الخامنائي... التناقض الفقهي- الكلامي في فتاواه

سلطة الدين والدنيا

إن ما يتطرق له في هذه الفقرات هو مناقشة علمية أجريت بعيدة عن أي أمر لا يمت للموضوعية بصلة؛ فقد تتناول فتاوى الخامنائي وكل باحث عندما يسلط الضوء على مسألة ما إنما يرصد الثغرة التي يراها قادرة على إجلاء الحقيقة والمراد منها هنا أن مرشد الدولة الإيرانية الخامنائي لم يثبت اجتهاده الفقهي، وأن فتاواه غير مبرئة للذمة بسبب مغايرتها لأركان الشريعة، والمباني الفقهية وكذا احتواءها التناقض الفقهي ــ الكلامي كما يبدو للعالم بالشريعة، وسوف يأتي الدليل على هذا في غضون البحث بصورة شفافة.

منصب سياسي

فهو غير مجتهد ولا بمرجع ديني وإنما منصبه السياسي ساعد على ترويج الاجتهاد والمرجعية له؛ لأنه غير معترف باجتهاده قبل إشاعة مرجعيته في البلدان العربية؛ ونشير لذلك بناء على معرفتنا بالمراجع والفقهاء الشيعة، والاتجاهات السائدة في الحوزة العلمية بقم والأهم من هذا فإننا نختبر مرجعيته وفق الاشتراطات والمعايير الملزمة لنيل درجة الاجتهاد في الشريعة وفق الأسس الشيعية.

وعليه فإن البحث يهدف إلى إظهار تطفل الخامنائي على الساحة الاجتهادية، وهو في واقع الأمر ليس بمجتهد وفقا لتعريف الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، وأن اجتهاده محض افتراء على الله ورسوله لأنه لم يستوف المعايير الاجتهادية المعهودة عند الشيعة حسب علمي بها وعلى هذا الأساس فاجتهاده يعد عينة فريدة خرقت متطلبات الاجتهاد من الناحية التشريعية والعرف السائد في إظهار المرجعية الشيعية منذ انطلاقها ولهذا اليوم.

لقد تم أختيار مجموعة فتاواه المعروفة بــ "أجوبة الاستفتاءات" كعينة للبحث إذ ليس له في مجال الفقه والفتوى سوى هذه المجموعة، وهذا من غريب الأمور في شخصية شيعية يدعي صاحبها الاجتهاد والنيابة عن المعصوم في عصر الغيبة الشيعي (ولاية الفقيه)، ومع ذلك لم يُعثر له على مؤلفات في مجالي: الفقه والأصول، سوى خطابات تم تدوينها كمولفات تناول فيها موضوعات أخلاقية وسياسية وإدارة الحكم في ظل الدستور.

كما لم يعثر له على مؤلَّف يثبت مبانيه الرجالية في التعامل مع النص الحديثي ثاني الأدلة من الأربعة المعتمدة عند الشيعة: الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع! سوى مقال في 40 صفحة لا يثبت له شيئا في علم الرجال تحدث فيه عن الكتب الأربعة الشيعية! قرأته مرة في أثناء الحياة العلمية في الحوزة العلمية بـ (قم)، ولم أجد مبنى رجالي فيه يعتمده في التعامل مع المتن والسند، أو الراوي والمُروى!

مهما يكن فلو تأملنا في مضمون الفتاوى، فتاوى الخامنائي الواردة في مجموعته (أجوبة الاستفتاءات) الجزء الأول، العبادات، الكويت، دار النباء للنشر والتوزيع، 1995 /1415هـ هــ (في إيران نشرت من قبل: سازمان فرهنك وارتباطات اسلامى، تهران 1374 هـ .ش)، وتضمنت العربية في طباعتها الأولى 1113 استفتاء في 347 صفحة، فإن الذي يثير الغرابة فيه الرسالة العملية الفريدة في تاريخ الرسائل الشيعية هو موضوع: التقليد، وولاية الفقيه، والخمس. وقد ورد في المقدمة (أجوبة الاستفتاءات 3 ـ 4) أن الخامنائي أفتى في المجموعة نتيجة توارد الآلاف من الأسئلة التي وجهتْ إليه! وأنه أجاب عليها من خلال منطلقين: الأولى أنه أعتمد فتاوى الخميني في استفتاءه للمستفتي!

