الحياة تدب في تماثيل محمود مختار

اعمال مختار (من اليمين): الخماسين، بائعة الجبن، فلاحة ترفع المياه والسيدة هـ.ا.

القاهرة - قدم المخرج اللبناني وليد عوني مدير فرقة الرقص المسرحي الحديث في مصر عرضا تجريبيا افتتح به مهرجان القاهرة الدولي الخامس عشر للمسرح التجريبي وجذب اهتمام الحضور في حفلة الافتتاح . فلم تكن تماثيل محمود مختار أشخاصا نفخ فيها المخرج حياة في عرضه التجريبي فحسب، بل كانت للعرض خلفية تاريخية على أرض مصر جسدها إيقاع وحركات التماثيل الحية لتبرز ارتباط أعمال محمود مختار بأرض مصر وهوائها ومائها على مر العصور.
ففي مسرحية "حلم نحات" أو كما أسماها المخرج "محمود مختار ورياح الخماسين" في إشارة إلى اسم أحد تماثيله الشهيرة، جمع وليد عوني بين الماضي والحاضر من خلال هذه التماثيل التي "يتحرك جمالها وهي صامتة" على حد قوله. لقد جمع هذا العرض بين شخصيات فرعونية مثل ايزيس وعروس النيل وشخصيات عاصرها النحات الشهير على رأسها أم كلثوم وسعد زغلول وهدى شعراوي.
قدم وليد عوني في بداية العرض أعمال محمود مختار في صورة أشخاص عاديين - فتيات ما لبثن أن ارتدين أكياسا بيضاء مطاطة تتمدد وتنصاع لحركات الجسد وملاءات بيضاء تتطاير وترفرف على أجسادهن بفعل المراوح التي وضعت على جانبي خشبة المسرح، ذلك على حد قول المخرج "لان الهواء أعظم نحات تعلم منه محمود مختار ليعطي تماثيله ايقاعات للنسب الجبارة كما فعل أجداده الفراعنة وكأنه يريدها أن تتحرك في مخيلتنا كالهواء".
لقد أبرز التجريب الذي قدمه وليد عوني لحظات الخلود عندما ترتبط بالطبيعة ويكون الزمن المتغير رهنا بها وطوعا لها. وكان الخلود في الحجارة التي صنع منها محمود مختار فنه. فقد جسد المخرج شخصية محمود مختار التي مثلها الفنان هاني محمود وصوّر فرعونا يسلمه أدوات النحت التي يخلد بها نفسه والاخرين من خلال فنه. وعبرت التماثيل الحية التي ألبسها المخرج أردية تبدو فيها كتماثيل محمود مختار عن أشهر أعمال رائد النحت المصري مثل "فلاحة ترفع المياه" و"على شاطئ النيل" و"بائعة الجبن" و"العودة من السوق" و"ابن البلد" و"الحزن" و"حارس المزرعة" و"سعد زغلول" وغيرها.
كانت الحجارة الخالدة النابضة بالحياة التي وضع فيها محمود مختار كل أحاسيسه تجمع بين القديم والحديث بلا فاصل زمني كما في تمثال "نهضة مصر" الذي يصور أبو الهول مع فتاة ترمز إلى مصر الحديثة التي كان يأمل محمود مختار أن تنهض وأن تعيش التنوير بحق. فعلى هذه الارض كان الفراعنة يأملون في الخلود وكان محمود مختار يخلد الهوية المصرية على مر الزمن ويأمل في نهضة كبرى يصنعها أبناء الارض التي أنجبت الفراعنة.
وقد تتابعت على خشبة المسرح شخصيات مثل زعيم الامة سعد زغلول بطل ثورة عام 1919 وهدى شعراوي رائدة النهضة النسائية وظهر بينهما علم مصر ذو الهلال والنجوم الثلاثة.
لقد جمع وليد عوني في عرضه التجريبي في كل المشاهد بين القديم والجديد، فقد حرك التماثيل لدقائق "لطالما كان جمالها يتحرك وهي صامتة" على حد قوله، وجمع في إخراجه بين الموسيقى القديمة والحديثة والشرقية والغربية، كما أذاع مقطوعات غنائية نادرة لسيدة الطرب العربي أم كلثوم من ألحان أحمد النجريدي حينما كانت في بداياتها الفنية مثل طقطوقة "يا كروان والنبي سلم"، ومطلع طقطوقة الحب كان في سنين كلمات أحمد رامي. وصاحبت الالحان الحديثة مشاهد عروس النيل. وصدح أيضا صوت موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب في أحد أبيات الشعر "سر بنا يا شعب وانفتح يا درب" في لمحة موسيقية قصيرة وكذلك صوت أم كلثوم في بضع كلمات من قصيدة وطنية حديثة نسبيا.
ويقول النقاد إن اختيار المخرج وليد عوني "رياح الخماسين" عنوانا لعرضه يعكس عصرنا الراهن الذي يصطخب بالازمات. وأوضحوا أن محمود مختار كان يرمز بهذا التمثال إلى مكافحة التخلف والتعصب وكان يحدوه الامل في أن تحقق مصر نهضة علمية وفنية وثقافية كبرى.
ولد محمود مختار عام 1891 وتوفي عام 1934. عاش فترة من الزمن قدم فيها "نموذجا أساسيا للخيال المسرحي والابداعي" على حد قول المخرج وليد عوني.
وتتواصل عروض مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حتى العاشر من أيلول/سبتمبر.