الحوار دون تعصب

بقلم: أيمن الدقر

الحوار مع أغلب المثقفين الشباب المنتمين إلى أحزاب موجودة على الساحة السياسية السورية يؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة واحدة وهي الإصرار على الحياة الديمقراطية بكل ما تعني الكلمة من معنى، كحاجة أساسية لبناء المجتمع الحر، وكحل أمثل لجميع المشكلات التي تمر بها سوريا في هذا الوقت العصيب، وكأساس راسخ لبناء سوريا المعاصرة التي يرغب جميع أبنائها باللحاق بركب الحضارة المعاصرة والمتسارعة في نموها إذ "لم يعد بالإمكان الوقوف في المكان" وإلا لوجدنا أنفسنا معزولين عن العالم وكأننا نعيش في كوكب آخر.
إلا أن ما يؤخذ على بعض المثقفين السياسيين هو ذلك الموقف الذي لا يتبدل والذي يتجلى (بقصد أو بغير قصد) أثناء الحوار بالتعصب لحزب بذاته أو لفكر وكأنه من المقدسات التي لاتُمَس (وقد يكون هذا بسبب العادة) إذ لا يمكن أن يرى أغلب مثقفينا الطريق إلى الديمقراطية إلا من خلال أفكار ومنطلقات أحزابهم، وإلاَ فالطريق مسدود حسب رأيهم، فالشيوعي مازال يرى أن الوصول إلى الديمقراطية لا يمكن أن يتم إلا عبر ما خططت له الأممية، والبعثي لا يرى الديمقراطية إلا من منظوره القومي ومنطلقاته النظرية، والناصريون يرون في ديمقراطية عبدالناصر مثالاً أعلى وعلى الجميع أن يحتذوا به، والإسلاميون يرون أن أصل الديمقراطية هو الإسلام...الخ..ماهنالك من أحزاب.
وهنا لنا أن نتساءل: كيف استطاعت المجتمعات الغربية تحقيق الديمقراطية وبناء ثقافة ديمقراطية ترسخت عند شعوبها واستطاعت أن تحولها إلى سلوك يومي ناجح دون أن يكون المخطِّط لها شيوعياً أو بعثياً أو ناصرياً أو إسلامياً... وكلٌ مصرّ على نهجه الحزبي الذي يرى أنه الوحيد الذي يحقق الشروط المثالية للوصول إلى الديمقراطية؟!
ولنا أن نسأل هؤلاء: هل الديمقراطية الأوروبية مثلاً فاشلة أم كاذبة كونها بُنيت على أسس تختلف عن أسسهم؟.. أم أن أوروبا لو تعلمت من الشيوعيين أو البعثيين أو الإسلاميين أو الناصريين..الخ.. النهج الديمقراطي لكانت بحال أفضل مما هي عليه؟
بتصورنا أن أول خطوة باتجاه الحياة الديمقراطية هو الحوار وليس التطرف وتبادل الآراء لا فرضها إن أحزاباً سياسية تتحاور وتطور نفسها ونظرياتها من خلال الحوار، هي الأحزاب المطلوبة جماهيرياً، وليس من المعيب أن يتطور فكر أي حزب من خلال تعديل النظرية أو استعارة جزء مناسب من نظرية أخرى يراها الحزب مناسبة لتطويره، أو حتى تبديل النظرية برمتها.
إن الإصرار على تحنيط الأفكار واعتبارها مقدسات هو خطأ ارتكبته أحزابنا السورية، وأدى هذا الخطأ إلى حالة ثبات في المكان بينما العالم يتغير ويتطور نتيجة لمعطيات جديدة لم تواكبها أحزابنا، بل رددت ومازالت تردد شعارات لم تتحقق لأسباب كثيرة اهمها، عدم التجديد أوالتطوير لمسايرة المتغيرات على الساحتين الداخلية والخارجية.
أحزابنا الموجودة حالياً تحتاج إلى تطوير من الداخل على الصعيدين الفكري والتنظيمي للخروج من حالة "الوقوف في المكان" التي أدت إلى شلل الحركة السياسية، ونحتاج إلى أحزاب اخرى منافسة للأحزاب القائمة، تتسابق معها في خدمة المواطن والوطن الذين هما غاية الحزبية والسياسة. أيمن الدقر، رئيس تحرير مجلة أبيض وأسود السورية السياسية