الحوثيون الرقم الصعب الجديد في اليمن...

مرّة أخرى أثبت الحوثيون أنّهم الرقم الصعب الجديد في اليمن. أظهروا من خلال شلّ الحياة في صنعاء أنّهم أقوى بكثير مما يعتقد. بكلام أوضح، لم يعد ممكنا في أيّ شكل تجاهل ما يطالبون به، مهما كان سقف هذه المطالب عاليا. ولذلك، لا مفرّ أمام الرئيس عبدربه منصور هادي من الدخول معهم في مفاوضات جدّية من أجل التوصّل إلى تفاهم في شأن تقاسم السلطة معهم من جهة وتوسيع نطاق الإقليم الذي يطالبون به من جهة أخرى.

كان الإعتراض على رفع الدعم عن المشتقات النفطية مجرّد ذريعة استخدمها الحوثيون لإثبات وجودهم في صنعاء. هذا الوجود كان قائما منذ فترة طويلة. ولكن لم يكن لدى ما يسمّى السلطة تصوّرا واضحا لمدى قوته وتماسكه. استطاع الحوثيون تجاهل ما صدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي طالبهم في بيان له بالتراجع. سخّفوا كلّ ما يصدر عن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة جمال بن عمر. كان ردّهم واضحا كلّ الوضوح. لجأوا إلى مزيد من الضغط عبر تعزيز حصارهم لصنعاء وقطع كلّ الطرقات المؤدية إليها.

بإختصار شديد، قال الحوثيون أن ما قبل سقوط مدينة عمران في يدهم ليس كما قبل سقوطها منذ نحو شهرين. في الواقع، كان سقوط عمران ذات الموقع الإستراتيجي والتي تعتبر مفتاح السيطرة على مناطق عدّة في شمال اليمن، بما في ذلك صنعاء ومطارها، بمثابة نقطة تحوّل.

لم تكن السيطرة على عمران نهاية زعامة آل الأحمر، وهم الزعماء التقليديون لقبيلة حاشد القويّة المتماسكة فحسب، بل كان سقوط عمران هزيمة للإخوان المسلمين الذين كشفوا نقاط ضعفهم أيضا. كان الإخوان جزءا من مؤسسات الدولة اليمنية. كانوا في كلّ مكان، خصوصا في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. الآن، صار على الإخوان البحث عن مكان آخر غير صنعاء يتجمّعون فيه ويدافعون عنه. يبدو أنّه صار عليهم الإتجاه نحو الوسط والجنوب بعد خسارتهم معركة الشمال. ولكن، هل هم مقبولون في الوسط الذي يبحث عن زعامات له... أو في الجنوب الذي تسود فيه الرغبة في الانفصال واقامة دولتين على الأقلّ.

الدولة الأولى في عدن والمنطقة المحيطة بها، والأخرى في حضرموت التي تمتلك أصلا كلّ المقومات التي تسمح لها بأن تكون مستقلّة كلّيا.

وسط كلّ ما تشهده صنعاء هذه الأيّام من تطورات. ثمة سؤالان لا بدّ من طرحهما. الأوّل، هل لا يزال هناك نفوذ من أيّ نوع لرجال أقوياء مثل اللواء علي محسن صالح الأحمر الذي كان شريكا فعليا في السلطة في عهد الرئيس علي عبدالله صالح الذي امتد طوال ثلاثة وثلاثين عاما قبل أن ينقلب عليه ويتحالف مع خصومه؟ على رأس خصوم علي عبدالله صالح كان الشيخ حميد عبدالله الأحمر أحد أبرز قادة الإخوان المسلمين.

