الحكومة العراقية تكره الصحافة

لماذا لا يتعلم العراقيون من المغاربة ممن سارعوا إلى انقاذ مهنة الصحافة بدعم الصحف.


اوسكار وايلد: في أميركا يحكم الرئيس لأربع سنوات بينما تحكم الصحافة إلى الأبد


لم تشهد الصحافة العراقية الورقية التي مر على انطلاقها 151 سنة وضعاً مأساوياً مثل الذي تعانيه الان

قد يبدو العنوان الذي وضعته لعمودي الصحفي هذا الاسبوع صادما، بعض الشيء على الصعيد الرسمي، لكنه عند الصحفيين يمثل حقيقة وواقعا معاشا. فالصحافة العراقية الورقية التي مر على سنيها 151 سنة منذ صدور العدد الاول من صحيفة "زوراء" وحتى اليوم، لم تشهد وضعاً مأساوياً مثل الذي عانته في السنين القريبة المنصرمة. وحديثي لا علاقة له بظروف كورونا وتداعياتها، انما اتحدث عن مدة بدأت ملامحها تتضح منذ بداية العقد الماضي، حيث بدأت عناقيد الصحف الرصينة تتساقط واحدة أثر اخرى، بسبب شحة مواردها، وابتعاد الحكومة عن شواطئها من خلال غياب مورد الاعلان الحكومي، وعدم وجود مؤسسة رسمية تختص بالتوزيع، حيث حرمت المحافظات من وصول الصحف اليها، وبقيت حبيسة التوزيع الفردي البسيط داخل بغداد، وتوزيع خجول في مراكز المحافظات بواسطة وسائط النقل الاهلية، تنطلق من كراجات بغداد، باتجاه مراكز المحافظات، فيما غابت الصحف في الاقضية والنواحي نهائيا، فضاعت بذلك المكتبات التي كنا نعرفها.

ما الذي دعاني لكتابة هذه السطور، واثار مواجعي. انه المغرب، البلد الشقيق الذي يشكو العوز المالي، ويعيش اضطرابا اقتصاديا معروفا، خصص يوم الجمعة قبل الماضية (26 حزيران) 25 مليون دولار، الى الصحف المقروءة الصادرة في العاصمة ومحافظات القطر الشقيق، دعما للصحافة والعاملين فيها، لإيمان البلد الشقيق ان الصحافة هي الواجهة المضيئة في الحياة المدنية للمجتمع. ونحن البلد الذي بدأت الصحافة فيه قبل نحو قرن ونصف، نجدها تموت ببطء امام انظار الحكومة وامام البرلمان وامام رئيس الدولة، دون ان يلتفت اليها احد منهم، ناسين إن ذلك هو موت مجتمعي بالكامل. وانني الان اشاهد ان هذا الموت الزؤام يتجه بقوة الى الصحف الشجاعة التي تواصل الصدور بعناد الابطال الان، لكني احسُ، انها ستتعب يوما، في ظل حكومات متعاقبة لا تعي دور الصحافة، وربما قريبا ترفع راية التوقف، باعتباره آخر الكي، بعد معاناة طويلة، واستنزافات، لم يقو على استمراها اصحابها، فاتجهوا مرغمين الى تشريد مئات العاملين من الصحفيين والفنيين. هم الآن بلا عمل، واظن ان عددا آخر سيلتحق بقافلتهم.

لقد قلت سابقا، واعيد قولي: ان الكثير من الصحف، قلصت اعداد موظفيها الى النصف، وهي ايضا تتلكأ بدفع رواتب البقية الباقية من العاملين فيها، وازاء هذا الواقع المؤلم،، لم يرف جفن للجهات المعنية، من اجل وضع الأصبع على الجرح النازف.. فربما يأتي يوم نرى فيه العراق، خالياً من الصحف، بسبب فقدان الرعاية والدعم من كافة الجهات التي ينبغي ان تكون من اولى مهامها تشجيع الصحافة.

وبيأس اقول، لندرس هذه الظاهرة قبل فوات الأوان، ونقف على ابرز اشكالها، واعمق محطاتها، فحالة البطالة في صفوف الصحفيين العراقيين بلغت شَأواً خطيراً!

فهل، يتعظ من يجلس على كراسي الدولة، بقول الشاعر والاديب الايرلندي اوسكار وايلد: "في أميركا، يحكم الرئيس لأربع سنوات، بينما تحكم الصحافة إلى الأبد."