الفتاوى المزاجية

والأخرى بناء على آراءه الفقهية! وعلى هذا فالفتاوى مزجية! لا يعرف بالضبط حدود امتزاجها بأن يستطيع العالم الناقد أن يخرج الجزء الخاص بكل منهما من الفتوى الصادرة.. ويبدو أنه ركز على "تحرير الوسيلة" للخميني 1989. ومن ناحية تشير المقدمة أن انتشار "أجوبة الاستفتاءات" جاء بعد أن أصر فقهاء السلطة! على النشر ولم يوافق الخامنائي إلا بعد حلول السبب المشار إليه، حسب زعمه، أجل هناك بعض الفتاوى أجاب فيها بناء على رأيه كما سيمر بنا وهي موضع التناقض الواضح الكلامي والفقهي.

لقد مرت الإشارة للموضوعات الثالثة وأهمه مسألة التقليد، المسألة التي تأخذ مجالا واسعا في الفقه الشيعي خصوصاً عند المتأخرين ولليوم الحاضر مما سببت صرعا في تاريخ الشيعة الحديث يعرف بصراع المرجعية. ونجد أن الصراع يتوسع بشكله الشفاف في عهد ثورة عام 1978 في إيران حيث أول من بدأ بتصفية المراجع جسديا أو القضاء عليهم بشتى أساليب القوة السلطوية هو منظّر ولاية الفقيه الخميني 1989.

ومن ذلك مثلا عندما أوصى في إهمال معالجة المرجع الأذري الشهير شريعتمداري إذ أدى ذلك لوفاته 1986، وكذا فرض الإقامة الجبرية ومنع نشاط المرجع العربي الأحوازي زعيم ثوار الأحواز الشيخ محمد طاهر الخاقاني 1919 ــ 1985 حتى توفي خارج الأحواز، ومهما يكن من الحديث فإن مسألة التقليد عند الشيعة يحتاج إلى إعادة النظر بناء على توافر الأدلة التي تنهى عنه إلا أن الذي اتفقوا عليه هو وجود المرجعية، وهي متأخرة لم تلحظ عند متقدمي فقهاء الشيعة، وهو موضوع سوف نبحثه في وقت لاحق ولكن الذي يلفت نظر العالم بالشريعة هو فتواه الغريبة في المسألة المثيرة للجدل في الساحة الشيعية (ولاية الفقيه)، ولذلك أفردها لها بابا في المجموعة تحت عنوان: "ولاية الفقيه وحكم الحاكم". وهذا ما سيأتي الحديث عنه بعد قليل لإثبات صحة المدعى الذي تعتمدة هذه الفقرات.

لقد تطرق في فتوى رقم: (59) قائلا إذ وجه إليه استفتاء ورد فيه: "هل الاعتقاد بأصل ولاية الفقيه من الناحيتين المفهومية والمصداقية عقلي أم شرعي؟ فأجاب: أن ولاية الفقيه - التي هي بمعنى حكومة الفقيه العادل العارف بالدين - حكم شرعي تعبدي، يؤيده العقل أيضا، وهناك طريق عقلائي لتعيين مصداقه مبين في دستور الجمهورية الإسلامية".

وكذا في فتوى رقم: (65) يفتي قائلا: "هل أوامر الولي الفقيه ملزمة لكل المسلمين أم لخصوص مقلديه؟ وهل يجب على مقلد من لا يعتقد بالولاية المطلقة إطاعة الولي الفقيه أم لا ؟ فأجاب: طبقا للفقه الشيعي يجب على كل المسلمين إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من ولي أمر المسلمين، والتسليم لأمره ونهيه حتى على سائر الفقهاء العظام فكيف بمقلديهم! ولا نرى الالتزام بولاية الفقيه قابلا للفصل عن الالتزام بالاسلام وبولاية الأئمة المعصومين عليهم السلام".

