الخزانة فارغة والأمن بيد فتح والأمر لعباس، فأينَ حماس؟

بقلم: حسن الحسن

لم يكن أبوات فتح وأبناؤها الذين تطفح وجوههم شَرَهاً بالسلطة ليتركوا حماساً تغنم الحُكمَ وتهنأ به، فهذا أمر محال ويتجاوز كل قوانين اللعبة السياسية المقيتة المعمول بها في عالمنا الإسلامي اليتيم.
مفارقات كثيرة تحكم المعادلة الفلسطينية التي أعقبت الانتخابات، إذ مازالت منظمة فتح تتعاطى مع الواقع السياسي الفلسطيني على أنها الآمر الناهي فيه، وهي لا غيرها من يحق له أن يتحكم بتفاصيل المشهد السياسي داخليا وخارجيا، على الرغم من استشراء الفساد فيها إضافة إلى خسارتها المهينة في الانتخابات الأخيرة، فيما تمارس حماس دور المعارضة من على مقاعد الحكومة ذات الخزانة الفارغة، ومازالت تدأب على انتقاد قرارات السلطة ونقضها وكأنها خارجها!
للمرة الألف يفوت الساعين إلى السلطة (أية سلطة)، أنَّ الحُكم ليس مجرد انتخابات، حتى لو تم اكتساحها، إذ لا يكفي التأييد الشعبي للذين ينشدون التغيير السياسي في العالم الإسلامي (خذ جبهة الإنقاذ في الجزائر مثلا)، ويكفي أن نلحظ واقع حكام العرب الذين يمتلكون زمام الأمور كلها، رغم كراهية شعوبهم لهم ولعناتهم عليهم، أولئك الحكام الذين يرعون مصالح القوى الأجنبية حصراً، والذين لو ترشح جُحَا أمامهم فاز. فعماد السلطة النفوذ والقوة ولا تعد الانتخابات سوى إحدى شكليات انتقال السلطة لا غير.
جدلٌ كبير طال الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، ابتداء من ادعاء البعض مفاجأة نتائجها المجتمع الدولي، وصولاً إلى قول آخرين بتدبير الأمر من ألفه إلى يائه بمكر مألوف من الدول الكبرى لتوريط حماس وإنهاء الملف الفلسطيني على نحو ما. إلا أنَّ ما تلا ذلك الجدل ينسف أهميته، فاللعبة السياسية الآن تحكمها معطياتٌ واقعيةٌ جديدة، يكفي الوقوف عليها لمعاينة اتجاه البوصلة في قضية فلسطين.
فحماس شكلت حكومة السلطة، بينما اليهود من أمامها وبوارجهم في البحر من ورائها وعساكرها على كل مخارج ومداخل مدن الضفة والقطاع (عدا معبر رفح الذي تكفل به النظام المصري)، وعباس رأس السلطة الفاعل دستورياً! ومنظمة فتح العمود الفقري للسلطة والممسكة بأهم مفارزها. ويمسك بخيوط اللعبة من بعيد الاتحاد الأوروبي الذي زرع "إسرائيل" في فلسطين، والولايات المتحدة التي حولتها إلى القوة العسكرية الأولى في المنطقة، وهيئة الأمم ومجلس الأمن، تلك المؤسسات التي لا تخرج عن طوع الدول الكبرى التي صنعتها كي تضمن استمرارية هيمنتها ونفوذها في العالم.
المطلوب من حماس فتحاوياً، أن تعترف أنها ليست أهلاً لاستلام السلطة وأنها قد خدعت الشعب الفلسطيني بشعاراتٍ براقة لا أمل في تحقيقها، وأن عليها أن تعيد الأمر لفتح الوالد الشرعي للسلطة. والمطلوب دولياً اعتراف حماس الكامل والنهائي "بإسرائيل" والدخول في أتون عملية التسوية بالشروط الدولية المعروفة. وليس غائبا عن أحد أن الورقة المستعملة هنا هي رغيف الخبز، حيث يُنتظر أن يتضور الناس جوعاً فيفقدون صبرهم فيمارسون ضغوطاً على حماس كي تعيد السلطة إلى فتح أو أن تسير فيما سارت فيه الاخيرة.
الذريعة فتحاوياً، أنّ مواقف حماس تجر على الشعب الفلسطيني الويلات وتتسبب بإغضاب المجتمع الدولي وانقطاع مساعداته، وأن على حماس التوقف عن خداع الجماهير وإعادة الأمر لفتح صاحبة المشروع الوطني الفلسطيني. وأما الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي أصحاب النظام الدولي القائم على الظلم والافتئات على المستضعفين من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة، فإنهم بطبيعتهم لن ينظروا إلى حماس سوى من الزاوية التي تخدم مصالحهم وتمثل "إسرائيل" حجر الزاوية فيها في هذه المنطقة من العالم، وهو ما يرجح أن الدول الكبرى ستمنح حماس صاحبة الشرعية "الديمقراطية" الفرصة لتبديل أجندتها والتخلي تدريجياً عن ثوابتها، وإلا فإنها لن تعجز عن الإطاحة بها بعد تشويهها وتحطيمها ومعاقبة الناخبين على اقتراعهم لها.
