الحنين بين مسلتين

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
ليتنى أعود ثانية لبلادي

لعل علم المصريات يدين بالكثير لجهود العالم الفرنسي جان فرنسوا شامبليون، فقد كان نجاحه في حل رموز حجر رشيد الذي اكتشفه ضابط الحملة الفرنسية بوشارد بالقرب من رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر انقلابا تاريخيا جعل من نقوش المعابد المصرية التليدة كتابا مفتوحا.
وبفضل شامبليون عرف العالم هذه الجذور العميقة لأعرق حضارة والتصق باسمه لقب المصري.
زار شامبليون مصر عام 1828 وعاش فترة في الأقصر، واختار كوخا من اللبن بالقرنة لإقامته، كان يحلو له تسميته بالقصر، وعاش شهورا في مقبرة رمسيس الرابع بمدخل جبانة وادي الملوك.
وقضى أيامه في الأقصر يسجل نقوش المعابد والمقابر والسراديب ويترجم النقوش الفرعونية الخالدة.
ومن شدة إعجابه بمسلتي معبد الأقصر اللتين شيدهما رمسيس الثاني، وقد أوصى بنقل إحداهما إلى العاصمة الفرنسية باريس.
ووضع الخطة التي تم بها نقلها على دمث يطفو على النيل ويرفعه الفيضان إلى البحر.
ولقد برر وصيته بنقل المسلة قائلا إنه ينقلها حتى يقف أمامها في خشوع الفنانين والمبدعين.
ترى لو ظلت هذه المسلة بخدرها الآمن بجوار شقيقتها الشامخة بمعبد آمون بالأقصر هل كانت ستحرك وجدان واحد مثل المفكر الفرنسي جوستاف فولبير الذي قال عن مسلة باريس "ما أشده من أمس تلك الذي تعانيه المسلة وهي فريدة هنا في ميدان الكونكورد، فكم تحن إلى نيلها ترى ماذا يدور بخلدها وهي ترى العربات تروح وتغدو بين يديها بدلا من العربات الفرعونية التي كانت تقف تحت قدميها في الأزمان الغابرة بعد أن ظلت طيلة ثلاثة آلاف عام تقف بجوار زميلتها."
ومثل كاتب آخر هو مكسيم دوكان الذي سطر في كتابه النيل:
"وتبقى مسلة الأقصر وحيدة تحت الشمس الحارقة تتوق إلى أختها الغائبة."
ولو ظلت في مقامها الآمن هل كانت ستلهم شاعرا مثل تيوفيل جوتيه الذي كتب قصيدته الرائعة "مسلات تحن لماضيها" التي أقتطف منها: أنا المسلة التي فقدت شقيقتها ..
أشعر في هذا الميدان بالملل ..
لقد تجمد جبيني من الثلج والضباب والرزاز والمطر ..
بعد أن أصابه الصدأ ..
ليتنى أعود ثانية لبلادي ..
وانتصب من جديد إلى جانب صاحبتي الوردية ..
ويواصل الحديث على لسان مسلة الأقصر، فيقول: ليتها تعود شقيقتي .. الواقفة بأحد ميادين باريس ..
سيكون في قربها إذن عزاء لروحي ..
إنني أسهر كحارس وحيد ..
لهذا القصر الكبير الخرب ..
وسط الوحشة السرمدية ..
قبالة مساحة شاسعة ..
كم أريد أن أكون مثل شقيقتى ..
فينقلوني إلى باريس الكبيرة هذه ..
لأكون إلى جوارها ..
لكي نلهو وسط ميدان يزرعوني فيه ..
ترى هل كان شامبليون محقا، عندما نقل هذا التراث الخالد إلى باريس ليشاهد الغرب عظمة مصر تتلألأ في قلب عاصمة النور، أم أنه لا يختلف عن والي مصر الألباني محمد علي الذي فرط في تراث مصر، والذي قال عنه شامبليون ما أن ترامى إلى محمد علي أن المصريين القدماء كانوا يرمزون إلى بلادهم بالبقرة حتى انكب يحلبها ويرهقها ويستنزف قواها أناء الليل وأطراف النهار، ولعل هذا لم يكن ثمرة النصائح التي كان يسوقها لمحمد علي القنصل دورفيني وجومار وغيرهما ممن لبسوا مسوح رعاة هذا الشعب المنكوب.
لقد كلفتنا زيارة واحدة لشامبليون درة غالية لا تقدر بثمن، ترى لو لم توافيه المنية بعد هذه الرحلة مباشرة كم كانت ستكلفنا رحلاته التالية؟
إن عودة تراث مصر المسلوب إلى أرضنا هو حقنا الذى لا يجب أن نسكت عنه. عبدالمنعم عبدالعظيم محمد ـ الأقصر (مصر) Monemazim2007@yahoo.com