يظهر لنا من خلال تسليط الضوء على فتاواه في المسألة المنظورة ولاية الفقيه أن الفتاوى لا تخلو من تناقض! فعلى سبيل المثال في رقم (59) عدّ (ولاية الفقيه) من ضمن الأحكام التعبدية والتي مؤداها من ناحية علم أصول فقه الإسلامي عمل ينتقصه فهم حكمة الإمتثال لنتيجة الخطاب التشريعي، وهو يختلف عن التوصلي، والأدهى من ذلك أنها تحظى بتأييد العقل! بينما في فتوى رقم (65) المسألة نفسها (ولاية الفقيه) نجدها أصبحت من أركان المذهب الاثني عشري الإمامي!

فقد يعرفها أنها متأصلة في موضوع الإمامة، ولكن قد يتوصل إليها إنسانٌ ما إثر الدليل والبرهان بعدم الإلزام بها، أي: أنه يتوصل أنها غير إلزامية من وجهة نظر الشريعة فيكون معذورا! والسؤال هنا فكيف يمكن لأمر واحد أن يكون من جهة متصفا بالتعبدية الإلزامية ومن جهة أخرى يقتبل إقامة الاستدلال والبرهان العقلي؟ أي أنه ثبتت تعبديته وفقا للأدلة ومع ذلك يمكن عده أمرا عقليا لا يمت للتعبدي بصلة؟

إن المعنيين بالشريعة، وأساتذة علم أصول الفقه الإسلامي، يعلمون جيداً أن الأمور التوصلية والتعبدية والعقلية كل واحد منها لا تخضع لقبول خصوصية الآخر، بكل تأكيد هذا النوع من الخطاب لم يرد في الشريعة بتاتا! إذا فما هو الدليل الذي أفتى في ضوئه ولي أمر المسلمين المزعوم؟ وإضافة على ذلك كيف يمكن لأمرٍ أن يكون اعتقاديا (ركنيا مذهبيا)، ومع ذلك يمكن عدّه من الأحكام التعبدية الإلزامية؟

إن التناقض الواردة في هذه الفتاوى الغريبة يثير الاستغراب ويجعل ولاية أمر المسلمين المزعومة أمام أسئلة أصمة لا تقتبل الإجابة إلا أن يكون قد أفتى بغير شرع الله تعالى! وأسس ما أنزل الله بها من سلطان وهذا ما دعانا أن نسلط الضوء على فتاواه الغريبة التي لم تشهد الرسائل العملية الشيعية عينة منها، وهو دليل كاف لبيان عدم اجتهاد رجل فرض نفسه بقوة السلطة و نظرية (ولاية الفقيه) ودعواها الفارغة، حيث أثّرت على جماعات ومناطق واسعة من تلك التي يقطنها الشيعة منها القطيف والأحساء في المملكة العربية السعودية الشقيقة والعراق الجريح ولبنان وأشد ممن تأثر بها حزب الله.

يفتى باسمه

ويظهر أن الفتاوى لم تصدر من قبل الخامنائي، وهناك شاهد مهم فات منسق هذه الفتاوى المزجية الغربية، وهو يصرح في المقدمة نفسها أن الخامنائي أجاب على الفتاوى مع كثرة انشغاله بشؤون الأمة! وهو قول نعرف عدم صحته من خلال حياة "قم" الحوزوية حيث تقوم هيئة الإفتاء لهذا القبيل من المرجعية بكتابة الفتاوى، وأحيانا دون علم المرجعية، مما قد تحوي تناقضا غريبا كما مر قبل قليل، ومن الواضح أن هذا التناقض يتعهد كشف حقيقة مرجعية الخامنائي ويحبط زعمه الاجتهادي، وسوف نستمر في بيان ذلك بموضوعات متعددة لتقديم مزيد من الأدلة لإثبات صحة ما نذهب إليه بشأن مرجعيته ومسألة اجتهاده.

كمال العنزي

مدرس الشريعة والفلسفة سابقا بحوزة قم

تويتر: kmalalshekh