الخرطوم تقف بين خيارات الحوار والمواجهة

البشير يواجه تبدلا في المعطيات الراهنة

الخرطوم - شبه مراقبون وكتاب سودانيون ما يجري الآن في أروقة الأمم المتحدة ودوائر القرار الدولي بشأن الوضع في دارفور والسودان على وجه الخصوص، وفي القارة السمراء بشكل عام، بأنه أشبه ما يكون لخارطة طريق لصياغة "سودان جديد"، على شاكلة الشرق الأوسط الجديد.

واعتبر هؤلاء أن القرار 1706 الخاص باستقدام قوات دولية إلى دارفور هو نفسه القرار 1701 المتصل بالوضع في لبنان لكن مع فارق كبير هو أن في لبنان مقاومة عريقة ومدربة على أحدث أساليب القتال مع الإسرائيليين بينما دارفور والسودانيين مضى على حربهم مع المستعمر البريطاني سنوات طويلة وأنهكتهم الصراعات الداخلية والركض وراء لقمة العيش التي تزداد صعوبة، فليس من السهل عليهم مقاومة المستعمر القادم بقوة القانون الدولي وبأحدث ما توصلت إليه الآلة العسكرية كما يقولون. مشروع قديم
ويقول كتاب سودانيون إن ذهاب الدكتور جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان ترك فراغا سياسيا كبيرا لم يستطع خلفاؤه أن يملأوه على الرغم من طول الحرب التي خاضوها في الجنوب ضد القوات النظامية في السودان، والدعم الدولي الكبير الذي يلقونه من قادة العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
وأجل الفراغ السياسي الذي تركه موت جون قرنق مشروع السودان الجديد المنقسم على نفسه لكنه لم يلغه، ولما لم تتمكن الميليشيات العسكرية البديلة للحركة الشعبية أن تعجل بتعميم وصفة اقتسام السلطة والثروة وفقا لنظام فيدرالي ليس للمركز فيه أي سلطة غير الإسم لا أكثر ولا أقل، أما باقي المؤسسات فمستقلة الواحدة عن الأخرى تماما كالدول المتجاورة.

