الحلف الأطلسي إذ يعثر على عدوه المنتظر!

بقلم: فيصل جلول

يتقدم الحلف الأطلسي نحو الشرق الأوسط بخطى متأنية لكنها ثابتة: يلعب دورا في أفغانستان؛ يمارس مهمات لوجستية في العراق عبر تدريب وتأهيل القوات العراقية. فقد اقترحت واشنطن في اجتماع وزراء خارجية الحلف الخميس الماضي في ليتوانيا أن يضمن اتفاقا للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين ولن يطول الوقت الذي ستطلب فيه من الحلف أن يلعب دورا كاملا في العراق خصوصا إذا ما استمر التداعي في القوة المتعددة الجنسية التي تعمل مع الاحتلال في بلاد الرافدين.
والواضح أن تنامي دور الأطلسي في الشرق الأوسط يسهم في تحديد هويته الجديدة وبالتالي ترسيخ الاتجاه الذي برز داخله بعد انتهاء الحرب الباردة. فهو في طريقه لان يصبح القوة العسكرية الأولى التي تدافع عن الولايات المتحدة وأوروبا إزاء التهديدات الخارجية وربما يتوغل في هذا الاتجاه أكثر ليصبح القوة الغربية الأولى المولجة بحماية المصالح الغربية المهددة خارج ضفتي الأطلسي.
بيد أن الأطلسي يواجه اليوم كما بالأمس العقدة الفرنسية وبدرجة أقل حدة العقدة الألمانية. فباريس ترى أن حماية السلام في الشرق الأوسط متصلة باللجنة الرباعية وأن مشاركة الحلف في احتلال العراق بعد أفغانستان قد تثير عداء العرب والمسلمين الذين ينظرون إليه بوصفه ائتلافا عسكريا للمسيحية الغربية. ناهيك عن الرغبة الفرنسية المعلنة في تأسيس قوة ردع عسكرية أوروبية مستقلة.أما ألمانيا التي كانت تعترض على إيلاء دور للحلف في الشرق الأوسط فقد باتت ـ كما ظهر في اجتماع ليتوانيا ـ اقل اعتراضا وترى أنه يتوجب عدم استبعاد دور ما للاطلسي في صيانة السلام العربي الإسرائيلي خصوصا أن إسرائيل لن تقبل بأي طرف آخر لضمان السلام غير الأطلسي.
في ظني أن العقدة الفرنسية ليست كأداء فقد سبق لباريس أن اعترضت على حرب العراق دون أن تفلح في وقفها وهي بالتالي قد لا تعمر طويلا إذا ما تم حل عقدة الكلفة المترتبة على عمليات الأطلسي الخارجية ذلك أن قوات الحلف واردة من الدول الأعضاء وهذه الدول ليست مستعدة لزيادة مخصصات الإنفاق العسكري اقله في الظروف الراهنة.
سوى أن الموانع المذكورة قد تنهار تماما وقد يصبح الطريق ممهدا أمام المشاركة الأطلسية إذا ما تبين أن الولايات المتحدة الأمريكية مشرفة على هزيمة عسكرية مهينة في العراق أو إذا ما أصرت إسرائيل على ربط السلام في الشرق الأوسط بدور للحلف الأطلسي.
في الحالتين لن يكون بوسع باريس المغامرة بالرفض و هي التي سبق لها أن أكدت أنها لن تسمح بهزيمة واشنطن في العراق وأنها ترغب أيضا في حل نهائي للقضية الفلسطينية يجنب أوروبا مضاعفاتها المؤذية.
