الخرق الإيراني للاتفاق النووي يختبر صبر الدبلوماسية الأوروبية

أمام الدول الأوروبية خياران أحلاهما مرّ فإما الاستسلام للابتزاز النووي الإيراني أو مواجهته عبر تفعيل آلية فض النزاع بشأن اتفاق فيينا الموقع في العام 2015.



أوروبا تقاوم انهيار الاتفاق النووي بالدبلوماسية


غياب الحزم الأوروبي شجع إيران على انتهاك الاتفاق النووي


طهران تبقي الباب مواربا للتفاوض دون التخلي عن ابتزاز الأوروبيين


إيران تهرب من مأزقها بالتصعيد مراهنة على دعم أوروبي


انتهاكات إيران النووية تضعها في مواجهة مع حلفائها وخصومها

طهران/باريس - يشكل تحدي إيران لتحذيرات الاتحاد الأوروبي من خرق الاتفاق النووي الموقع في العام 2015، اختبارا قويا للدبلوماسية الأوروبية التي تقاوم لمنع انهيار الاتفاق، فيما تضع الخطوة الأخيرة التي أعلنتها طهران اليوم الأحد بأنها ستزيد خلال وقت قصير نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من الحد المنصوص عليه في الاتفاق، الشركاء الأوروبيين أمام أمرين أحلاهما مرّ، فإما الاستسلام للابتزاز النووي الإيراني أو مواجهته عبر تفعيل آلية فض النزاع بشأن الاتفاق النووي الإيراني.

وبموجب تلك الآلية سيعاد فرض كل العقوبات المنصوص عليها في قرارات صادرة عن الأمم المتحدة على إيران إذا أخفقت سلسلة من الخطوات المحددة لحل الخلافات بشأن الاتفاق في تحقيق هدفها.

واستنكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإعلان الإيراني قائلا إن القرار "انتهاك" للاتفاق بين طهران والقوى العالمية على الحد من تخصيب اليورانيوم.

لكن الحكومة الفرنسية لن تقوم بتفعيل آلية فض النزاع المنصوص عليها في الاتفاق حاليا وستمهل نفسها أسبوعا لمحاولة حمل جميع الأطراف على الحوار مرة أخرى.

وقال مصدر في مكتب الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه اليوم الأحد إن آلية فض النزاع بشأن الاتفاق النووي الإيراني لن يتم تفعيلها الآن. وتمنح الحكومة الفرنسية نفسها فرصة حتى منتصف يوليو/تموز الجاري لمحاولة الدعوة لمحادثات مجددا بين كل الأطراف.

الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي الإيراني
تعهدات إيران بموجب الاتفاق النووي الموقع مع القوى الكبرى في 2015

وأثارت طهران غضب المجتمع الدولي خاصة منه الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي في العام 2015، بإعلانها أنها ستزيد خلال وقت قصير نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من الحد المنصوص عليه في الاتفاق وذلك في تصعيد كبير يمكن أن يصل في النهاية إلى عودة كل العقوبات الدولية على طهران وفي خطوة من شأنها أن تزيد من تصاعد التوتر القائم مع واشنطن وحلفائها.

وحثت ألمانيا الحكومة الإيرانية على الكف عن اتخاذ خطوات تقوض اتفاق حظر الانتشار النووي. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية "دعونا إيران إلى الكف عن اتخاذ خطوات أخرى تقوض الاتفاق النووي".

وأضاف "نحث إيران بشدة على وقف جميع الأنشطة التي تتعارض مع التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة والعدول عنها بما في ذلك إنتاج يورانيوم منخفض التخصيب بنسبة تتجاوز حد المخزون المنصوص عليه في الاتفاق".

ودعت الحكومة البريطانية الجانب الإيراني إلى الوفاء بتعهداته النووية. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية "انتهكت إيران بنود الاتفاق وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة تبقى ملتزمة بالاتفاق بالكامل فإن على طهران التوقف على الفور والتراجع عن كل الأنشطة التي تخالف التزاماتها. ننسق مع أطراف الاتفاق النووي الأخرى بشأن الخطوات التالية وفقا لبنود الاتفاق".