عندما وضعت حرب الجنوب أوزارها بعد توقيع اتفاقية الترتيبات العسكرية في منتجع نيفاشا الكيني في 25 أيلول/سبتمبر 2003 بين الحكومة السودانية التي مثلها وقتئذ النائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان طه والحركة الشعبية التي مثلها الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق، ظن السودانيون أن سنوات الدم قد ولت وأن بلادهم التي دخلت نادي الدول المنتجة والمصدرة للنفط ستقطع مع الحروب ومع قصص المجاعة والموت المجاني لصالح تنمية سياسية واقتصادية شاملة تنهض بالسودان وأهله.
وأحيا السودانيون في الجنوب والشمال على حد سواء الليالي الملاح وكتبت صحف الخرطوم التي أفاقت على حين غفلة على عهد جديد يمكنها أن تكتب فيه عن الجميع حتى لو كان عن ألد أعداء الحكومة. شهر العسل "شهر العسل" كما سماه البعض بين الفرقاء السودانيين لم يدم طويلا وأفراح السلام الجنوبي أثارت غيرة باقي الأقاليم السودانية التي تشعر بالغبن والتهميش فاندلعت الحروب مجددا في الغرب والشرق بين قوات نظامية ترعى كيان الدولة وتسهر على حماية الاستقرار في البلاد وبين جماعات رأت أنه لا بديل عن القوة في افتكاك الحقوق من حكومة قالوا بأنها لم تهتم بتوفير حاجاتهم الحياتية الضرورية.
وبدأت ميليشيات عسكرية متعددة بأعمال معزولة، وشيئا فشيئا تحولت إلى قوات مسلحة أربكت خطط الحكومة السياسية والعسكرية وأجبرتها على منازلة ميدانية عناصرها غير متكافئة ومجالها صحراوي موغل في التعقيد لا يعرف خفاياه إلا من عايشه وتمرس دروبه.
وأسلحة المتمردين في غالبها بدائية لكن اعتمادهم حرب العصابات كبد القوات الحكومية خسائر مادية وبشرية فادحة لم تستطع أن تتغلب عليها حتى وهي تستعمل الطائرات والقوات المجهزة بأحدث الأسلحة. علاقات متشابكة بعض المراقبين أعاد تعقيد الأزمة بين السودانيين إلى طبيعة السودان في حد ذاته وموقعه الجغرافي الذي جعله على علاقة بدول مختلفة ذات أعراق وثقافات متباينة.
فالسودان بلد إفريقي يقع في جنوب الصحراء الكبرى ويمتد على مساحة مليون ميل مربع، وصفها البعض بأنها قادرة على أن تكون سلة غذائية للعالم برمته، مساحة تمتد من المحيط الأطلسي غربـا إلى البحر الأحمر والمحيط الهندى شرقـا يحده من الشمال جمهورية مصر والجماهيرية الليبية ومن الجنوب كينيا واوغندا والكنغو ومن الغرب تشاد وأفريقيا الوسطى، ومن الشرق أثيوبيا وأريتريا والبحر الأحمر.
وإذا أضفنا لهذا الكم الهائل من دول الجوار المنقسمة على نفسها المتحاربة فيما بينها قصة التنافس الفرنكفوني الأنجلوسكسوني الذي أضيف له في العقود الأخيرة الأميركي على المنطقة يمكن حقيقة إدراك حجم التعقيد الذي يمكن أن تعرفه قضايا السودان خصوصا وأن هناك علاقات قبلية متشابكة بين هذه الدول مما يجعل الموازنة بينها أكثر صعوبة، ذلك أن رضاء الناس غاية لا تدرك كما جاء في الأثر. فرقتها غنائم السلطة قبل حزيران/يونيو 1989، أيام الحكم الديمقراطي ظن قادة الإنقاذ الذين يحكمون السودان اليوم أن بلادهم مقبلة على التفكك وعلى تسليمها لقمة سائغة للدول الاستعمارية الطامعة، لذلك جاءت حكومة الإنقاذ عام 1989 رافعة شعارات نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، لمنع الإنزلاق بالسودان مجددا إلى قوى أجنبية تفقده هويته الإسلامية.
وعلى الرغم من قلة المال والعتاد استطاعت حكومة الإنقاذ أن تصمد في وجه مؤامرات عسكرية تحالف فيها الجار من كل جانب مع القوى المتربصة وتم اكتشاف النفط وتصديره في خطوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ السودان الحديث.
إلا أن حكومة الإنقاذ التي وحدتها العقيدة والبرنامج السياسي وقوى أواصرها العدوان الخارجي لسنوات طويلة سرعان ما فرقتها غنائم السلطة والجاه فخاضوا جولات من السجال السياسي والقانوني اشترك فيها بالإضافة لجناحي الإنقاذ سياسيون معارضون في الشمال والجنوب وفي الداخل والخارج انتهى بهم إلى ردهات المنظمات الدولية وقواها المتنفذة وعلى رأسها مجلس الأمن. ضاقت الخيارات لم يكن القرار الأممي 1706 الذي منح قوات الاتحاد الإفريقي مهلة ثلاثة أشهر إضافية لإعادة الأمن إلى دارفور هو الأول في تاريخ العلاقة بين مجلس الأمن والسودان عامة وحكومة الإنقاذ على وجه الخصوص، لكنه بالتأكيد القرار الأكثر صرامة والأعقد ليس في تاريخ العلاقة بين حكومة الإنقاذ والمجتمع الدولي فحسب بل وفي تاريخ حكومة الإنقاذ نفسها، التي اختارت عن سابق إصرار وترصد أو عن سوء نية أن تخوض هذه المعركة برئيسها الذي أعلن أنه سيتحول هو ونظامه إلى مقاومة لأي قوات دولية بديلة لقوات الاتحاد الإفريقي، فضاقت الخيارات أمام الإنقاذ ولم يعد لها من مهرب إما التنازل أو الصمود والمواجهة، وكلاهما موقف مر لا شك أن قادة الإنقاذ يدركونه جيدا. سباق مع الزمن جهود الحكومة السودانية والحركات المسلحة والجهود الإقليمية والدولية تسابق الزمن للحيلولة دون انزلاق السودان إلى فوضى إفريقية لن تكون آثارها على السودان وحده بل على منطقة القرن الإفريقي والقارة السمراء التي أقعدتها الصراعات القبلية عن خوض غمار تجارب التنمية الاقتصادية المستقلة بما يخدم مصالح شعوبها.
وليس بعيدا عن كل هذا منابع النيل والحروب التي قال علماء المستقبل إن رحاها ستدور حول الذليل الموجود والعزيز المفقود ويقصدون بها المياه، التي تشكل مصدرا لعدة ازمات بين دول العالم وخصوصا في الشرق الأوسط.

وكثرت المبادرات الوطنية السودانية لحل أزمة دارفور وتعددت وجهات النظر لكن الواقع لم يتغير بعد، وفي آخر المبادرات أن مجلس الوزراء السوداني وجه بالإسراع في تنفيذ اتفاق سلام دارفور ومعالجة الأوضاع على الأرض بتفعيل المصالحات بين القبائل وتوفير العون الإنساني وإعادة الأمن والطمأنينة للمواطنين تحت إشراف مباشر للجنة العليا لتنفيذ الاتفاق التي يرأسها عمر البشير نفسه وتضم في عضويتها نائبي الرئيس ومساعديه وممثلين لحكومة الوحدة الوطنية مهمتها جمع أهل دارفور حول اتفاقية سلام تحفظ حقوق الجميع وتؤمن وحدة السودان.

وبين استمرار الانفلات الأمني على أرض الواقع والضغوط الدولية هل تنجح حكومة الرئيس عمر البشير في إنجاز السلام بالسياسة لا بالحرب وبالحوار الداخلي لا بالقوات الأجنبية؟ (قدس برس)