في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن أمريكا ورثت حرب فيتنام بعد هزيمة فرنسا في "ديان بيان فو" وأن القوتين لا تسمحان لخلافاتهما بالتوسع لتصل إلى حد القبول بهزيمة أحدها هزيمة شنيعة يمكن أن تفتح الطريق على حرب تطال الغرب برمته كما يظن استراتيجيو البلدين. دون أن ننسى أيضا انه في ذروة الانقسام الفرنسي ـ الأمريكي مطلع الستينات أعلن الجنرال ديغول صراحة انه يقف بحزم إلى جانب واشنطن في قضية الصواريخ الكوبية ما يعني أنه ما أن يتبين أن أمريكا مشرفة على الهزيمة في العراق ربما لن يتأخر الحلف الأطلسي في الدخول في الحرب هذا إذا أفترضنا اليوم انه بعيد كثيرا عنها فهو يشارك في تأهيل العسكريين العراقيين وفي توفير الدعم اللوجستي والمعلوماتي لقوات الاحتلال وفي وجوه أخرى غير مرئية من هذه الحرب.
ويجدر تذكير الذين يمكن أن يستبعدوا هذا السيناريو بان هزيمة واشنطن في العراق تبدو محتملة بنظر العديد من المحللين الاستراتيجيين في الدول الغربية من بينها فرنسا والولايات المتحدة نفسها لا بل أن بعض هؤلاء يعتقد أن أمريكا خسرت الحرب ابتداء من اللحظة التي اضطرت فيها إلى تغيير خططها بتحويل العراق إلى أفغانستان أخرى. ويرى هؤلاء أن انتصار المقاومة العراقية يمكن أن ينعكس بصورة شديدة السلبية على مجمل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وبالتالي على الحرب الدولية على الإرهاب وان يؤدي إلى هزيمة مؤكدة في أفغانستان والى إضطراب في دول المنطقة ومن ثم إلى تصاعد تيار الإسلام السياسي في أنحاء مختلفة من العالم الأمر الذي يعادل كارثة حقيقية في منطقة استراتيجية مصدرة للطاقة. ولعل استمرار ارتفاع أسعار النفط ينم في احد وجوهه عن مخاوف جدية في هذا الاتجاه.
يبقى أن اشتراك الحلف الأطلسي في الحرب قد يزيد الأزمة العراقية اضطراما ويعزز من أجواء العداء السائدة ويفتح الباب واسعا أمام المنادين بحرب الحضارات وهو عموما لن يأتي بحل سحري للمشكلة العراقية التي تنطوي على رهان أمريكي بإخضاع الشرق الأوسط وإعادة تشكيله بما يتلاءم مع تصور واشنطن لدورها العالمي ولدور حليفتها إسرائيل في قلب هذه المنطقة الاستراتيجية في العالم في حين يقاتل العراقيون من أجل استقلال بلادهم وسيادتها.
هكذا يبدو أن الحلف الأطلسي مرشح بصورة جدية للغوص في الرمال العراقية المتحركة ومرشح أيضا للعب دور حاسم في حماية السلام العربي الإسرائيلي في حال انبثاقه.وفي الحالتين سيكون الحلف قد وجد عدوا مناسبا بعد الحرب الباردة ليس بعيدا جغرافيا عن روسيا السوفيتية لكنه مختلف عنها بكونه ضعيف الإعداد والتسليح قوي الممانعة ومشبع بثقافة العصيان والمعاندة الأمر الذي يهدد بطول أمد الحرب وتوسعها وسيادة اللااستقرار الهدام وليس البناء فيها مع ما يترتب على ذلك من آثار خطيرة على كل صعيد وفي كافة الأنحاء.
يبقى أنه سواء اشترك الأطلسي في الحرب العراقية أم بقي على مسافة قريبة منها فان الوقت لا يلعب لصالح قوات الاحتلال التي باتت حقيقة أمام معادلة من النوع الفيتنامي فهي غير قادرة على الانسحاب لكنها غير قادرة أيضا على البقاء ويزداد المتضررون منها يوما بعد يوم داخل العراق وخارجه إلى حد قد يصدق معه القول أن هذه الحرب ستقرر فعلا مصير العالم وربما على النقيض تماما من أحلام وأوهام المحافظين الجدد. فيصل جلول