الحلم المشتت.. وتداعيات المأساة

بقلم: عزيز التميمي
الحلم.. أي حلم؟

يفتتح القاص "طالب ياسر"* مشهده القصصي برؤية تؤكد هموم الرجل الذي حمل أسماله وأمكنته فوق ظهره وراح يجوب الطرقات بحثاً عن ألم يشبه ألمه وعيون تذهب بعيداً بنظراتها لتطال حافة ذلك الحلم المنسوج في شتات أمكنته التي يصرّ على تسميتها وطناً رغم محاولات التشظية القسرية التي تمارس ضد حلمه على مرأى من عيون دعاة الإنسانية في عصر لا يؤمن إلاّ بنفسه الموسمة بصوت الحضارة، وتبرز هنا الحاجة إلى طرح السؤال التالي: من أنتج المأساة في الأدب؟ أهو الأديب الذي عاش المأساة واحتواها ضمن رؤية فلسفية أم الأديب الذي أنتجته المأساة؟، ربما نقف معاً ونقرأ الاستنتاج مع القاص طالب ياسر الذي يهدينا في نهاية المطاف إلى ثمة أجوبة ربما فيها شيء مما نريد.
يقف هناك، يقف يتأمل القامات التي تساوم الريح أن يمهلها لحظات كي تبوح بسرها الأخير قبل الاجتثاث، ويقرأ كلماته ضمن حشد هواجس تطال ذاكرته المختمرة بالصور التي تلم شتات جغرافية تنـزف عشقاً أسطورياً لبيت أسمته أمه ذات يوم بالعراق أو ناداه جده في أمسية رمضانية بكنية تنتمي إليه، وحينما يرى الإنسان المجبول بحب يتصيده في كل الدروب والأزقة المنتمية لجذور النخيل والبساتين يسير بخطىً تتشظى مع عربدة الأفكار في ليال الشتاء، يطرح تساؤله المخيف عن الموت والقتل والهروب من طيف المرآة وعن لاجدوى السير في طرقات موحلة لاتثير في صوته غير الانهيارات النغمية التي تبلغ به حدود المأساة المدونة في ربوع ذاكرته، ويعلن في قصته "الاغتيال الأخير" تلك الأسئلة التي تؤدي به إلى تجسيم رؤيته وتداعياته عن حتمية يقرّ بها ضمن سطوره، إنهم يقتلون بلا سبب، وكأن القتل ما عاد يحتمل التأويل المنطقي كفعل يتجاوز حالة الوعي الممكن، أو ربما صار مسلمة لا تحتاج إلى فلسفة الإقناع، الأمر الذي جعل من صوت القصة أشبه بغصة عميقة تدك الدمع والارتجاف والحماسة، غصة تلم الآهة والصرخة والأنين الغائر في مهد طفل رضيع، وبلا شك ونحن نقرأ سطور القصة نشعر أن الإحباط يطوقنا وريح التشاؤم تصفر في سكوننا فننتبه إلى ثمة حقيقة تتجلى في حاضرنا، أن وطناً يتجزأ بين أفراده فينسل فيهم هماً يعبئ مساحات ذاكراتهم، فيطلقون صرخة على امتداد المسافات، تلك الصرخة التي استحالت ومضة لاأبالية في نهاية المشهد، أو لنقل إنها تدوينات الوقت الضائع، وبرزت كل أصوات الشخوص مبعثرة ما بين انكسار الحلم أو تأبين اللحظة، حتى الكلمات بدت مشمعة بحروف سود باردة لتؤكد لنا ولادة أدب المأساة في متاهات ما يسمى بالمنفى أو دوائر التيه القذرة التي رسمت وفق مخيلة تجار الحروب ودعاة الإنسانية الكاذبة، هكذا إذاً نمر في دروب الوجع ونحن مثخنين بطعناته لنتابع حركة الذات التي تعرف أنها ستنتهي وراء خطوط التماس التي رسمتها أياد مضمخة بنجيع الحلم المقتول.
