الحياة المسكوت عنها في 'نوافد الضوء'

دعوة إلى معرض الفنان

تونس ـ انطلق برواق يحي بالبلمريوم وسط العاصمة تونس معرض الفنان التشكيلي التونسي حسين مصدق "نوافذ الضوء" ويتواصل إلى غاية يوم 12 أبريل/نيسان القادم.
ويتضمن المعرض 42 لوحة تقدم أهم المراحل التشكيلية والفنية والتقنية والإنسانية التي عبرت منها تجربته الفنية الثرية.
ويشكل هذا المعرض حدثا تشكيليا استثنائيا في تونس فرضته قيمته الفنية، يتمثل في أنه ينتظم للمرة الثالثة على التوالي خلال أقل من أربعة أشهر.
إذ كانت المرة الأولى خلال شهر يناير/كانون الثاني 2007 برواق الفضاء الحر بالتياترو بتونس العاصمة، والثانية في شهر مارس/آذار المنقضي بولاية تطاوين في إطار المهرجان الدولي للقصور الصحراوية.
وبهذا الإنجاز يحقق حسين مصدق سبقا تاريخيا ثقافيا يتمثل في أنه أول فنان تشكيلي تونسي يتم استضافة معرضه ثلاث مرات خلال أربعة أشهر فقط.
وحسين مصدَق فنان تشكيلي تونسي درس الفنون الجميلة في سوريا، يشارك ويعرض أعماله منذ سنة 1990 في تونس وخارجها.
وهو يتميز بأسلوب خاص ورؤية متميزة تشكل لوحاته.
لقد اختار لمفرداته تميزا واضحا، واستعار لها من الألوان والخطوط قيما فنية خاصة ارتبطت في أذهاننا بالرسومات العفوية في مجتمع الأطفال، وهم يسطرون خطوطهم الأولى ويرسمون بفطرة وعفوية وبراءة في محاولة لاكتشاف ما يحيط بهم من أشكال مجردة جاذبة.
وتؤكد أعمال الفنان بأنه يحمل ذاكرةً بصريةً حادة، مسكونة بعناصر المكان ومفرداته.
وهو يعمل باجتهاد واضح ليقدم لوحة تفضي بما تمليه تلقائية المشاعر للوصول إلى فضاءات هائلة الحجم.
شخوص أعماله يشكلون صورة من تلك الذاكرة بحركات من البساطة والعفوية، أضفت على لوحاته لمسة عميقة يشكل بها مسرحه الخاص المتمثل في بياض قماش اللوحة أين يحرك تلك الشخوص حسب تراكمات أحاسيسه ومشاعره.
واستخدامه لهذا المنحى يتناسب ومواضيعه التي استمدت أحداثها من عوالم وجوه الناس، المرأة، جدران المدينة ونوافذها، الطبيعة الصامتة.
وهي عوالم محاطة بالخصوصية، ومن الصعب الولوج إليها أو الاحتكاك بها من قبل المشاهد إذا لم يتسلح بذائقة جمالية عالية.
برفق يأخذنا الفنان لنشاهد ونتعرف عن قرب ومن دون حرج، على عوالم ومساحات لونية قاتمة محورها الرئيسي الضوء المنبعث من جدران المدينة ونوافذها، التي يحرك فيها شخوص لوحاته، يزخرفها أحيانا بمفردات من التراث البصري المرتبط بالعادات والتقاليد بتناول فني حديث.
كما أنه يصوغ مساحاته بذكاء ممزوج بالعفوية ليبدع هذا الكم من الأعمال المميزة المتنوعة شكلا والمترابطة تجريبا وبحثا، ليصنع عالمه الخاص ضمن إطار اللوحة ويرسم لنفسه خطا وأسلوبا وهوية خاصة.
وهو بذلك يؤكد على شمولية الرؤية الخاصة بالمشهد الذي تدور أحداثه من خلف تلك النوافذ التي يرى أنها تنبي بكثير من الضوء المنبعث منها ومن خلف تلك الجدران التي تحجب المشهد بكل تفاصيله.
وفي ذلك يبدو منحازا للإنسان واغترابه، من خلال معاينته لتحولاته الفكرية والوجودية، لصمته ومعاناته و صخبه وابتهاجه.
ويقول مصدق متحدثا عن معرضه "هو مجموعة جهد تواصل في السنوات الأخيرة، تجريبا حينا على مستوى الموضوع والتقنيات، ورسم ما بدواخل النفس والذاكرة حينا آخر."
ويضيف "قد تثير قتامة ألواني ووجوه الشخوص الحزينة التي ستنجد في صمت قاتل شتى الانفعالات والأحاسيس لدى الواقف أمام أعمالي والمتأمل لها."
ثم يعقب "قد ينزعج الآخرون أكثر من تحطيمي لبعض قواعد فن التصوير الأكاديمي."
ويقول "إن هذا المعرض نافذة جسدية وروحية في نفس الآن على ما تخفيه كل أشياء حياتنا وتفاصيلها المبعثرة في النسيان: ذاكرة الإنسان السابحة بين الأرض والسماء والماء.
وهو تلك النوافذ التي تتراكم في ذاكرتي منذ طفولتي إلى الزمن الذي أعيشه اللحظة الآنية الممتدة في المستقبل: مستقبل الجسد والروح والأحاسيس المنفلتة من كل ما ذكرت.
فالوجع الساكن في نوافذي والمطل من لوحاتي، يشكل تعبيري التشكيلي في كل تنوعاته وتلاوينه على ما يعانيه الإنسان المعاصر في رحلته المستمرة في التراب والماء باحثا عن سبيل للانعتاق من إرهاصات العولمة وما ابتكرته من نماذج غريبة علينا ألقت بنا في دروب الاغتراب والتيه والضياع.
أن "نوافذ الذاكرة" دعوة شفافة ومفتوحة على الآمال والآلام لاكتشاف المناطق المسكوت عنها في حياتنا و ربما مماتنا".