من جهتها، تعول حماس على تفعيل معونة الدول العربية بدلاً من الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية، مع أن تلك الأنظمة مجتمعة تعترف بـ"إسرائيل" صراحة من خلال عراب مبادرة الجامعة العربية العاهل السعودي الملك عبد الله، وهو ما يخالف أجندة حماس المعلنة: بلا اعتراف ولا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين، كما أن الأنظمة العربية هي رهن إشارة الدول الكبرى ولا قِبَلَ لها بمخالفتها وبخاصة أميركا الحليف الصدوق "لإسرائيل"، فضلاً عن أن تلك الأنظمة هي من جنس السلطة التي عملت حماس على تغييرها لفداحة تنازلاتها واستشراء الفساد فيها، ولذلك فلا تجانس بينها، كما ستهتم تلك الأنظمة من كل بد بإفشال المشروع المعلن لحماس لأن نجاح مشروع الأخيرة يعني تهديداً مباشراً لها إذ إنها (أي الأنظمة) ستفقد مبررات وجودها المتبقية، ولن تبقى إذ ذاك الضرورة التي لا بديل عنها للاستقرار والتنمية!
بدورهم، فإن ناخبي حماس سيصبرون، ولكن إلى متى؟ فأهل فلسطين يقطنون مدناً ومخيماتٍ أشبه بمعتقلات، تعج بالبشر والفقر والقهر، ونزاهة النفس ونظافة يد الوزراء الجدد واقتصار فطورهم على الفول والفلافل في اجتماعاتهم الوزارية لن يحل مشاكل الناس، فطالما أن الخزانة فارغة والأمن بيد من تسببوا بفلتانه وعباس هو الحَكمُ فيما يختلف فيه سدنة السلطة الحقيقيون من فتح ووزراء حماس، والضغوط الداخلية والخارجية ستتصاعد، والإعلام الموجه سيتكفل بتشويه فضائل حماس فضلاً عن عثراتها وأخطائها بغية إضعافها لإتمام السيطرة عليها وإقحامها في المخططات الدولية.
ثمة حلان مطروحان في هذا السياق، الأول هو اعتماد حكومة حماس على سياسة قلب الطاولة على جميع اللاعبين، وعندها ستكون الخطوات المقبلة أشبه بعملية انقلاب على قوانين اللعبة السائدة فلسطينيا وعربيا ودولياً. وذلك باعتماد الإسلام المصدر الوحيد في التعاطي السياسي والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي، ابتداء من إعلان إلغاء منظمة التحرير كلياً وبالتالي كل ما أنتجته من اتفاقات بما فيها السلطة نفسها، واعتبار أن السلطة الحالية هي نتاج عملية انتخابية مباشرة تؤسس لأمر جديد له ما بعده ولا يبنى على ما سبق، وانتهاء بإغلاق كازينو أريحا المشؤوم، وإلزام المذيعات والموظفات باللباس الشرعي، فضلاً عن إيقاف أغاني مارسيل خليفة التي يتمنى أن يصبح فيها إلهاً أو الأغاني الوطنية التي تتمرد على الله كتلك التي ينشدونها عن رام الله ويجهرون فيها بأنهم لا يخافون من الله علانية على تلفزيون فلسطين.
من ناحية فإن هذا الحل سيضع حماس أمام مواجهة عاصفة مع التيارات المجابهة للإسلام السياسي، ليس محلياً فقط بل إقليميا ودوليا أيضاً، وسيتعاضد جميع هؤلاء لإنهاء هذه الحالة الإسلامية، ولكن من ناحية أخرى فإن ذلك سيؤمن لحماس معاضدة التيارات الإسلامية كافة لها وبدون استثناء، كما سيضمن التفاف غالبية شرائح الأمة حولها، وستستمد حماس حينذاك قوتها من شعبية جارفة على مداد العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي سيؤدي إلى غليان المنطقة ويهدد الأنظمة العربية بشكل مباشر وقد يودي ببعضها. وستكون حماس حينذاك أشبه بغلام الملك وما روي عن عجيب أمره بين الساحر والراهب.
علينا الاعتراف أن هذا المنهج في التفكير وهذا النمط من الأداء ليس هو ما أعدته حماس لنفسها كما أنها لم تهيئ محازبيها وناخبيها له، حيث تعتبر حماس نفسها كجزء من تيار أشمل وأوسع يمثل الحصانة الحقيقية لعدم الانزلاق في التغيير الانقلابي الشامل المفاجئ، لاعتبارات عديدة تحكمها تجارب وأفكار أساسية ترسخت مع الزمن أهمها: "الواقعية" و"الاعتدال" و "التدرج".