ولو رصدنا كلمات القاص في الاغتيال الأخير التي تأخذنا إلى محيط المأساة نجد أننا نمارس حالة الهروب مرات ومرات، فنقرأ القتل بلا سبب.. الموت.. المرأة الهاربة.. الرصاصة.. الدم الدافيء.. الروح الباردة.. الضحكة الفاجرة.. المخبول..انفجار الرأس.. الخيبات والعذابات..، وهكذا نجد الشهوة مثلما اقتنصها الكاتب ووصفها بالشهوة المزمنة للهروب بعيداً عن تلك اللحظة الحادة، اللحظة التي تحز رقبة الحلم فينا فترديه قتيلاً يسيل دمه ليملأ الدروب والحواري والبيوت، ويتجلى ذلك الأفول والتداعي بكلمات الأم عن حارات دمشق الرمادية أو التي تراها رمادية، مبدية موقفاً صارماً لحالة البعد عن حنينها وحلمها، ومن ثم كلمات الأخت عن حالة الهذيان والغضب التي تعتريها بسبب بعد الوطن عنها، ذلك الوطن الذي تجاوز عندها مفهوم الأسرة والمجتمع واتخذ من البيئة بكل إحداثياتها الزمانية والمكانية والإنسانية وحتى الأبعاد الأخرى التي تطال الهم الإنساني كوحدة من التوق والاحتياج والترقب.
وخلال كل هذه الإتساعات والملامح يحاول الكاتب أن يتصور المأساة كحلم تجاوز حالة الكسل وتفلّت ومضة فلسفية تطرق الأبواب وتستنطق التأمل بلغة هادئة تارة ومشحونة تارة أخرى مع تدخلات مقصودة وغير مقصودة من قبل الكاتب في مزج المرئي والمتخيل وإنشاء صورة طغت عليها سمات التشاؤم والإحباط حتى إننا كدنا نهرب من أجواء القصة لتعمد الكاتب رشقنا بحالات الانكسار والهذيان الروحي الغارق في حزنه، وحتى في قصة "حلم في مدار الصفصاف" نلمس خيوط الاستسلام في كلمات البطل الذي ركن لحالة نفسية تعكس عمق حالة اللاّجدوى وتبلور خيوط هزيمة بدت قسرية إلاّ إنها استكانت مع رغبة لا أبالية لتتمم مشهد الإحباط والذي يعتبر إحداثي سلبي إذا ما اعتبرناه نتاج ظروف كثيرة عمل عليها الطرف المستبد أو عنصر الطاغية ليجد له سلاحاً خطيراً يعالج به حالات ردة الفعل الطبيعي والتي تعتبر رؤى مغايرة تهدف إلى إعادة تدوين الأبعاد الإنسانية وصياغة نمط جديد من العلائق ضمن إطار المؤسسة التي سادت في عصور النهضة، فنرى الكاتب يتناول المشهد من خلال رؤية الاتجاه المعاكس وما تتضمنه هذه الرؤية من إمكانيات في تحليل وتكوين تصور لحالة الاستلاب، إلاّ أنه لا يستثمر كل الأبعاد المتاحة له وإنما يتعمد تناول الحدث وفق ما تراه عينه ويخلد في ذاكرته، أي قراءة الحدث قراءة مباشرة لا تتجاوز حالة الثأر النفسي أو هيجان المشاعر في لحظة سخط، وتجاوز بذلك على عنصر اللغة في تحييده ضمن رسم المشاهد الإنسانية التي تدعم مفهوم الانهزامية في أدب الرفض مع العلم أن لغة القصة فيها الكثير من الإيحاءات والومضات الجميلة التي لو أطلقت من أقفاصها اللفظية لشكلت صوراً وتأسيسات أكثر عمقاً، معتمداً على إمتدادات الموروث الشعبي المتمثل بكلمات الجدة وهي تمسك بالطفل لحظة الولادة، وكذلك الرؤية التشاؤمية للغراب، وقداسة الطين وذِكْر الأنبياء، ومقولات