‏المنافسة الحرة في السوق المحلي والتعجيل بانضمام السعودية لمنظمة التجارة ‏ ‏العالمية الذي تأخر منذ عام 1993 لتظل الدولة الوحيدة من بين دول مجلس التعاون ‏ ‏الخليجي التي لم تنضم للمنظمة حتى الان.‏
وتزايدت المطالبة بالاسراع في تنفيذ برامج الخصخصة في السعودية بعد الهبوط ‏ ‏والتذبذب في العائدات النفطية التي تشكل نسبة 70 في المائة من الدخل القومي ‏ ‏السعودي وتباطؤ الاقتصاد العالمي مما جعل السعودية في حاجة الى تنويع قاعدة ‏ ‏اقتصادها بفتح مجالات جديدة للاستثمار غير مرتبطة بالانفاق الحكومي واعطاء دور ‏ ‏اكبر للقطاع الخاص للمساهمة في المشروعات التنموية.
ورأى الدكتور الداغستاني ان نجاح برامج التخصيص في ‏ ‏السعودية يرتبط بتوفر الانظمة الحكومية المتسمة بالشفافية والمرونة التي تثري ‏ ‏مناخ الاستثمار المحلي والاجنبي وصدور انظمة جديدة كنظام اسواق الاوراق المالية ‏ ‏وتشجيع مشاركة راس المال الأجنبي.
وكانت السعودية قد خطت أول خطوة عملية نحو تخصيص المرافق العامة ونقل ‏ ‏ادارتها للقطاع الخاص في ديسمبر عام 1997 بتحويل مرفق البرق والهاتف الى شركة ‏ ‏مساهمة سعودية تدار على اسس تجارية. ‏ ‏ وعززت هذه الخطوة في عام 1999 بانشاء شركة للخدمات في مدينتي الجبيل (شرق) ‏ ‏وينبع (غرب) الصناعيتين وتبعها إعادة هيكلة قطاع الكهرباء بانشاء الشركة السعودية ‏ ‏للكهرباء في ابريل عام 2000 براسمال قدره 40 مليار ريال (16.66 مليار دولار) موزعة ‏ ‏بنسبة 77 في المائة للحكومة و7 في المائة لشركة ارامكو و16 في المائة للقطاع ‏ ‏الخاص.‏
وتعد الاتفاقيات الثمانية التي وقعتها السعودية في العام الماضي مع ثمانية ‏ ‏شركات اجنبية للاستثمار في قطاع الغاز بقيمة 25 مليار دولار اول استثمار اجنبي ‏ ‏رئيسي في هذا القطاع منذ تأميم قطاع النفط في عام 1975.‏ ‏ كما تعد تجربة خصخصة المؤسسة العامة للموانئ السعودية التي بلغت استثماراتها ‏ ‏حوالي 10مليارات ريال (2.66 مليار دولار) الاولى من نوعها في الشرق الاوسط والتي ‏ ‏اسندت للقطاع الخاص مهمة إدارة اعمال التشغيل والصيانة وادارة الارصفة على أسس ‏ ‏تجارية.
وفي نيسان/ابريل عام 1998 قررت الحكومة السعودية تأسيس شركة مساهمة سعودية للاتصالات ‏ ‏تدار وفق اسس تجارية في نطاق سياستها بتخصيص بعض القطاعات الحكومية واتبعته في ‏ايار/‏مايو الماضي باعلانها عن نيتها طرح 30 في المائة من حصتها للاكتتاب العام على ‏ ‏المواطنين بنهاية العام الحالي تمثل 72 مليون سهم قيمتها 960 مليون دولار من ‏ ‏اجمالي اسهم الشركة المقدرة بحوالي 240 سهم.‏
ومن جهته طالب مدير دار الخليج للبحوث والاستشارات الاقتصادية بالرياض الدكتور ‏ ‏توفيق عبد العزيز السويلم بوضع ضوابط تحكم عملية الخصخصة ‏ ‏في السعودية وتجنب اثارها السالبة على المجتمع والمنشات الوطنية والمتمثلة في ‏ ‏زيادة حجم البطالة بسبب لجوء بعض المؤسسات والشركات الى تخفيض حجم العمالة لتحقيق ‏ ‏عوائد ربحية.
وقال ان عملية الخصخصة تتطلب دراسات مستفيضة تتناول اثارها الاقتصادية ‏ ‏والاجتماعية وطرق احتوائها لاسيما وان سياسات بعض القطاعات التي تتم خصخصتها ‏ ‏تتغير الى سياسات ربحية دون النظر الى الاهداف الوطنية التي تخدم احتياجات ‏ ‏المواطنين فضلا عن انخفاض الدخل العام للدولة بعد ان تحولت ملكيتها الى القطاع ‏ ‏الخاص الذي قد يكون اجنبي.