وفي إسرائيل، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن قرار إيران خطوة بالغة الخطورة، داعيا أوروبا مجددا إلى فرض عقوبات على طهران، معتبرا أن "تخصيب اليورانيوم له سبب واحد ووحيد هو صنع قنابل ذرية".

واتخذت إيران قرارها متحدية تحذيرات غربية سابقة من ضمنها تحذيرات الاتحاد الأوروبي الذي يقاوم لمنع انهيار الاتفاق النووي بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده منه وأعاد فرض عقوبات مشددة على طهران لكبح أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة ودفعها للتفاوض على اتفاق جديد بقيود أوسع تشمل برنامجها للصواريخ الباليستية.

لكن إيران أعلنتها صراحة قائلة إن لن تقبل بالتفاوض تحت الضغط، محملة واشنطن المسؤولية عن التوتر الحالي لانسحابها من الاتفاق.

وتحاول إيران الهروب إلى الأمام في مواجهة الضغوط الأميركية بمساومة الاتحاد الأوروبي مراهنة على دعم يمكنها من الالتفاف على العقوبات ويتيح استمرار تدفق نفطها.

طهران لم تبد اي مؤشر على الاستسلام في مواجهة الضغوط الدولية
إيران تتحدى المجتمع الدولي بخرقها للاتفاق النووي

وبالفعل أعلن الاتحاد الأسبوع الماضي تفعيل آلية تجارة للتعاملات غير الدولارية لمساعدة طهران على تجاوز اثار العقوبات الأميركية، لكن الحكومة الإيرانية اعتبرت أن الإجراءات الأوروبية غير كافية.

ولم تبد إيران أي مؤشر على الاستسلام للضغط الذي يفرضه عليها الرئيس الأميركي في مواجهة اتخذت بعدا عسكريا بعد أن ألقت واشنطن بالمسؤولية على طهران في هجمات على ناقلات نفط وإسقاط طهران لطائرة أميركية مسيرة مما أدى لقرار بشن ضربات تراجع عنه ترامب في اللحظات الأخيرة.

ورفض الأوروبيون انسحاب ترامب من الاتفاق العام الماضي لكنهم لم يفلحوا حتى الآن في إنقاذ الاتفاق بحماية اقتصاد إيران من العقوبات الأميركية.

وتركت طهران بعض المجال للمفاوضات، حيث قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على تويتر اليوم الأحد إن كل الإجراءات التي اتخذتها بلاده لتقليص التزامها ببنود الاتفاق النووي "يمكن التراجع عنها" إذا أوفت الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق بالتزاماتها.

وقصر الاتفاق النووي مستوى تخصيب إيران لليورانيوم عند 3.67 بالمئة بما يقل كثيرا عن مستوى 20 بالمئة الذي كانت تقوم به قبل الاتفاق وأقل بكثير من مستوى 90 بالمئة الذي يسمح بصنع أسلحة نووية.

وكانت طهران قبل إبرام الاتفاق النووي تنتج اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمئة وهو الحد المطلوب لتزويد مفاعل طهران بالوقود وكان مستوى التخصيب في مفاعل بوشهر في جنوب البلاد خمسة بالمئة.

واتخذت العلاقات المتوترة منذ فترة طويلة بين واشنطن وطهران منحى أسوأ في مايو/أيار 2018 بإعلان الرئيس الأميركي الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرم قبل توليه المنصب وعاود فرض العقوبات على طهران.

ويعد تحدي طهران الجديد لواشنطن اختبارا للدبلوماسية الأوروبية. وناشدت الدول الأوروبية التي عارضت قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق، إيران بالإبقاء على التزاماتها.

وعبرت طهران عن إحباطها مما تقول إنه إخفاق من الأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق في إنقاذه من خلال حماية المصالح الاقتصادية الإيرانية من العقوبات الأميركية.

ورفع اتفاق 2015 النووي بين إيران والقوى الست معظم العقوبات عن طهران مقابل قيود على نشاطها النووي.