عن سوء طالع من يلتقط الرغيف الأول، والتأكيد على مفهوم الإله الشرقي الذي انسحب من كنيته ليطال بذلك صفة فرزتها حالة الضغط والاستلاب، ونستطيع أن نقول أن توظيف الموروث الشعبي في تدوين حالة المأساة والتركيز من خلاله على البعد السلبي الذي يعزز حالة الضياع واللوعة التي خلّفها مفهوم الوطن المفقود في دخيلة الشخوص أضعف حالة التوظيف هذه وجعلها تساهم في صياغة الجانب السلبي، وكأن المأساة التي تعرض لها الوطن لم تثر في عمق الفرد سوى حالة من الهذيان والانكسار النفسي، تلك الحالة التي بدت واضحة في استرجاعات البطل في قصة "حلم في مدار الصفصاف"، وكذلك في استقبال والده له لحظة ظهوره في حياته من جديد مع علمنا أن حقيقة هذا الظهور هي تأكيد لحالة الموت، وخصوصاً تلك اللحظة التي راح الأب يشرح للأم معاناته بسبب الجفاف وارتفاع الأسعار، وكأن المأساة أنتجت إنساناً ساهم هو الآخر في تدعيم مأساته بحالة لا أبالية وموقف غير مسؤول، أو بعبارة أخرى ظهر أثر المأساة في توجيه رؤية الكاتب لإنتاج لوحات باهتة وشخوص لا تبدي أية علامة استفهام إزاء الوضع القائم سوى الاسترسال في الأحلام المخدرة أو الأحاديث التي تجزم أن الوطن مازال بعيداً ومغلفاً بمفاهيم أكثر ضبابية غير قادرة على صنع حالة من الكبرياء والرفض، واستفحال اليأس الذي جعل من صورة الحياة سجن موتى غير معلن.
وحينما نستحضر كلمات الأم التي تهز رأسها بدهشة وهي تتمتم "يا إلهي كيف يعود الموتى؟" لا تبدي أية ردة فعل تعبر بها عن حالة الموت التي تسرّبت إلى روحها وأحالت كلماتها إلى مجرد غبار بارد يحمل روح الهزيمة في جسيماته ثم يخبرنا الكاتب عن حالة الإله الشرقي التي نعرفها من خلال تدوينات الألم المتكررة والتي قرأناها كثيراً في تباشير الفلاسفة والمؤرخين ورجال الدين المفلسين، ويرسم لنا صورة تقليدية عن حالة الرصد هذه والتي جاءت مثقلة بالتشبيهات والاستعارات دون أن تبحث في تكوين رؤى فلسفية تمثل البعد الآخر للمأساة، أو تجعل من النص مساحة للتأمل والاستقراء والاستفزاز الذهني لخلق وجهة النظر المغايرة، والتي ستكون الصورة المرئية للمأساة، بدلاً من الانجراف نحو الإعلامية في تفجير هالة من التعاطف والتي غالباً ما تعكس حالات الرهان الإعلامي، وكنا نأمل من الكاتب أن يضعنا في حالة الهجس العميق لبناء رؤية تأسيسية وفهم حي لحالة المأساة.
وإذا ما حاولنا أن نقرأ الوجه الآخر من تأملات القاص طالب ياسر نشعر أننا إزاء صرخة مدوية تكشف عمق المأساة التي تتشاغل عنها دوائر الحضارة العاهرة، والتي تتبجح بولوجها عصر العولمة والرقي الفكري الذي ينـزاح بالإنسان ليضعه جنب الآلة المجردة ليجعل من المعادلة مجرد أرقام حسابية لا علاقة للمبادئ والقيم بها، وكل ذلك يأتي من خلال لغة شفافة تميل إلى الحس أكثر مما إلى التعقل في صوغ مفرداتها التي تتناول الهم الإنساني والوجع الناجم من محارق العصر وأتونات الظلم.