وقال المستشار الاقتصادي الدكتور السويلم ان امتلاك القطاع الخاص لبعض ‏ ‏المؤسسات والمشاريع العامة من خلال عملية التخصيص يتيح له لعب دورا اكبر في تحقيق ‏ ‏النمو الاقتصادي ويساعد الدولة في تحقيق الكفاءة في ادارة وتشغيل الخدمات ‏ ‏والأنشطة التي تضطلع بها ويقلل من دعمها للأنشطة التي تشكل عبئا على الميزانية ‏ ‏العامة وتغيير طبيعة دور الحكومة في الاقتصاد الوطني وتشجيع العاملين على تملك ‏ ‏الشركات.‏
وحددت دراسة اقتصادية سعودية قدمت مؤخرا لمؤتمر الاستثمار في ‏ ‏السعودية الذي عقد في لندن مؤخرا ثلاثة تحديات تواجه الاقتصاد السعودي تتمثل في ‏ ‏تزايد النمو السكاني المقدر ان يصل الى حوالي 29.7مليون نسمة بحلول عام 2020 ‏ ‏وتذبذب اسعار النفط وتحسين البنية التحتية للقطاع المالي بتكلفة تقدر بحوالي 250 ‏ ‏مليار دولار في العشرين سنة القادمة.‏
وتتوزع هذه التقديرات لتحسين الاقتصاد السعودي بحوالي 115 مليار دولار لقطاع ‏ ‏الطاقة و20 مليار دولار للاتصالات و10 مليارات دولار للصناعات البتروكيماويات و25 ‏ ‏مليار لقطاع النفط والغاز و80 مليار دولار لقطاع المياه.‏
وتترقب الاوساط السعودية المهتمة بعملية التخصيص خطوات عملية لتنفيذ قرارات ‏ ‏تخصيص قطاعات الخطوط الجوية السعودية والسكك الحديدية وتحلية المياه وقطاع ‏ ‏التعدين الذي يعتبر تأسيس شركة معادن في عام 1997 ووجود توجهات لتخصيص الشركة ‏ ‏العربية السعودية للتعدين خلال العام الحالي خطوة لتخصيص هذا القطاع.
ويشير تطبيق نظام التامين الصحي ونظام العمرة الى نية الحكومة السعودية لخصخصة ‏ ‏القطاع الصحي لاسيما بعد تخصيص مدينة الملك فهد الطبية وصدور قرار بتحويل مستشفى ‏ ‏الملك فيصل التخصصي بالرياض الى مؤسسة عامة.‏
ويعتبر القطاع المالي الذي يضم تسعة بنوك مسجلة في سوق الأسهم السعودي احد ‏ ‏القطاعات القليلة التي تمت خصخصتها بالكامل اذ يملك القطاع الخاص نسبة 90 في ‏ ‏المائة من راس المال المتداولة في السوق السعودي والمقدرة بحوالي 187.4 مليار ‏ ‏ريال .‏
وظل قطاع التامين الذي تعكف الحكومة السعودية على وضع انظمة جديدة تسمح بقيام ‏ ‏شركات تامين سعودية مفتوحا للقطاع الخاص ويضم هذا القطاع نحو 98 شركة تعمل تحت ‏ ‏مظلة وكلاء سعوديين اضافة الى الشركة الوطنية للتامين المملوكة بالكامل للدولة.
ويأتي القرار الذي اصدره ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد ‏ ‏العزيز مطلع الاسبوع الماضي بتكليف امير منطقة مكة المكرمة الامير عبد المجيد بن ‏ ‏عبد العزيز بوضع استراتيجية لتطوير الرياضة السعودية بمشاركة القطاع الخاص ‏ ‏والبنوك في نطاق استراتيجية لتخصيص هذا القطاع وتحويل الاندية الى شركات تجارية ‏ ‏لا تعتمد ماليا على الحكومة او التبرعات.‏
يذكر ان المجلس الاقتصادي الاعلى الذي يترأسه ‏ ‏الامير عبدالله بن عبدالعزيز تشكل في اب/اغسطس عام 1999 لترتيب اوضاع الاقتصاد ‏ ‏السعودي من خلال عدة استراتيجيات ابرزها خصخصة بعض المرافق الحكومية بهدف تخفيض ‏ ‏الدين العام على الحكومة السعودية المقدر بنحو 170 مليار دولار. (كونا)