أمّا السؤال الثاني والأخير فهو ماذا يريد الحوثيون المرتبطون بايران فعلا وبشكل عضوي؟

بالنسبة إلى السؤال الأوّل، يبدو صمت اللواء علي محسن صالح الذي لا يزال يحمل صفة المستشار العسكري للرئيس اليمني غريبا. من الواضح، أنّه استوعب أخيرا معنى الدخول في صراع مع علي عبدالله صالح من منطلق أنّ الإخوان المسلمين سيكونون القوّة الصاعدة الجديدة في اليمن. استخفّ علي محسن صالح بعلي عبدالله صالح، على الرغم من أنّه كان رفيق السلاح وغير السلاح وبين أكثر الناس معرفة به، خصوصا أنّهما من القرية نفسها في مديرية سنحان التي لا تبعد كثيرا عن صنعاء.

يشير صمت علي محسن صالح إلى مدى عمق التغيير الذي حصل في اليمن. هناك رجال تجاوزهم الزمن وأنهتهم الأحداث بعدما كانوا لاعبين اساسيين فيه منذ العام 1978. هناك تركيبة قبلية لم تعد قائمة ولكن من الصعب القول أنّها انهارت كلّيا. وهذا يعكس إلى حدّ كبير معنى تحطّم صيغة الدولة المركزية التي كانت تحكم البلد من صنعاء بفضل تحالف بين المؤسسات العسكرية والأمنية وحاشد وعدد من كبار رجال الأعمال الآتين من الوسط، خصوصا من تعز.

بالنسبة إلى السؤال الأخير، يبدو أنّ الحوثيين يعرفون تماما ماذا يريدون. إنّهم يريدون الشراكة الفعلية في السلطة. يريدون أن يكونوا في كلّ المواقع المهمّة والمؤثرة. لا يمكن أن يقبلوا فقط بتغيير حكومة محمّد سالم باسندوة المرتبط بحميد الأحمر. لا يمكن أن يكتفوا بثلاث حقائب هي التربية والتعليم والأوقاف والعدل. يريدون أن تكون محافظات الشمال، على غرار محافظة صعدة حيث عيّنوا محافظا منهم منذ سنوات عدة. يريدون قادة عسكريين موالين لهم في هذه المحافظة أو تلك. يريدون بكلّ بساطة أخذ ما يستطيعون من المكاسب من دون تحمّل أي اعباء ناجمة عن الأزمات المعيشية التي يعاني منها المواطن اليمني... وهي أزمات لا تحصى، تبدأ بالفقر وتنتهي بالتعليم والمياه والكهرباء، مرورا بالحركات الإرهابية والأمن والأمان. إنّها أزمات لا حلّ لها في المدى المنظور. لماذا تحمّل أيّ مسؤولية من أيّ نوع كان تجاه المواطن العادي، ما دام في الإمكان القائها على الآخرين؟

يبدو أن على اليمن التعايش مع نفوذ الحوثيين، أي مع النفوذ الإيراني، أقلّه في الأشهر القليلة المقبلة. هذا النفوذ يطرح تحدّيات من نوع جديد. هذه التحديات لا تعود إلى مدى ارتباط الحوثيين بإيران فحسب، بل تعود أيضا إلى غياب المشروع الوطني الواسع الذي يمكن أن يحول دون تشظي اليمن. فمؤتمر الحوار الوطني الذي خرج بصيغة "الدولة الإتحادية" والأقاليم الستة صار جزءا من الماضي. كان الحوثيون الذين شاركوا في الحوار الوطني أوّل من انقلب عليه بعدما اعتبروا انفسهم غير قادرين على أن يكونوا اسرى الإقليم المخصص لهم والذي لا منفذ بحريا له.

من سيأتي لليمن بصيغة جديدة؟ التمنيات وحدها لم تعد كافية. ربّما هناك حاجة إلى انتظار التطورات المتسارعة على الأرض لمعرفة ماذا يمكن أن تكون عليه الصيغة.

من بين هذه التطورات التي تبدو الحاجة إلى مراقبتها عن كثب، امتحان قدرة التركيبة القبلية للبلد التي عمرها مئات السنين على مقاومة الحوثيين. هل هذا وارد بعدما أظهر هؤلاء أن الإستثمار الإيراني في رعايتهم كان استثمارا في محلّه إلى حدّ كبير؟