ويستمر الكاتب في سرد المأساة التي تأخذ منحىً فيه من السخرية الشيء الكثير حينما يتعرّض إلى صورة انتهاك الحس الإنساني من خلال مسرحة الحدث بشكل أسطوري يلم خيوطه في حركة الشخصية التي تظهر في وقت يحاول الناس فيه أن يضعوا رؤوسهم في قمقم النسيان، فيثير الحكاية من خلال بناء الأسطورة لحظة اكتشاف الأمهات خيطاً من نزف ينبئ بالخوف وبوادر الرعب التي تتجلى في عيون الآباء رغبة رملية دفينة، ليخبرنا أن الهم المتراكم لم يكن يوماً خارج حدود الذاكرة بل كان رغبة تنوء تحت وطأة الكارثة، وها هم الرجال يكشفون عن أسنان مكربنة لحظة استفزازهم بأن شيئاً من تكوينهم أو ربما هجسوا أن لوحتهم الحضارية التي حرصوا دوماً على حمايتها بتسميات ترتبط بكلمات مثل الشرف أو الحياء أو الفضيلة باتت مهددة، وبوادر خوفهم تسيل قطرات دم تعفر أمكنة تعني لهم الكثير، واستحالت كلماتهم ونظراتهم أحجية تقرض رغبتهم في إبداء الرأي الآخر على اعتبار أن الرغبة الإلهية هي من تخط ملامح سلوكهم، وبالتالي ممارسة حالة الرضا في تصورات غيبية قد تؤدي بهم إلى فهم هذا السلوك الغريب الذي تبديه الفتاة السحرية التي ظهرت ضمن حدود رؤية أسسها الكاتب من تداعيات رؤى أسطورية لينتج مدينة تتسع لاحتواء هذا التشابك المثير.
ورغم سطوة الفكرة الروحية على الذاكرة وما يترتب عليها من طوعية في تقديم القرابين والتوسلات بشتى أشكالها إلاّ أننا نلحظ تكثيف الصوت الآخر، الصوت المتمثل بسلوك الفتاة التي تؤدي حركات إيمائية وصيحات مفاجئة طوال ليالي تموز لتثير في ذاكرتهم شيئاً من ذلك التمزق والانتهاك، فتعود صورة التعاويذ وأنفاس الرب ترمم مشهد الاستلاب من خلال سلوك غريب يتجلى في تدوين صور الفتاة الرمز التي بثها الكاتب في رحم قصته "أحجية من تموزات أبدية"، ليحاول من خلال تراكم فكري ترتيب فصول المعاناة ما بين انتهاك واستلاب صارخ يقابله استسلام وانقياد لمنظومة مفاهيم تحيل الواقع بكل تجلياته إلى قبول لمشيئة الرب الذي شاء بسفر قدره أن يكون ما هو كائن، وبالتالي تفسير هذا الظهور كحالة لابد منها طالما النسيان من سمات الخلق.
ويبدو المشهد أكثر سخرية حينما يرضخ الناس لحالة من الرضا في سماع حكايات الإفتضاض المتكررة من قبل رجل لم يخلق الرب ابتسامة في وجهه، ويؤكد لنا السرد حالة الإفتضاض السرية متجاوزاً التسميات معلناً أن الإنتهاك لم يكن يوماً بحاجة إلى تعريف أدواته وسلوكياته، ويؤكد لغة التشويه من خلال تداعيات الوعي في صوت الفتاة التي احتوت اكثر من أسم من خلال أنوثتها المستلبة والتي تكررت حالة استلابها على مر التاريخ، وفي كل عصر تصحو تجد هناك من يحمل اسم "سيدي" يمارس ضدها استلاباً جديداً ويقابل هذا الانتهاك من قبل الناس على أنه حالة قدرية غير قابلة للنقاش، حتى تحول صوت الفتاة الأنثى، الفتاة الأرض، الفتاة الحضارة، إلى وثيقة إدانة تعلق في الواجهات الملطخة بالوحل والشعارات الزائفة ونما هذا الصوت إلى تحريض مقصود وأمنية تجلت في نفوس الناس برؤية الفتاة ميتة لأن صدى الصوت صار يتحلّق في كل الإتجاهات ويستحيل ومضات كابوسية تؤرق الرؤوس وترسم ملامح خيبة وانكسار سافر إزاء هكذا استلاب، وربما أراد الكاتب أن يؤكد وجهة نظره أن المأساة أنتجت حالة من الفوضى في رد الفعل وكشفت السلبية الواضحة في التعامل مع عنصر الشر من خلال تشويه الوعي لدى الطرف المنتهك وتمرير المفاهيم السلفية التي تفسر الحوادث على أنها من تصاميم القدر رغم الصيحات التي تنبثق في العمق الإنساني، ومن خلال مزج الأسطوري بالواقعي استطاع الكاتب أن يبلور رؤية تثير الكثير من التساؤلات حول أنتجة المأساة وما للوعي من دور في تأطيرها بطابع ساخر خصوصاً إذا اكتشفنا أن الضحية ساهمت إلى حد ما في تتويج لحظة ذبحها وسط تداخل مخيف في تصويب المبررات والدوافع، فجاءت قصة "أحجية.. من تموزات أبدية" بمشهد يطل على الواقع من خلال مسرح أسطوري فضح الكثير من القيم السائدة وتناول المعاناة بلغة ساخرة تجاوزت التقليدي والعادي الممل في تقديم الحدث على أنه وثيقة دامغة تفند الرؤية السائدة المتمثلة بدعم الإحداثي الروحي على حساب الآخر المنطقي، وتبرز بكل الألوان الصارخة حالة التشتت التي تخيم على واقع معاش.