والحل الثاني هو السير في طريق فتح الذي بدأ بـ: لا اعتراف لا تفاوض لا صلح وصولاً إلى سلطة الحكم الذاتي تحت إمرة يهود على أقل من 20% من أرض فلسطين، مضافاً إليها كل عوامل الهوان التي لا حاجة للتدليل عليها.
لن يمنح أي فريق حماس وقتاً طويلاً للتفكير، وليس بخافٍ أنها لم تكن مهيأة لما وجدت نفسها فيه، كما أن المطلوب منها الآن أعمال كثيرة ومطالب محددة وعلى عجل، فيما تحتاج هي إلى التأني والتدبر والتخطيط، فيما تشير كل المعطيات والدلائل على أنها لن تُمكّنَ من التقاط أنفاسها قط، وهو ما يفسر الضغوط المتواصلة عليها من الساعات الأولى لفوزها محلياً ودوليا، وأرغمت على تشكيل حكومة بمفردها، كي يتم حشرها في الزاوية وتطويعها.
التقطت حماس بعض الأفكار سريعاً وأخذت تستعملها بشكلٍ ارتجالي ومكرر، وبدأت مناظراتها مع رموز السلطة الفعليين والأبوات على الملأ، أولئك الذين ينتظرون أن تسنح الفرصة لهم كي يثبوا على ظهر السلطة من جديد. أخذت حماس تذكر بطهارة كفها وتضحياتها وصدقيتها وفي المقابل فساد من خلفتهم في السلطة وتنازلاتهم المتتالية، كما أخذت تنسج علاقات مع كل من فتح لها الباب من الأنظمة بدءاً من القاهرة وصولاً إلى موسكو، أملاً بإعطاء انطباع إيجابي عن انفتاحها ومرونتها للخروج من العزلة التي يراد فرضها عليها، مع أن كثيراً من تلك العلاقات منتقد جماهيرياً. مع إعادة التذكير أن لتلك الأنظمة أجندات ومشاريع خاصة تتوجس في مجملها من نجاح حماس وترتاب من عدم اعتراف الأخيرة بـ"إسرائيل" ما يحرج تلك الأنظمة ويفضحها.
الواقع يشي بأن السلطة الحقيقية مازالت بأيدي من أنشؤوها، ما يعني أن الفساد سيستمر والاضطراب الأمني كذلك، وسيلصق بالتالي كل عجز وإهمال وإخفاق بحكومة حماس، ما سيزيد التبعات عليها ويؤثر سلباً في قاعدتها الشعبية. إلا أن حماس تهدد برسائل مبطنة مفادها أن انهيار مشروعها يعني ولادة طبيعية وقوية لتنظيم القاعدة في فلسطين، ما يعني ضرورة التعاطي الدولي الإيجابي معها، كما تنتظر حماس بفارغ الصبر الانسحاب "الإسرائيلي من طرف واحد من الضفة الغربية على غرار ما حصل في غزة، الذي إن حصل (وهو مستبعد)، فسيحفظ لها ماء وجهها بخاصة أمام حركة فتح التي تبتلع الحسرات ويقتلها الغيظ من مآل الأمور ولو شكلياً إلى حركة حماس.
الواضح هو أن القوى الدولية لها حساباتها الخاصة في هذا السياق أيضا، وترى أن انقطاع الجزرة عن حكومة حماس ووجود العصا "الإسرائيلية" الغليظة فوق أهل الضفة والقطاع وتأهب فتح ورموز السلطة الحقيقيين للنيل من حركة حماس عند كل حدث، كل هذه الأسباب مجتمعة تولد لدى الولايات المتحدة والأوروبيين قناعة بإمكانية ترويض حماس وإرغامها على الخضوع لرؤيتهم في المنطقة. يساعد على نجاح هذا التصور غياب البدائل الميدانية الحالية لدى حماس إضافة لبرغماتية خطابها وقبولها باللعبة الديمقراطية التي تجعل مصير أية قضية رهنا بقبول الغالبية، وعند الحاجة الملحة ستستعين باستفتاء شعبي، ما قد يعفي حماس من المسؤولية المباشرة عن أية تنازلات محتملة.
أخيراً، ستبقى قضية فلسطين حَكَمَاً عدلاً على مدى استقامة كل من ارتبط بها، منظمات وأنظمة، ففلسطين بكامل ترابها أرض وقف إسلامي، لا تقبل القسمة ولا أنصاف الحلول، وهي ملك خالص للأمة الإسلامية جمعاء، ولا يصح التفريط فيها أبدا، كما لا يحق لأحد التنازل عن أي جزء منها تحت أي من الظروف. حسن الحسن
نائب ممثل حزب التحرير – المملكة المتحدة