ومن هنا يقف الكاتب ليدعم المفهوم الثوري الذي يراود مخيلة الكثير منا وربما استجاب لحالة فكرية ألحت عليه كي يؤكد البعد الفلسفي للمأساة ويترك علامة استفهام كبيرة أمام من يريد قراءة التاريخ الخاص بالوعي ودوره في رسم حدود المأساة، واستطاع القاص طالب ياسر في قصته هذه أن يقدم لنا نموذجاً مشوقاً لمسلسل الإنتهاكات وتداعيات الوعي إزاء ذلك من خلال صور متراكبة تداخلت فيها عدة أساطير أنتجت تصور عميق عن حالة الواقع المتردية والتي جاءت متوافقة مع صورة المشهد الذي يظهر فيه الرجل يحفر قبراً لطفلته الوليدة بيدين مرتعشتين وعينين دامعتين ويدرك تماماً إنه مازال يحب هذا الصوت اللائب تحت رماد القبر فينكسر على مر عصوره يتوعد الأصابع العابثة التي دفنت حلمه، على أنها لعنة الرب أو ربما صورة الرب كما وصفها الكاتب، وفي نهاية الكلام عن عوالم طالب ياسر القصصية التي لم نقرأ منها إلاّ اليسير استطعنا أن نلمس وبشكل واضح طاقة قصصية تتطور بشكل ملفت للنظر وتؤكد على جدية في البحث المتواصل في خبايا النص متوسمة فضاءات تؤدي إلى إنتاج نص له حضوره الفني والفكري وتطرح بنفس الوقت مجموعة مفاهيم جريئة عن واقع الحلم المشتت في بلد أثخنته الجراح وواقع المأساة المنتجة بلغة فنية فتية متصاعدة مع تطور حالة التأمل في نسيجها، وبصورة مختصرة أستطيع أن أقول أن طالب ياسر استطاع أن ينتقل بلغته في قصة "الاغتيال الأخير" التي بدت تحاول الخروج من رتابتها وضعف صورها إلى لغة مفعمة بالحيوية في قصة "حلم في مدار الصفصاف" وتأسيس صورة فنية ذات أبعاد دلالية مؤثرة، ورؤية استمدت من مرجعيات التراث والميثيولوجيا بعداً ساهم في تعزيز نغمتها حتى أتت في قصة "أحجية.. من تموزات أبدية" غاية في التأكيد على متانتها ورصانة صورها من خلال نسيج لغوي فني استطاع أن يمسك بزمام الحكاية ومزج مفردات الأسطوري بالواقعي ليأتي باللوحة النابضة والناطقة برموز شتى دفعت بالمعنى ليتنج مفهوماً واعياً لوقع المأساة التي تطرقت إليها في هذه القراءة المتواضعة، مما يؤكد أهمية استثمار الأدوات الفنية في إنتاج النص. مع تمنياتي للقاص بالإستمرار في محاولة البحث في مكامن اللغة التي من شأنها أن تسمي مفاهيم الحداثة بعيداً عن الإحتجاجات المتعلقة بالوعي الفني.

* القاص طالب ياسر : كاتب قصة عراقي مقيم في كاليفورنيا/سان ديغو، ينشر نتاجاته الأدبية في الصحف والدوريات. عزيز التميمي، ناقد عراقي يقيم في الولايات المتحدة